تشغيل الأطفال بالمغرب.. “المجلس الاقتصادي” يقرع جرس الإنذار

الرباط- عبد الحق العضيمي –
دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى القضاء التام والمطلق على تشغيل الأطفال دون سن 16 سنة كاملة، وجعل تشغيل الأطفال معيارا موجبا للاستبعاد من المشاركة في الصفقات والدعم العموميين، مع تعزيز وتطبيق العقوبات الحبسية والغرامات ضد الوسطاء الذين يستقدمون أطفالا لتشغيلهم في أعمال تصنف ضمن أسوأ أشكال العمل.
وأكد عبد القادر أعمارة، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، خلال تقديم رأي المجلس حول موضوع “من أجل سياسة عمومية ناجعة للقضاء على تشغيل الأطفال بالمغرب”، اليوم الأربعاء، بالرباط، أن القضاء على هذه الظاهرة يقتضي الرفع من سقف الإطار الاستراتيجي المعمول به حاليا، نحو إرساء سياسة عمومية وطنية مندمجة، تستهدف المصلحة الفضلى للطفل، وتؤمن انتقال الشباب ما بين 16 و18 سنة نحو الحياة العملية عبر مسارات للتدرج المهني منظمة ومتوجة بشهادة.
وأوضح أعمارة، أن المجلس يقترح أن تقوم هذه السياسة على هدفين متكاملين، أولهما القضاء التام والمطلق على تشغيل الأطفال دون سن 16 سنة كاملة، في انسجام مع المقتضيات القانونية المتعلقة بإلزامية التعليم الأساسي، وثانيهما تأمين انتقال الشباب المتراوحة أعمارهم بين 16 و18 سنة نحو الحياة العملية، من خلال مسارات للتدرج المهني تحفظ كرامة المتدرب وتوفر له الحماية اللازمة.
ويرتكز هذا التصور، وفق رئيس المجلس، على أربعة مبادئ أساسية ومتكاملة، هي عدم التسامح مطلقا مع تشغيل الأطفال دون سن السادسة عشرة، ودعم الأسر في وضعية هشاشة مع ربط هذا الدعم بمواظبة الأطفال على الدراسة والتكوين، وتثمين الرأسمال البشري عبر مسارات آمنة للتأهيل والإدماج المهني للشباب بين 16 و18 سنة، وتعزيز التقائية السياسات العمومية وتنسيق التدخلات بما يضمن مواكبة الطفل عبر مختلف مراحل نموه.
تعديل مدونة الشغل
وأوصى المجلس، ضمن الرأي ذاته، بمراجعة مقتضيات المادة 143 من القانون رقم 65.99 بمثابة مدونة الشغل، للرفع من السن الأدنى المسموح به لتشغيل الأحداث في المقاولات إلى تمام 16 سنة، بما ينسجم مع السن الأقصى المنصوص عليه في إطار إلزامية التعليم المدرسي.
كما دعا إلى مراجعة النص التنظيمي الذي يحدد الأشغال التي يمنع تشغيل الأطفال دون سن 18 سنة فيها، وذلك بتحيين وتوسيع لائحة الأنشطة لتشمل المخاطر الناشئة، لا سيما في ظل تنامي العمل عبر المنصات الإلكترونية، والتعامل المكثف بواسطة التجهيزات الرقمية، وما قد يترتب عن ذلك من أشكال جديدة في استغلال الأطفال وتشغيلهم.
وشدد المجلس على ضرورة تعزيز التكامل بين منظومات التعليم والتكوين والإدماج المهني، بما يضمن تأمين مسارات الشباب المتراوحة أعمارهم بين 16 و18 سنة، وتيسير انتقالهم التدريجي نحو الحياة العملية.
وفي هذا الإطار، أوصى بإرساء نظام أساسي خاص بالمتدرب أو المتدرج بالنسبة إلى الشباب ما بين 16 و18 سنة، يضمن لهم إطارا قانونيا واضحا، وحماية اجتماعية فعلية، وتكوينا ذا جودة بالتناوب بين المقاولة ومركز التكوين، مع مراعاة الخصوصيات الترابية والقطاعية.
كما دعا المجلس إلى اعتماد مساطر أكثر مرونة لإعادة إدماج الشباب خريجي مدارس الفرصة الثانية في مسالك التكوين المهني، لا سيما عبر شهادات التدرج المهني ومستويات التأهيل والتخصص.
حرمان من الدعم والصفقات
ومن بين التوصيات البارزة، جعل تشغيل الأطفال معيارا موجبا للاستبعاد من المشاركة في الصفقات والدعم العموميين، ومراعاة معايير المسؤولية المجتمعية للمقاولات، مع إلزام الفاعلين الاقتصاديين بإرساء أنظمة فعالة وقابلة للتحقق لتتبع سلاسل القيمة ومختلف شبكات المناولة.
وطالب المجلس أيضا بتعزيز جهاز تفتيش الشغل وتحديثه عبر اعتماد تقنيات تحليل المعطيات “datamining” لتحديد القطاعات عالية المخاطر، مع ربط المخالفات المسجلة بعقوبات رادعة قد تصل إلى سحب رخص الاستغلال والتراخيص، والحرمان من الولوج إلى الدعم العمومي.
كما أوصى بتفعيل مهام الأجهزة الترابية لحماية الطفولة، وإرساء منظومة بين-قطاعية ومجالية لتتبع وتقييم وضعية تشغيل الأطفال، ترتكز على مؤشرات قابلة للقياس وتقارير دورية منتظمة.
ودعا المجلس، في السياق نفسه، إلى ترصيد تجربة المنصة التابعة للمرصد الوطني لحقوق الطفل، المخصصة للتبليغ عن حالات العنف أو الاستغلال أو الإهمال التي يتعرض لها الأطفال، من أجل إدراج حالات تشغيل الأطفال بشكل صريح ضمن مجالات تدخلها.
ويرى المجلس أن هذه الآلية ينبغي أن تتيح توحيد وتجميع مختلف التبليغات ضمن منصة مركزية واحدة، مع تعزيز التنسيق بين المتدخلين المعنيين، بما يضمن التكفل السريع والمنسق بالحالات المبلغ عنها، وتتبع مسار معالجتها وتوثيق مختلف مراحل التدخل بشأنها.
المدرسة مكان الطفل الطبيعي
من جانب آخر، أكد أعمارة أن المكان الطبيعي للطفل، بعد الأسرة، هو المدرسة وفضاءات التربية والتكوين والتنشئة الاجتماعية، مشددا على أن أي نشاط أو عمل لا يندرج ضمن هذه المنظومة، ولا يسهم بشكل مباشر في تحقيق أهدافها التربوية أو التكوينية، ينبغي منعه والقطع معه دون فسح المجال لأي استثناءات.
وأضاف أن هذا المنع يجب أن يواكبه توفير شروط التمكين الاقتصادي والاجتماعي للأسر، حتى تضمن التفرغ الكامل للأطفال للتعلم واكتساب المعارف والمهارات وتطوير قدراتهم الشخصية في خدمة مشاريعهم الحياتية المستقبلية والمساهمة في تنمية البلاد.
واعتبر رئيس المجلس أن القضاء النهائي على تشغيل الأطفال يظل رهينا بتنمية أكثر إدماجا وإنصافا واستدامة، تتيح لجميع الأطفال، في مختلف جهات المملكة، فرصا متكافئة للنمو والارتقاء.
وأوضح أن الغاية المثلى من التوجهات المقترحة هي إرساء بيئة آمنة ودامجة لجميع الأطفال بصفة مستدامة، تمكنهم من النمو والتفتح والازدهار الذاتي، بما يضمن فعلية العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، ويكرس حقهم غير القابل للتصرف في الحماية والتعليم والرفاه.
تراجع بأكثر من 80 في المائة
وأبرز أعمارة أن المغرب راكم، خلال العقود الأخيرة، تقدما مهما في مجال حماية الطفولة وتعزيز حقوقها، من خلال إصلاحات تشريعية ومؤسساتية واستراتيجية متواصلة، تروم إرساء منظومة وطنية متعددة الأبعاد تستهدف تحقيق المصلحة الفضلى للطفل المغربي، وتحصينه من مختلف أشكال الاستغلال، بما في ذلك التشغيل المبكر.
وسجل رئيس المجلس أن المعطيات الرسمية تشير إلى انخفاض عدد الأطفال، الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و17 سنة والمزاولين لنشاط اقتصادي، من 517 ألف طفل سنة 1999 إلى نحو 101 ألف طفل سنة 2024، أي بتراجع يفوق 80 في المائة.
وتابع أن هذه المكتسبات، على أهميتها، لم تمكن بعد من بلوغ هدف القضاء النهائي والمستدام على تشغيل الأطفال، إذ ما تزال بعض أشكال الظاهرة قائمة، وفي مقدمتها الأشغال الخطرة، التي أصبحت تمثل الشكل الأكثر انتشارا، إلى جانب العمل المنزلي، وبعض حالات العمل القسري، والتسول المنظم، والاستغلال الجنسي.
ظاهرة متعددة الأسباب
وربط المجلس استمرار تشغيل الأطفال بجملة من العوامل السوسيو-اقتصادية، في مقدمتها هشاشة بعض الأسر، والعوائق التي تعترض المسارات التعليمية للأطفال، فضلا عن اتساع نطاق الاقتصاد غير المهيكل.
كما أن استمرار بعض أشكال الظاهرة يرتبط، وفق تشخيص المجلس، بما تعرفه منظومات الوقاية والحماية والمراقبة من إكراهات وأوجه قصور.
وفي هذا الصدد، أوضح أعمارة أنه رغم أن الإطار القانوني الوطني يوفر مستوى متقدما من الحماية، فإن بعض مقتضياته لم تعد تواكب بشكل كامل تطور الأنشطة الاقتصادية والمخاطر التي قد يتعرض لها الأطفال، خصوصا لائحة الأشغال الخطرة المحددة بموجب المرسوم رقم 2.10.183، التي تحتاج إلى التحيين والمراجعة والتوسيع بعد مرور أكثر من عقد على إصدارها.
وأشار رئيس المجلس إلى أن المبادرات العمومية في مجال محاربة تشغيل الأطفال ما تزال تتسم بطابعها القطاعي، بما يحد من تكاملها وانسجامها، ويقلص من نطاق أثرها ونجاعتها، كما أن تفعيل الأجهزة الترابية لحماية الطفولة يواجه تحديات ترتبط بمحدودية القدرات التنفيذية وبمستوى التنسيق بين مختلف الفاعلين المعنيين.
أما بخصوص القطاع الخاص، فسجل المجلس أن انخراطه في الوقاية من تشغيل الأطفال ما يزال متفاوتا، إذ يظل أكثر حضورا لدى المقاولات الكبرى المنخرطة في مقاربات المسؤولية المجتمعية، أو الحاصلة على شهادات المطابقة والمعايير ذات الصلة بحقوق الإنسان والعمل اللائق، في حين لا تزال هذه الممارسات غير معممة على مجموع النسيج المقاولاتي، لا سيما على مستوى سلاسل التوريد والمناولة.
وبالنسبة إلى الجمعيات المحلية، التي تشكل خط التدخل الميداني الأول في رصد ومواكبة الأطفال المشتغلين، فقد أشار أعمارة إلى أنها تواجه محدودية في الموارد البشرية والتقنية والمالية، بالنظر إلى حجم الحاجيات التي تستدعيها إعادة إدماج الأطفال المعنيين ودعم القدرات الاقتصادية لأسرهم.
تشغيل الأطفال.. المدن في التصور والقرى في الواقع
وفي الإطار ذاته، كشف رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن الرأي جرى إعداده وفق مقاربة تشاركية موسعة، شملت نقاشات بين مختلف الفئات المكونة للمجلس، ومخرجات جلسات الإنصات التي نظمها مع أبرز الفاعلين المعنيين، إلى جانب نتائج الاستشارة المواطنة التي أطلقها المجلس حول الموضوع عبر منصته الرقمية “أشارك”.
وسجلت هذه الاستشارة 1540 جوابا، أظهرت أن 78 في المائة من المشاركين يعتبرون تشغيل الأطفال ظاهرة منتشرة بالمغرب، من بينهم 39 في المائة يرون أنها منتشرة جدا، مقابل 21 في المائة اعتبروا أنها قليلة الانتشار أو نادرة جدا.
وكشفت النتائج أن 60 في المائة من المشاركين يعتقدون أن تشغيل الأطفال يوجد بشكل أكبر في الوسط الحضري، وهو تمثل لا ينسجم، وفق المجلس، مع المعطيات الرقمية المتاحة التي تعتبر تشغيل الأطفال ظاهرة قروية بالأساس، بنسبة 2.5 في المائة مقابل 0.5 في المائة في الوسط الحضري، من مجموع الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و17 سنة.
كما أظهرت الاستشارة أن 64 في المائة من المشاركين يعتبرون تشغيل الأطفال ذا طابع دائم، مقابل 36 في المائة يرون أنه يرتبط أساسا بفترات موسمية أو ظرفية، لا سيما خلال العطل.
وبخصوص أبرز أشكال تشغيل الأطفال، تصدرت وضعية الشارع الإجابات بنسبة 27 في المائة، تلتها الأنشطة غير القانونية بنسبة 22 في المائة، ثم المساعدة العائلية في الأشغال الفلاحية أو المنزلية والعمل داخل الوحدات الصناعية أو الحرفية بنسبة 19 في المائة لكل منهما، فيما مثل العمل المنزلي لدى الغير 11 في المائة من الإجابات.
وفي ما يتعلق بالعوامل التي تعيق القضاء على تشغيل الأطفال، جاء الفقر في مقدمة الأسباب بنسبة 20 في المائة، يليه الهدر المدرسي بنسبة 15 في المائة، ثم بطالة الوالدين، إلى جانب فقدان أحد الوالدين وتراجع أهمية التمدرس ووضعية الشارع وضعف بنيات التعليم الأولي، خاصة في الوسط القروي.






