مهمة تاريخية للإنجاز

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس –
شاءت الأقدار أن يلتقي المنتخب المغربي والمنتخب الفرنسي لكرة القدم مرة أخرى في مباراة ربع نهائي كأس العالم 2026، الذي يعادل في نسخته الجديدة نصف نهائي كأس قطر 2022، والذي منح في ظروف صعبة، امتيازا للمنتخب الفرنسي على حساب نظيره المغربي، وأهلته للمرور إلى الدور النهائي، واليوم وبعد أربع سنوات على واقعة قطر، يراهن المنتخب المغربي بعد إعادة تنظيم صفوفه وتقوية مركزه وتطعيم فريقه التقني والكروي بجيل جديد من الكفاءات الرياضية والتدبيرية المعتبرة، أن يفرض نفسه من جديد في ميدان اللعب مع المنتخب الفرنسي، وأن يتخطى صدمة إقصائه غير المستحق في قطر، ووقف زحفه عند حاجز نصف النهاية.
قطعا ستكون مباراة الربع لمنتخبين قويين يمتلكان نفس حظوظ الفوز والتتويج، خبرا بعضهما البعض في الميدان، بطعم مباراة القمة النهائية التي ستتوج منتخبا واحدا من الإثنين، بحكم قواعد اللعبة ومنطق الكرة. يدخل المنتخب الفرنسي للمباراة بأمل كبير في الحفاظ على مكتسباته وتأكيد تفوقه في كأس قطر 2022 بتقدم في النسخة الجديدة إلى منصة التتويج، ويدخل المنتخب المغربي المباراة بنفس الروح والأمل والعزيمة على تخطي عقبة فرنسا نحو الدور المقبل الحاسم. وإذا كانت هناك عدالة رياضية وتكافؤ الفرص واحترام قواعد اللعبة من طرف الأوصياء عليها والمتحكمين في دواليبها وحكامها وحكمائها، فإن المنتخب المغربي سيكون في وضع قوي ومريح لإعادة تمثيل سيناريو مباراة المغرب فرنسا في قطر، لكن هذه المرة بتصحيح النتيجة وقلب المعادلات، بل والطاولة على من تطاولوا، وتعديل الكفة لصالح المنتخب المغربي… ويبدو أن كل السيناريوهات في هذه المباراة التاريخية الحاسمة واردة ومتقبلة ومحتملة، إلا سيناريو واحد ووحيد سيشكل أكبر ضربة للروح الرياضية وللعدالة والإنصاف والاستحقاق الكروي، وأبرز تشويه لسمعة الاتحاد الدولي لكرة القدم، المسؤول الأول عن توفير مناخ وضمانات النزاهة والشفافية في المقابلات.
لقد اشتمت الجماهير الكروية والمحللون والمعلقون والمصورون والمتتبعون رائحة كريهة ومخططا خبيثا لوضع العراقيل والعقبات والمطبات في مسار المنتخب المغربي نحو التتويج، وكانت البداية والانطلاقة مع المباراة الأخيرة لمنتخبنا المغربي مع المنتخب الكندي، حيث صدرت عن الحكم البريطاني للمباراة أحكام قاسية ضد لاعبين أساسيين في منتخبنا، لا يستحقون كل هذه الهجمات الشرسة من البطاقات الصفراء والإنذارات الظالمة الموزعة عليهم، التي ستكلفهم لا محالة، في حالة رفع بطاقات وإنذارات جديدة في وجوههم، حجزهم عن اللعب، وبترا لأعضاء أساسيين من جسد المنتخب، وتعريضه لخطر الغيابات، وإضعافا لقوته القاهرة، ووقفا لزحفه عند حاجز منيع، وتسهيلا لمهمة خصمه ومنافسه في تسجيل أهداف وانتزاع فوز، وإعدادا لمجزرة جديدة في حق هذا المنتخب وفي حق البلد والشعب الذي يمثله. ورغم أن الحكم أشبع اللاعبين المغاربة إنذارات، فإنهم استطاعوا بانضباطهم ولمساتهم الكروية الساحرة أن يستعيدوا زمام المبادرة، ويسجلوا أهدافا ثلاثة قاتلة متتالية، وفي وقت قياسي، لم يعد فيه بإمكان الحكم أن يعدل الكفة لصالح المنتخب الكندي، مع إبقائه للقنابل الموقوتة للبطاقات الصفراء التي سترافق المنتخب المغربي في مباراته الجديدة مع المنتخب الفرنسي، ونحن واثقون في قدرات الناخب الوطني ولاعبينا في تعطيلها، وتجنب مفعولها السيء على أدائهم. ولا ندري لِمَ لَمْ يتنبه المراقبون إلى أن حكم مباراة المغرب ـ كندا، تحيط به شبهة تقاسم الانتماء إلى التاج البريطاني مع الخصم الكندي، وإلى انتفاء، ولو جزئيا، لصفة الحياد والموضوعية التي تتطلبها الحكامة الرياضية في مثل هذه المباريات الإقصائية الدقيقة والحساسة والحاسمة.
فإذا تركنا جانبا الحملات الإعلامية التشويشية المتصاعدة لتشتيت تركيز اللاعبين وممارسة ضغط نفسي عليهم، والتأثير في معنوياتهم، واستفزاز الجماهير المغربية والمشجعين من جاليتنا، مثلما حدث في فرنسا بتهديد اللاعب أشرف حكيمي والتلويح بالملف القضائي الذي يتابع فيه، في كل مناسبة رياضية مغربية قارية أو دولية، ومن مثل ما يحدث في فرنسا الآن من استفزازات لجاليتنا، كان آخرها تمزيق العلم الوطني المغربي، وتدنيسه، من قبل ثلة من رعاع وعملاء نظام العصابة الحاكمة في الجزائر، والاعتداء على مواطنات مغربيات في فرنسا، لخلق فوضى وردود أفعال عنيفة، وإلهاب مشاعر العداء والكره بين الشعبين الفرنسي والمغربي، وافتعال سياق من العنف والتوتر في المباراة التاريخية التي ستجمع منتخبي البلدين، فإن أخشى ما نخشاه على منتخبنا هو اتخاذ مدخل التحكيم في المباراة مطية مرة أخرى لعرقلة تقدم المنتخب المغربي، وإيقاف زحفه المبارك نحو الشباك والأهداف، غير هذا من الشكوك وإساءة الظن والتفكير في المؤامرات والدسائس والترويج للانهزامية والتبريرية، فإنه ليس واردا لدى أبطالنا ولدينا نحن الجماهير الرياضية التي تثق في القانون وفي العدالة الرياضية، وإلى حين أن يؤكد لاعبونا مرة أخرى نتائجهم الباهرة في ميدان الكرة وفي الملعب وأمام أنظار العالم، فإننا سنظل متفائلين بقدرتهم على كسب الرهانات ومواجهة التحديات التي تفرضها أمثال هذه المباراة التي تجمع فريقين محترمين وعظيمين ونديين، متساويي الحظوظ والإمكانات لتحقيق النصر والمرور إلى نصف النهاية. وإذا ما اجتاز منتخبنا الوطني هذه العقبة الفرنسية التي هي بامتياز نهائي قبل الأوان، ولا نخاله إلا فاعلا، فإن التتويج بكأس العالم 2026 سيكون، لا محالة، أقرب إلى منتخبنا من ظله، باستحقاق وتواضع لا بغرور أو تبجح. وإنها لمهمة تاريخية مجيدة ذات دلالات حضارية ورمزية في عالمنا العربي ومحيطنا الإفريقي، ملقاة على عاتق أبطالنا الأشاوس، وهم لها وأهل لها.


