موقف ملكي نبيل

بقلم: الأستاذ عبد الله الفردوس ــ
تفضل صاحب الجلالة الملك محمد السادس وفي التفاتة نبيلة وإنسانية بإصدار عفو ملكي عن المشجعين السينغاليين المعتقلين والمتابعين على خلفية أحداث الشغب التي شهدها نهائي كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم 2025 بالمغرب، وبهذا العفو الملكي يكون جلالته قد وضع حدا لكل المناورات والمحاولات التحريضية والتصعيدية اليائسة من عدد من الأطراف المتربصة سواء بالمغرب أو بالسينغال أو بهما معا أو بعلاقاتهما التاريخية المتجذرة في المنطقة أو بروابطهما الأخوية العميقة. وقد قضت الحكمة الملكية البالغة وفي هذه الظرفية الدقيقة والمنعطف التاريخي الذي تشهده التحركات المغربية في غرب إفريقيا لتوطيد دعائم الاستقرار والتعاون والشراكة، إزالة فتيل خبيث تم زرعه في حدث رياضي قاري هو عرس فرح وسعادة، ومبعث فخر واعتزاز إفريقي، أكثر من كونه منافسة بين منتخبات الدول الافريقية المشاركة على اللقب والكأس، حيث استهدف المغرب بقوة باعتداءات وهجومات وتبخيسات لمنجزه الرياضي الإفريقي الباهر، إبان فعاليات البطولة، وعرف كيف يسل الشوكة من تحت أقدامه، مع كل الاستنفارات والابتزازات المتعددة المصادر التي حشدت لتنفجر في مباراة النهائي وبتواطؤ من الطاقم السينغالي وبعثته إلى هذه البطولة، التي صعدت من التحريض والشحن وافتعال مظلومية مزورة من أجل الضغط النفسي على المنافس المغربي في مباراة التتويج، متناسية أثناء تخطيطها لهذا السيناريو، أنها تلعب بحياة مواطنين وتلحق ضررا كبيرا بالبلد المضيف وبشعبه وبأمنه وشراكاته وعلاقاته الدولية، وببناه التحتية التي وضعت رهن إشارة قارة، وتعصف بكل مجهوداته من أجل تشكيل صورة مشرفة لإفريقيا تابعها ملايير من المشاهدين في مختلف أنحاء العالم، وفي سابقة رياضية هي الأولى من نوعها قاريا.
كان المشجعون السينغاليون ضيوف المملكة جزءا من سيناريو التخريب، وضحايا التجييش والتحشيد، والتحريش الذي انتهى بهم إلى ارتكاب ما ارتكبوه، عن قصد ووعي أو عن غير قصد ووعي، من أعمال عنف أفسدت العرس الإفريقي ونقلت إلى العالم صورة عكسية عن ما كان يرسمه المغرب للكرة الإفريقية الناهضة وللأخلاق الرياضية العالية في هذه القارة، وقد استوجبت هذه الأعمال المشينة إحالة مرتكبيها على العدالة والاحتكام إلى القانون في إدانتهم الموثقة بكل الكاميرات التي بثت مشاهد العنف والتخريب على شاشات العالم، وأدخلت رعبها إلى البيوتات والمحافل والمقاهي.
ولأن الذين مدوا حبل الفتنة في هذه التظاهرة الإفريقية، لم يكتفوا بحمل وزرهم معهم، والفرح بما حصلوه من حصاد العربدة في النهائي، وكان يطبخ على نار موقدة منذ انطلاق المباريات، فإنهم استطابوا استدامة التربح من العدوان والفتنة إلى ما بعد النهائي، عن طريق استغلال آخر مزدوج لملف المشجعين السينغاليين المعتقلين، والتباكي على أوضاعهم في الاعتقال، واستدرار التعاطف الشعبي السينغالي معهم، تارة باسم أنهم أبطال دافعوا عن بلادهم وقميصهم الوطني، وتارة أخرى بأنهم محتجزون وورقة ابتزاز وانتقام للسلطات المغربية، وتارة أخرى بأنهم مثلهم مثل سائر المشجعين الكرويين في العالم الذين تبدر منهم في عز الحماس الرياضي تصرفات يمكن تجاوزها وغض الطرف عنها، من غير استدعاء السجون والمحاكم، وغير ذلك من الأعذار والتعلات التي لم تنصف المغرب ولا اعتذرت عن الإساءة البالغة له، ولا انتبهت إلى أن التساهل مع هذه الظاهرة التخريبية، ستعود بالوبال على الروح الرياضية، وعلى سمعة قارة بأكملها، وليس على المغرب المستهدف بها والذي بذل من الجهد والأخلاق وحسن التصرف والمعاملة بعدل وفضل ما بذله، حتى فوت على القارة التداعيات السلبية الخطيرة لهذه الفضيحة المدوية، وواصل مساره القيمي في الاحتكام للقانون، إلى أن خفت حدة التوتر، وهدأت النفوس وتراجع التحريض وتبين الحق، وجاء العفو الملكي على المحكوم عليهم من المشجعين السينغاليين المتورطين في الجنح والجرائم المشهودة، لرفع الحرج عن الأشقاء السينغاليين دولة وشعبا، ولتمكين المنعم عليهم بالعفو من الالتحاق بديارهم وأهليهم بمناسبة عيد الأضحى المبارك، إعلاء لقيم التضحية التي تشير إليها هذه المبادرة في هذه المناسبة.
فهل يدرك إخواننا السينغاليون وقد عاد إليهم مشجعوهم ضيوف المملكة، الذين استغلوا أيما استغلال في تنفيذ مخطط تخريبي حاصره المغرب في أضيق زواياه، وكان بالإمكان أن يُسقط ضحايا ويتسبب في إفساد علاقات وروابط أخوة وصداقة ومصالح بين بلدين يكنان لبعضهما البعض كل الاحترام والتقدير والمودة، هل يدركون أن مشجعيهم مذنبون مخطؤون تسامح المغرب الملكي معهم لأسباب ديبلوماسية وإنسانية أكبر بكثير مما راهن مورطوهم عليه من عنتريات، وليسوا أبطالا تزكى سلوكاتهم التخريبية، ويتسامح مع عنفهم وعربدتهم، فإن اختار إخواننا وأشقاؤنا في السينغال تشجيع هذه الظواهر الفاسدة وتزكيتها بالاستثمار السياسي في المشجعين المعتدين، فسيكونون أول من يكتوي بالتشجيع على الفساد والعنف والفوضى والإساءة لصورة السينغال. فها هو الحرج قد رفع عن الساحة السياسية السينغالية للتفرغ لقضايا أهم من الاستثمار في هذه النازلة الرياضية المؤسفة لتصفية حسابات داخلية، وها هم مواطنوكم عندكم آمنون سالمون، وقد تلقوا في المغرب أحسن معاملة في السراح كما في الاعتقال، وحفظت حقوقهم في الدفاع وصدرت في حقهم أحكام عادلة طبق القانون، لم تتأثر لا بالانتقام ولا بنزعات الحقد والعنصرية والكراهية، وتدخل العفو الملكي والفضل المولوي المكفولين لإطلاق سراحهم في مناسبة عظيمة عند الله، وتنفيذ تدابير العفو والإفراج في وقت قياسي سريع ضَمِن التحاق المشجعين السينغاليين بوطنهم وعائلاتهم في اليوم نفسه.
ما عبر عنه السينغاليون قيادة وشعبا من امتنان وشكر لجلالة الملك على هذه الالتفاتة الأخوية الصادقة في مناسبة إسلامية كريمة ومفعمة بقيم التضحية والإيثار والبذل والعطاء والعفو والتسامح وتجاوز الإساءة، يشير إلى المعدن الصافي لأحرار الشعب السينغالي وعقلائه وحكمائه وفضلائه، الذين رفضوا منذ بداية هذه النازلة المسيئة للعلاقات بين البلدين، الزج بتاريخ من الصداقة والشراكة المغربية السينغالية في أتون معركة كريهة ليست معركتهما، وإنما خطط لها أعداء مشتركون لهما، ونفذها للأسف الشديد الوفد السينغالي الرياضي إلى كان المغرب 2025، الذي يواصل عدد من مسؤوليه، وعلى رأسهم مدرب المنتخب السينغالي، تنفيذ مخطط الإساءة والتطاول والتضحية بالعلاقات التاريخية والروابط الروحية والمصالح المشتركة بين البلدين، فقط من أجل إرضاء غروره والتربح من الكراهية والابتزاز، والإفلات من العقاب، وإصرار المدرب على تحويل نفسه إلى أداة طيعة للتحريض وتنفيذ المخطط المشؤوم لإسقاط المغرب، وتخريب حفله.
فهل فُهمت رسالة العفو والسماح، وحتى من دون انتظار أدنى اعتذار من الذين انخرطوا في المؤامرة الكبرى التي تجاوزت حدث النهائي، وأضمروا السوء للمغرب، وابتزوا أمنه وتنظيمه، وطعنوا ضيافته وسهره على ضمان أمنهم وراحتهم، فأساؤوا التصرف، وأفسدوا العرس الإفريقي على الجميع وأمام أنظار العالم؟




