السينما كأفق للمعنى وسؤال للهوية: حوار مع حميد تباتو في زمن التحولات

حاورته فاطمة ابوناجي –
يزداد العالم، اليوم، انكشافا بالصورة وتتسارع التحولات على حساب المعنى، لكن تظل السينما، في عمقها الأصيل، فعلا جماليا ومعرفيا في آن معا، تحاور الوجود وتستبطن أسئلته. ذلك أن السينما ليست مجرد عرض بصري أو تقنية سردية، بل خطاب ثقافي وفكري مشتبك مع قضايا الإنسان وهمومه، حارسا لذاكرته، وصانعا لهويته، وملاذا لروحه في لحظات التيه والاغتراب.
في هذه المحاورة الممتدة مع الناقد السينمائي والباحث الأكاديمي المغربي الدكتور حميد تباتو، الذي قدم لخزانة النقد السينمائي عشرات المقالات الى جانب مؤلفات خاصة، ينفتح النقاش على أكثر من محور، تتقاطع فيه الذاكرة بالهوية وتتشابك فيه الروح بالجمال وتتخذ فيه السينما المغربية موقعا مركزيا في مساءلة الحاضر واستحضار الماضي، والتأمل في مصير الإنسان المغربي وسط سطوة الصورة الكونية والتحولات الرمزية التي لا تهدأ.
يرى تباتو أن السينما ليست فقط مرآة عاكسة، بل أداة تأويلية تعيد تشكيل الزمن الجمعي وتحفر في طبقات المخيال الفردي والجماعي لتصوغ ذاكرة جديدة، حسيّة وشعرية، تتجاوز التوثيق إلى الكشف. إنها، في نظره، فنّ مشبع بالحس التاريخي، يمسك بتلابيب الهوية المتحولة، ويخوض في أسئلة الطابوهات المسكوت عنها: من سنوات الرصاص إلى قضايا المرأة، ومن الهوية الأمازيغية إلى المكون المتصل باليهودية ومن الهجرة إلى الأرواح الجريحة في زمن ما بعد الحداثة.
ينطلق الحوار من سؤال جوهري: ما معنى أن تُبدع سينما في عالم يتغيّر بلا هوادة؟ كيف يمكن لهذا الفن أن يعبر عن التوتر القائم بين المادي والروحي، بين التفاصيل اليومية الضاغطة والكثافة الرمزية للكينونة؟ من خلال هذه الأسئلة، يغوص تباتو في عمق العلاقة المعقدة بين الجمالي والإيديولوجي، مؤكداً أن لا ممارسة فنية محايدة، وأن الجمال ليس انفصالا عن الواقع وإنما اشتباك راق معه.
وفي لحظة تأملية أخيرة، يكشف الناقد عن رؤيته للبعد الروحي في السينما، لا كمقدس ديني سطحي بل كتمثّل للجوهر الإنساني الكامن في الأمكنة والصمت والانكسارات. في أفلام مثل السراب، باب السما مفتوح، خيط الروح، وابتهالات، يتجلّى ما يسميه بـ”الفضاء الروحي الفيلمي”، حيث تتحول الصورة إلى مرآة لما هو غير مرئي، إلى شرفة تطل على الحضور الخفيّ للعالم.
في هذا الحوار يتجاوز وصف السينما إلى مساءلتها، ويعاد لها الاعتبار كفعل وجودي وثقافي، وكأفق ممكن لإعادة تشكيل الوعي في زمن تتنازعه المرجعيات وتتهدده الذاكرات السائلة. مع الناقد الباحث المغربي حميد تباتو، لا تعود السينما مجرد فن، بل تصبح ساحةً للمعنى، ومرآةً للإنسان، ومجالا متجددا لصياغة السؤال.

المحور الأول/ السينما كفعل وجودي في عالم متغير
1 كيف ترى السينما كوسيلة للتعبير عن الوجود البشري في عالم يعصف به التغير المستمر؟
تحققت السينما في تاريخها ممارسة متعددة الوظائف، ومن ذلك كونها آلية هائلة لترجمة معاني، ودلالات، وأبعاد لانهائية، سواء بشكل واع ومقصود، أو بشكل غير مباشر بالنظر إلى أن ما تتشكل منه من علامات، وأنساق، وبنيات، ومكونات، وموضوعات توحي بذلك، وتقوله بناء على صيغ القراءة والتأويل التي نتعاطى بها معها في استقبالنا للعمل السينمائي. العمل السينمائي كيفما كانت طبيعته يتحقق نصا فنيا، وإبداعيا، وفرجويا يترجم دلالات، ويحقق احتياجات متعددة تخص المبدع، والمتلقي، والمنتج..كما تخص الشرط الوجودي الذي تندرج فيه لأن التجارب السينمائية مهما عبرت عن شيء يخص فرد ما، أو أُبدعت بناء على عمل فردي فإنها تعبر عن مصير عام، وقدر جماعي، وتعين المعنى الذي تتحدد به تبعا لتمرحلات، وسياقات وجودها.
حين تم ابتكار تقنية السينما في البداية، تحققت بصيغة عاكسة للشرط الحضاري الذي أنتجها، فعبرت عن المجتمع الصناعي، ومجدته، وانتقدته، وصاغت من قضاياه محكيات لأعمالها، واستثمرت ما توفر فيه لصياغة أدوات تعبيرها، وجمالياتها، وحين صادفت محطات وجودية خاصة صاغت إبداعيتها وفق ما يناسب ذلك، فتحققت وفق ما تريده اللحظة التاريخية التي اندرجت فيها لهذا كانت مثلا أعمال التعبيرية الألمانية، والسينما السوفياتية، والواقعية الجديدة الإيالية، والسينما الثالثة بمواصفات شرطها، وبالخصائص الإبداعية المناسبة لهذا الشرط سواء كانت بعمق تجديدي كبير، أو باقتراحات إبداعية عادية. بمعنى أن السينما، كما كل إبداع، لا يمكن لها أن تنفلت من شرطها، وتكون محكومة بالتعبير عنه سواء بصيغ تمجده، وتعيد إنتاجه، أو بصيغ تنقضه، وتسعى للقطع معه.
لقد قالت السينما ما احتاجه شرط التاريخ حين اكتشافها، وعبرت عن رغبات سياقات تاريخية، واجتماعية حين صارت بمواصفات تقنية، وفنية، وإبداعية متقدمة، ولا يمكنها أن تقول الآن إلا ما هو من صميم احتياجات هذه الشرط الوجودي الراهن المنذور لعواصف التغيرات السياسية، والإيديولوجية، والحضارية، والثقافية… التي قُدر للإنسان أن يعيشها الآن، وحين تترجم السينما الآن ما يحتاج إليه التاريخ فإنها لا تقول إلا موضوعيتها كفن، وتعبير، كما لا تقول إلا موضوعية الوجود الإنساني الذي لا يعيش راهنه إلا وفق ما ترتضيه له أقدار التاريخ والوجود. حين أقول هذا لا يعني أن السينما تتطور في صيغ تعبيرها بشكل آلي بعيدا عن عمل الأفراد، بل أقول إن عمل الأفراد، والأفراد أنفسهم يُستدعون وفق احتياجات الشرط التاريخي، ومنطق التقدم، وصيروات الوجود، وهكذا حين نبدع الآن أعمالا سينمائية فإننا بالضرورة نبدعها وفق احتياجات الحاضر، ووفق ما يريده هذا الحاضر صيغا تعبيرية تخصه، لهذا تنطبع كل الإبداعات الحديثة بما هو جديد تقنيا، وجماليا، وتنشغل بما يعد احتياجات راهنة للواقع، والناس، سواء كانوا هم من بلوروها أو برمجتها لهم أقدار التطور، وصيرورة الوجود.
2 هل ترى أن السينما قادرة على نقل التجارب الإنسانية المعقدة، بما في ذلك التوتر بين الواقع الروحي والوجود المادي؟
حين نفكر في السينما بشكل موضوعي نعينها علاقة تبدأ في الواقع وتنتهي فيه، أي أنها علاقة اجتماعية في البدء والمنتهى، ولهذا تكون بكل الأهلية للتعبير عن أوجه هذا الواقع، كما تكون قادرة على التعبير عن مجموع قضاياه، ولأن الواقع جد متعدد فالسينما بدورها تتحقق بأوجه متعددة فيها الروحي، والمادي، وفيها كل أشكال التوتر، بل إن التوتر هو الأصل الصانع لمتعة السينما، وفرجتها بناء على كون أساس جاذبية المحكي الفلمي هو الصراع أكان نفسيا، أو ماديا، أو اجتماعيا، أو آخر…ما يتأسس عليه المجتمع، والوجود عامة هو الصراع،أفقيا كان أم عموديا أم ديناميا، ومن منظور دياليكتيكي فالصراع هو الأصل بناء على الفهم المادي الماركسي الذي يقول بديالكتيك نفي النفي، والتطور، والصراع الطبقي… وبما أن هذا الأصل هو جوهر الوجود والحياة الاجتماعية فإن السينما باعتبارها حقلا اجتماعيا تصير محكومة به، ولذا تتحقق أعمالها من مدخل هذا الصراع، وتعمل على ترجمته، وتبني منه موقفها الفكري بصيغها الخاصة، سواء أراد مبدع الفلم ذلك أم لم يرد.
فهم الواقع متعدد، كما فهم الروحي فيه كذلك، ونفس الأمر بالنسبة للممارسة السينمائية، وللإبداع عامة، وأضيف أيضا أن فهم ” الروحي”، و”المادي، والعلاقة بينهما مسألة إشكالية بامتياز، تبدأ في طبيعة الموقع الذي نُؤسس من داخله الموقف بصددها، ثم الخلفيات الفكرية والنظرية التي نؤسس بناء عليها موقفنا منها، وما نعتمده من جماليات، ورؤى، وأشكال اشتغال مناسبة لترجمة ما يعنينا قوله والتعبير عنه بصددها. وبناء على كل هذا تصير العملية الإبداعية بالضرورة معبرة عن المادي وعن الروحي، ومترجمة للتوتر بينهما، وداخل كل منهما كذلك، والأهم أنها تصير صانعة لواقعها الخاص، ولروحانيتها الخاصة، وهو ما ننجذب إليه، ونُسحر به حين تلقينا للأعمال الفلمية التي ننجذب إليها، وحين نبدع ما يعنينا أن نبدعه منها.
ما يطرحه السؤال هو بمواصفات إشكالية كبيرة، لهذا أقترح إجابة بطابع إشكالي أيضا، لكن لو تقصدين الوجه الآخر للسؤال، أي هل تعكس السينما القضايا المعقدة في الوجود الإنساني، فأقول لك طبعا، بل إن كل ما تشتغل عليه السينما دوما هو بطابع إشكالي لأنه يحيل على الوجود، والإنسان والطبيعة والخيال وهذه العناصر هي معقدة بطبيعتها، وكل ما يرتبط بها معقد، وكل مسعى لبناء فهم لها، أو تعيين لها هو محاولة فقط ضمن محاولات لا نهائية صاغتها الإنسانية منذ وجودها، وتقرح لإغنائها محاولات أخرى لن تكون نهائية أبدا. فما انشغلت به السينما دوما هو القضايا الإشكالية والمعقدة للوجود من قبيل الموت، والحياة، والحب، والقدر، والصراع، والفرح، والحزن، والرغبة، والعلاقات الاجتماعية، والطبيعة النفسية، والاعتقاد، والانسحاقات العامة والخاصة…فهل هناك ما هو أكثر تعقيدا من هذه القضايا الفكرية؟
3 كيف يمكن للسينما أن تقيم توازنًا بين الكثافة الروحية للإنسان وتحديات الحياة اليومية؟
لا يمكن أن نجيب بشكل قطعي عن هذا السؤال إلا حين نكون يقينيين، وإيمانيين بشكل يجوهر الفهم، ويوحده، وذلك لأن ما يقيم توازنا ما بالنسبة للفرد هو نوعية القناعة التي يؤسس عليها فهمه للسينما، وللاشتغال من داخلها، والارتباط بها بشكل من الأشكال. السينما ليست عائقا بين الروحي وبين اليومي إلا حين نتبنى فكرة تقطع السينما عن الروحي، أو ترفع الروحي للمثال، لأنه بنظري الروحي هو شكل من فهم الوجود، وبالقدر الذي يحققه الدين، والمقدس، واشكال العبادة، بالقدر الذي تحققه تعابير، وممارسات، وطقوس، وقداسات، وأشكال من الفهم للوجود، وصيغ من التأمل في الناس، والطبيعة، والكون، والعلاقة مع الذات، ومع الآخر، وشكل النظر للموت،والحب، والحية، والفن، والإبداع، وما تبقى…
متعة الإبداع هي لحظة روحانية بامتياز، ونفس الشيء بالنسبة للتلقي السينمائي، ولعشق السينما عامة، ونفس الأمر بالنسبة لاعتبارها فرجة، وآلية تعبير هائلة، وطريقة عيش، وشكل تعبيري، ولغة متفردة، ولمسة إبداعية، وتقنية رهيبة لفرض الذات الخاصة الفردية والجماعية…الروحي ليس شيئا مخصوصا، أو لحظة محددة، أو وجها واحدا في الحياة والعيش، بل هو مكون جوهري في الوجود العام للناس، لهذا يستحضرونه بشكل مكثف في العبادات، والتدين وما يرتبط بهما من سلوك، وقيم، وطرائق تعبير…لكنه يحضر في كل ما تبقى. لهذا أقول إن لقطة ما، أو نظرة ما، أو لمسة ما في الفلم قد تستدعي فيضان الروحي، ليس لأنها قد تعكسه فقط، بل لأن لها كل القدرة على صناعته، واستدعائه في الأعماق النفية والروحية الخاصة للمتلقي.

المحور الثاني / الجمالي والإيديولوجي في السينما المغربية
4 تطرقت في عدة أعمال لك إلى العلاقة المعقدة بين الجمالي والإيديولوجي في السينما المغربية، كيف يمكن للسينما أن تحمل رسالة فكرية عميقة دون أن تفقد سحرها الجمالي؟
أبدأ بالقول إن السينما باعتبارها علاقة اجتماعية ليست ممارسة مقطوعة عن السياسي والإيديولوجي والمعرفي، بل هي من صميم ما يعكسه، ويحققه، ويتمثله، ويتداخل معه، وحين نفكر في الجمالي في السينما فإننا نفكر فيه باعتباره علاقة غير مكتفية بذاتها أيضا، فالجمالي علاقة من صميم العلاقات الاجتماعية. إنه التعبير النوعي عن علاقة الإنسان بالواقع، وهو تجسيد حسي لتلك الجوانب من العلاقات الاجتماعية الموضوعية التي تدعم أو لا تدعم التطور المتسق للفرد، و إبداعه الحر للجميل، و تحقيقه للنبيل و البطولي، ونضاله ضد القبيح و الدنيء. يتضمن الجمالي أيضا الجانب الذاتي أي متعة الإنسان بالعرض الحر لقدراته و قواه الإبداعية، وبجمال منتجات نشاطه الإبداعي في كل مجالات الحياة الاجتماعية والخاصة، فمن هنا يجب البدء في الحديث عن علاقة الإيديولوجي والجمالي في السينما…
شخصيا توفرت لي مناسبات للمشاركة في لقاءات، أو تنسيقها، أو الإشراف على إصدارات، أو كتابة إسهامات تعنى بعلاقة الجمالي والإيديولوجي، أو الجمالي والسياسي، أو الجمالي والاجتماعي في السينما، وما كان يعنيني في هذا الإسهام هو مساءلة هذه العلاقة التي تقر بتداخل الحقول، وعدم استقلالها، والأهم أن ما يبدو في النظرة العادية محايدا، ومكتفيا بذاته هو في الأصل بامتدادات لا نهائية مع الحقول الأخرى، وفيها. إنه ما ينطبق على السينما وجمالياتها التي لا تتحقق غاية في ذاتها بل غاية لذاتها لما تكثفه من أبعاد بحمولة ثقافية، وسياسية، وإيديولوجية… الجمالي، كما الأسلوبي حين يتحقق يكون بدوافع، ويعكس أبعادا، ويترجم مواقف مما يوجد، ومما يجب أن يكون.
يُعين الفهم الناقص السينما باعتبارها ممارسة في ذاتها، ويدرك علاقة الجمالي بالإيدجولوجي ضمنها باعتبارها علاقة مغلوطة، وفائضة عن حاجة الإبداع، لكون الجمالي في السينما وغيرها من الفنون، بحسب هذا الفهم، يكتفي بذاته، ويبدأ وينتهي في مجال الإبداع بكل تلويناته، ويتحقق كوجود ساكن، وغير واع لذاته ولباقي الموجودات في العالم الموضوعي، وهذا غير صحيح.
لقد تحققت السينما تاريخيا بصيغة آلة للدعاية في المجتمعات السلطوية، و” مصنع للموافقة” في” المجتمعات الديموقراطية”، لهذا تحتاج للمساءلة من حيث أبعادها السياسية والإيديولوجية، والاجتماعية…ما يعمق هذا الفهم للسينما هو كون السينما تم التعامل معه تاريخيا باعتبارها رافعة القوة الناعمةSoft power الخادمة “للصورة النموذجية والتجارية الوطنية، كما تحققت كسلاح من أسلحة القوة الناعمة الناقلة للقيم والإديولوجيا.
توضيحا للإجابة أكثر عن ما يطرحه سؤالك أقول لك إن السينما حين تتحقق تكون بملح ثقافي، وإيديولوجي بالضرورة، لأني أفهم السينما، وكل حقول الإبداع والفكر الأخرى من مدخل جدلي يقول بتقاطع هذه الحقول مع بعضها البعض، وتبادل التأثير في ما بينها، ولا يمكن جوهرتها في فهم يقطعها عن ما يجب أن تتحدد به، ويماثلها مع ذاتها فقط، ولهذا أعتبر السينما مثل الإبداعات الأخرى ممارسة محاصرة بالإيديولوجيا سواء فهمنا الإيديولوجيا باعتبارها مذهبا نظريا ملهما، أو نسقا معرفيا مبسطا لفهم الواقع، أو فهمناها باعتبارها الفكر المقطوع عن واقعه، والمُغَمم له، والوعي غير المسترشد بالتاريخ ومنطقه.
بمعنى أن فهم السينما ليس واحدا، وليس موضوعيا، وليس جدليا دوما، لهذا يكون تعيينها، كما الارتباط بها، والاشتغال من داخلها لغايات ما فردية وجماعية، تلزمها بأن تخدم جهات، ومؤسسات، وأفكار، وأنواع من القيم، وأنماط من الوعي، وغالبا ما توظف للبرمجة المجتمعية، وخدمة ما يهمين في هذه المرحلة أو تلك، ولهذا اعتبرها ألتوسير من صميم الأجهزة الإيديولوجية للدولة، واعتبرت أيضا آلية هائلة لإعادة إنتاج السائد.
حين نفكر في الإيديولوجيا نفكر في ما تعرفت به نظريا، واصطلاحيا حيث اعتبرت علما”موضوعه دراسة الأفكار بالمعنى العام لظواهر الوعي، و مزاياها، وقوانينها، وعلاقتها مع العلامات التي تمثلها، و بالأخص أصلها. وهي بالمعنى المبتذل، تحليل أو نقاش فارغان لأفكار مجردة لا تتطابق مع وقائع حقيقية، و هي كذلك مذهب ملهم، أو يبدو أنه يلهم حكومة أو حزبا، و هي أيضا فكر نظري يعتقد أنه يتطور تطورا تدريجيا في غمار معطياته الخاصة به، لكنه في الواقع تعبير عن وقائع اجتماعية ، و لاسيما عن وقائع اقتصادية. فكر لا يعيه ذلك الذي يبنيه أو على الأقل لا يأخذ في حساباته أن الوقائع هي التي تحدد فكره”، كما تذهب إلى ذلك بعض التحديدات النظرية… وكما تعينها بعض التصورات الفلسفية كما الأمر لدى ألتوسير الذي حددها باعتبارها” نسقا ( له منطقه و دقته الخاصين) من التمثلات( من صور و أساطير، و أفكار، و تصورات حسب الأحوال) يتمتع داخل مجتمع ما ، بوجود و دور تاريخيين … فليست الإيديولوجية شذوذا أو شيئا زائدا عرضيا في التاريخ، إنها بنية جوهرية أساسية بالنسبة للحياة التاريخية للمجتمعات، وأن وجودها و الاعتراف بضروريتها هما وحدهما اللذان يسمحان بالتأثير على الإيديولوجية و جعلها وسيلة فعالة في التاريخ “.
تصير الإيديولوجيا فاعلة في الواقع والتاريخ ليتم بذلك تجاوز الأطروحة الإقتصادية التي تركز على النظرة الميكانيكية للعلاقة بين البنيان الفوقي و بين البنيان التحتي، فتكون الإيديولوجيا بذلك، الانعكاس الموضوعي للواقع الاجتماعي، ومحدداته الاقتصادية، ويكون التحديد الموضوعي لماهية المستوى الإيديولوجي هو أننا حين نفكر في السينما باعتبارها علاقة إيديولوجية فنحن نعينها بشكل موضوعي، وبما يجب أن تتعين به. أي أنها علاقة في الصراع الاجتماعي، توظفها كل أطراف الصراع لخدمة قناعاتها، وتصوراتها، وأهدافها، وقيمها، ونسقها الرمزي، وكلما تم التحكم فيها من طرف من يهمين كلما وجهها لخدمة مشروعه، ووعيه، وبرنامجه العام. بهذا المعنى وظفت السينما في تاريخ وجودها من طرف مؤسسات الإنتاج ذات الخصوصية الرأسمالية، وبهذا المعنى وظفت كذلك في الدول ذات الخصوصية الاشتراكية، وبهذه المواصفات تحققت في المجتمعات الفاشية، وهكذا توظف في مجتمعاتنا الراهنة. حين لا تتحقق وفق التصور المهمين فإنها تتحقق بما يعمل على نقضه، وما ينتقده، وما يخالفه، ويتحقق الملمح الإيديولوجي من مداخل متنوعة فيها الموضوع، والتقنية، والأسلوب، والموقف الفكري، والجماليات، وطبيعة الإنتاج، والرؤى الفنية، ومجموع العلاقات العامة للحقل.
السينما كما الإبداع عامة ليست ممارسة موضوعية، وغير مقطوعة عن التوظيفات الاجتماعية والسياسية والثقافية لها، وحين تتحقق بصيغة إنتاجات وإبداعات يكون ذلك من موقع معرفي، وجمالي، وتقني، وإنتاجي محدد عاكس لإيديولوجية معلنة أو خفية ما، لا يكشفها إلا التحليل والنقد، وحين تتحقق كما تتحقق لا ينقص ذلك من معناها بل يغنيه.
هذا من جهة، من جهة أخرى السينما هي علاقة ثقافية بامتياز، من حيث الأطر النظرية التي تُعَينها، وتحدد ماهيتها، ومن حيث الفكر الذي يقرأها، ويحللها، ومن حيث صيغ تأويلها الخاضعة لمرجعيات وأطر نظرية، وثقافة، ووعي كل متلقي. وحين لا تتحقق السينما بمواصفات ثقافية مقبولة تصير ممارسة تجار، وقطاع طرف الفن، وقراصنة الثقافة، ولعبة الصغار.
إنه ما ينطبق على السينما المغربية التي عاشت هذا التوجيه الإيديولوجي، واحتكمت إليه، وكلما زاد التسلط والتحكم، كلما يتم إخضاع الممارسة السينمائية لما هو إيديولوجي. دعم السينما المغربية، كما ضبطها بشروط إنتاجية، واحتكام قبول أو عدم قبول توزيع، وعرض أعمالها هو بحمولة إيديولوجية، ما دام أنه يندرج في تصورات ما لما يجب أن تكون عليه علاقات المجتمع العامة، وضمنها العلاقات السينمائية والثقافية.
لقد تححققت السينما المغربية في كل تمرحلاتها بخصوصية ثقافية، تعكس وعي أصحابها، كما تعكس ثقافتهم، ووتبلور موقفا من أو مع الثقافة الرائجة في السياق الذي أنتجت واستهلكت فيه، وهذا لم ينقص من قدرها، والذي تفه فهم السينما المغربية، والارتباط بها، وبعض أعمالها ليس حمولتها الثقافية، بل التافهون الذين تسلطوا عليها من موقع الإبداع، أو الإنتاج، أو الإشراف الرسمي. الثقافي ساكن في الجماليات، والأسلوب، والرؤية، والنظرة، اللمسة، والكتابة، والإخراج، والاشتغال التقني، وفي مجموع العلاقات الخاصة بالحقل، بل وفي السلوكات، والقيم الرائجة في الحقل والمُرَوجة من داخله.
لا أعرف ما الذي تحددين به “السحر الجمالي” الذي تفترضين أن الفكري ينفيه، ولكني أقول لك إن دياليكتيك الجمالي والفكري يحكم كل علاقات السينما، وضمنها علاقات السينما المغربية، بما في ذلك إنتاج أعمالها، وإبداعها، وتلقيها، وأنه لم يكن لها في الماضي، ولا يمكن لها في الحاضر أن تتحقق إلا باعتبارها علاقة تبدأ في الثقافي وتنتهي فيها، ونفهم الثقافي هنا باعتباره علاقة اجتماعية ضمن باقي العلاقات المجتمعية الأخرى، هذا من جهة، من جهة أخرى السينما هي علاقة ثقافية بامتياز، من حيث الأطر النظرية التي تُعَينها، وتحدد ما هيتها، ومن حيث الفكر الذي يقرأها، ويحللها، ومن حيث صيغ تأويلها الخاضعة لمرجعيات، وثقافة، ووعي كل متلقي.
كلما صلبنا الأساس الثقافي للسينما المغربية كلما عمقنا ما يرتبط بها من وعي، ورؤى، وإبداعية، وتجديد، ودلالات، وتفرد، ومتعة تلقي، وبذلك نفتحها على الأفق الإنساني والكوني الخلاق الذي يجعل أي متلقي لها حيثما وجد يحس بما أسميته “السحر الجمالي” لسينمانا( طبعا لو كان المقصود بهذا السحر المتعة التعبير الجمالي الخلاقة والفاعلة).
تأكيدا لما سبق أقول إن الخسارات التي تحيط بالسينما المغربية، وتكره مجموعة كبيرة من تجاربها على السقوط، والبؤس الإبداعيين في مرحلة ما ليس ربطها بالثقافة، والفكر، بل قطعها عنهما، وهو ما يمكن أن نعطي أمثلة عديدة عنه، عنيت أو تعنى بتسييد التفاهة، والابتذال خدمة لنزوعات التطفل والانتهاز، والسوقية، و”تاشناقت” لدى أصحابها، أو تجاوبا مع إكراهات زمن القهر، أو السقوط الذي عشناه أو نعشيه. الفكر له سحره النوعي، والسينما المؤسسة ثقافيا لها نفس السحر، والجمال الحقيقي هو بكل البهاء لأنه مؤسس ثقافيا، مع الإشارة إلى أن ما أقصده بالثقافة هنا ليس بالضرورة المعرفة العالمة فقط، بل كل المعارف، والمهارات، والتعابير ذات البعد العالم أو العفوي، والشعبي. لهذا نعتبر أن مدخل صناعة الإبداعية النوعية في السينما المغربية هو العمق الثقافي، والانشغالات الفاعلة كما يحتاجهما الزمن المغربي وليس كما يفهمهما تجار الثقافة والسينما و”شناقوها”، وخدام البؤس العام في واقعنا المغربي.
5 كيف ترى تأثير هذه العلاقة في السينما المغربية المعاصرة، خصوصًا في سياق التحولات الفكرية والروحية التي نشهدها؟
أجبت عن بعض أوجه هذا السؤال سابقا، لكن لي أن أضيف أن السينما المغربية عاشت قدرها التاريخي تبعا لشروط الواقع الذي اندرجت فيه، وهكذا ترجمت تصورات، وقناعات المؤسسة الرسمية، وتحققت بصيغ وثائقية مؤسساتية حين احتاجت المؤسسة للدعاية لنفسها ومشاريعها، وتصوراتها، واستنسخت النماذج التجارية حين قدر للواقع العام ألا ينفلت من طبيعته الكولونيالية-أي الرأسمالية التبعية، وتشكلت بخصائص موضوعاتية وجمالية مندرجة في السائد حين أراد المهيمن لحقول المجتمع أن تخدم قداساته، وتعبيراته، وأنساقه الرمزية، وكانت ضد كل هذا، وناقضة للسائد الإبداعي والفني بقدر ما يناسب درجة الرفض، ومستوى صلابة القناعات المضادة، حين تأطرت تجارب أصحابها في الموقع المضاد أو المختلف، أو البديل…واقترحت ما يناسب هذا الموقع من جماليات ورؤى وتصورات بديلة، وبهذا ترجمت سينمانا علاقاتها بأنواع مختلفة من الفكر، وخدمت تصورات إيديولوجية متنوعة، وتجاوبت مع قدر الانهيار وفق ما يناسب هذه التجارب أو تلك، أو صاغت ما يقول الرفض وهو ما يمكن أن نستدل عليه بأفلام من كل تاريخ السينما المغربية، منذ بداية الاستقلال إلى الآن.
التحول في السينما المغربية، وفي ما ارتبطت به من فكر، وجماليات، وفهم للعلاقة معها ليس لحظة عابرة في زمن محدد، بل هو صيرورة، وما تعيشه السينما المغربية منذ أفلامها الأولى إلى الآن مندرج في سيرورة من التحولات، ومن أنواع الوعي المؤطر للاشتغال من داخلها، ولتلقيها، ولفهم العلاقة معها سواء من الموقع المؤسساتي، أو من بقية المواقع الأخرى. ولأن سينمانا محكومة بشرطها الاجتماعي كان من الطبيعي أن تتمثل ما فيه من قضايا، وانشغالات. لهذا فكرت في الروحي وفق ما يناسب شرطها، وحين كان هذا الجانب يدرك بشكل تقليدي استحضرته كذلك، وحين صار يدرك بصيغ متطرفة اشتغلت عليه بصوره تلك، وحين سيد الواقع روح التفاهة، وتبخيس الإنسان وقيمه التفتت إلى هذا، وحين ارتأى المهيمن الحاجة للسينما لتسييد فهم ما للروحي، والإبداعي، والثقافي، والجمالي، وما تبقى راكمت أعمالا ممجدة لكل هذا، بل صارت يقينيات التصور الرسمي هي المحدد لمعنى السينما والإبداع، بل ولمعنى الروحي والروحاني ليس داخله فقط، بل في يومي الناس والمجتمع كذلك، وفي هذا ما يقول المعنى الموضوعي لعلاقة الإيديولوجي بالجمالي ليس في الإبداع السينمائي المغربي فقط، بل في بنى الواقع جميعها أكانت فوقية أو تحتية.
6 هناك مساحة للروح في هذه الأعمال التي توازن بين الجمالي والإيديولوجي؟
تعودين في سؤالك لحديث الروحي، ولي أن أعود له بدوري لإضافة إشارات نظرية بصدده ترى أن الروحي يتحقق بصيغ عديدة، لأنه يتجلى من خلال الديني والمقدس عامة، وصيغ التقرب منهما، وترجمة العلاقة معهما، كما تترجمه مجموع القدرات المتعالية، وما يتعارض مع العادي، والمدنس، وتستدعيه وقائع، وشعائر، وكائنات، وأمكنة، وأزمنة، وتعبيرات، ويكون بصيغة ما يجذب، وما يسحر، وما يتعالى، وما يتسامى، وحين يفيض هذا السحر وهذه الجاذبية، وهذا التسامي في لحظة ما، أو مكان ما نكون بصدد ما هو روحي. إذن الكثير من هذا تُعنى السينما المغربية بالاشتغال عليه، أو تُشكله من خلال لغاتها، وطرائق تعبيرها، أو تستدعيه لدى المتلقي حين مشاهدته لأعمالها، خاصة أن المقدس في ذاته، وبما يكثفه من أبعاد روحية قد لا يتحقق في شيء محدد بل قد يفيض عليه مما يوجد خارجه، ، وقد يستدعيه التلقي نفسه بناء على صوفية النظر إليه، والاستمتاع به، فطقوسية المشاهدة تجعل الروحي ينسحب على بقية الأشياء المندرجة في الفرجة السينمائية.
معنى هذا أن الروحي بمعناه الواسع، واللانهائي يبدأ في الديني والعلاقة معه، ويمتد في كل شيء، ولهذا يكون مجموع ما يتشكل منه العمل الفيلمي مؤهلا لنقله، والإيحاء به، واستحضاره، واستدعائه من مدخل الإبداع وتلقيه.
يطرح السؤال إشكالات إضافية، تبدو ملتبسة وغائمة، وأقول بصددها إني لا أفهم معنى التوازن ما بين الجمالي والإيديولوجي في السينما، لأن التوازن قياس وهذا ما لا يقاس في الفلم، ولم أقل هذا، كما لا يمكن لي أن أقيس مقدار الروحي المتجلي في عمل ما أو مجموعة من الأعمال، لأن النظر للسينما من هذا المدخل قد لا يوصل لشيء بقيمة ما، ولكن يمكننا الحديث عن طقوسية الكتابة، والإبداع، والتلقي، ومحاورة الفيلم كل هذا عبارة عن مكونات روحية بامتياز، وذات مواصفات قدسية، والقدسي هنا ليس باعتباره فكرة مؤسسة للديني، بل باعتباره ما يفيض عنه، وما يتسامى كمطلق ومقدس لا نهائي…ما يسمح بهذا القول هو كونها تندرج في لحظة جليلة ومبجلة خاصة ومثيرة، وجاذبة، ومتعالية تخص عوالم الإبداع السينمائي على شرط أن نتفق على أن السينما المقصودة هنا وفي كل حديثي هي هذا الإبداع الفني النوعي، والمثير، والجميل، والممتع، والحامل لأبعاد لا نهائية ضمنها البعد الإيديولوجي…إنها السينما التي ننطلق منها لبلورة هذا الحديث معك، وأي حديث فاعل حولها، أما تصوير أي شيء، وتقديم ما هو بئيس، غير خلاق وتقديمه باعتباره سينما فهذا يدنس السينما، ويفقدها روحها، ويقطعها عن كل ما نحن بصدد الحديث عنه، وذلك لأنه لا يندرج بنظري في ما نسميه ب”الفن السينمائي”.
بالعودة للتأطير النظري لحديث الروحي وعلاقته بالمقدس أشير إلى أن الإنسان إلى جانب تدينه، أنتج نسقه المقدس، إشباعا لانشغالاته الروحية، لكنه لم يتحكم فيه، حيث انتشر، وتناسل في الحياة، والمكان، والزمان، والكائنات، وهكذا جعل منذ القديم من النبات، والماء، والأمكنة، والأزمنة، والكائنات، ومكونات الطبيعة، والأفكار، والسلط مقدسات يتضرع إليها، ويتبرك بها، ويزورها ، ويضحي من أجلها، ويتودد إليها بشعائر وطقوس، وذبائح ، وقرابين… بناء على هذا تمركز المقدس في أشياء عديدة، وتنوع بتنوع الثقافات والمرجعيات، وحتى مساعي الانسلاخ عنه في المجتمعات المتقدمة لم تثمر نتائج حاسمة، وذلك لاستمرار وجوده في منطقة اللاوعي الجمعي والفردي، ولإعادة إنتاجه وتجديده في صور متنوعة حديثة، هي مقدسات التقدم، والتحضر، وما يتولد عنها من صيغ الاحتفال، والحرب، والتبجيل، وأشكال تدوير كل هذا لصناعة فرجة السينما، ولحظات الفرجة المبجلة، وباقي الصيغ الفنية والإبداعية ذات الحمولة الرمزية.
كل ما حصرناه يحضر في السينما، ويتم الاشتغال عليه، ويصاغ بأشكال فنية تجعله ناقلا للروحي، ومترجما للمقدس، وصانعا لهما في الفضاء الفلمي.

المحور الثالث/ السينما وعلاقتها بالذاكرة الجمعية
7 كيف تُسهم السينما في تشكيل أو إعادة تشكيل الذاكرة الجمعية للمجتمع المغربي؟
قلت سابقا إن السينما في تعيينها الموضوعي لا تتحقق ممارسة في ذاتها، بل ممارسة لذاتها، أي عملية واعية، ومتفاعلة مع حاضرها، وماضيها، ومندرجة في علاقات مترابطة ومتحركة، تلزمها بخدمة وقائع، وقضايا مادية ورمزية، واقعية، وتخييلية، ويكون ذلك بوعي أو من دونه، وبهذا تعيد تركيب أشياء عديدة لصناعة عوالمها الإبداعية.
يتأسس الإبداع السينمائي من خلال الاشتغال بمواد وعناصر متنوعة ذات طبيعة حكائية، وجمالية، وأسلوبية، وتقنية، ولغوية، ومكانية، وزمانية…وتكون محكومة في هذا إما بإعادة تدوير ما وجد، أو ابتكاره وفي هذا تعمل على استحضار الذاكرة الجماعية والفردية بصيغة ما، أو تعيد تشكيلها، او تقرأها من موقعها الخاص…
نعرف أن السينما فن وإبداع له أدواته الخاصة الهائلة في الاشتغال، وما تؤسس عليه متخيلها الروائي والوثائقي هو سير شخصيات من الواقع أو من صميم الخيال، حيث تصوغها بشكل يناسب طبيعتها الخاصة، دون أن تنهض حرفيا في هذا الاشتغال بما يقوم به عمل المؤرخ، لكنها تعمل على قراءة الذاكرة، كما تعمل على تأويلها، وتسهم في تشكيلها، والأهم أنها تشهد بصيغها على يعيشه الناس والمجتمعات.
خصوصية السينما هي أن عملها يتحقق عبر صيرورة فيها مستويات، ومحطات منها منطلق اختيار المادة الخام التي تبدأ منها، لأخذ موضوعاتها، أو لصياغة أفكار أفلامها ، وحين الاشتغال عليها تعتمد أدوات وطرق وتقنيات وأساليب تسمح بتحويل هذه المادة الخام، لتصيرها بصيغة شكلية وجمالية ومظاهر متميزة هي العمل السينمائي في صيغته النهائية الذي يكون خادما لغايات ما، منها التاريخ، والمجتمع، وأوجه الذاكرة الفرية والجماعية.
بالرغم من التباس معنى الذاكرة لتداخلها مع مفاهيم أخرى مجاورة لها، أو ذات علاقة معها من قبيل “العقل”، و”المخيلة” ، و”التاريخ” إلخ، وارتباطها بما هو بيولوجي وما هو نفسي وما هو أنتروبولوجي…وكونها قوة نفسية وذهنية، تحفظ الأشياء، ولها علاقة بحفظ ما سبق وحمايته من النسيان، فهي أيضا ما يعادل التاريخ السابق الشخصي أو العام، وهي أيضا مجموع الآثار التي تراكمت عبر سيرورة لتنتهي بصيغة تراكم في الحاضر ينظر إليه باعتباره التاريخ الذي صنعه أفراد، وجماعات، وصار تاريخا لهم يعودون إليه لاستلهامه فكريا و إبداعيا، ولاستخلاص الدروس منه، و أيضا للاستمتاع به، و البحث فيه عن عناصر و معطيات و صور تعيد ذكرى ما انتهى وما ليس بإمكانه العودة بنفس الملامح في الحاضر و في المستقبل، وهو ما تستحضر السينما أوجهه في اشتغالها الإبداعي.
تؤسس السينما اشتغالها في المنطلق على وقائع، وسير، وآثار، ومحطات لشخصيات حقيقية ومتخيلة…وحين تستدعي لبناء عوالم وحياة هذه العناصر مكونات وفضاءات، وملابس، ديكورات، وإكسسوارات، وعناصر وجود…فإنها تستدعي معها ملامح من صميم مكونات الذاكرة لكن بنظرة تخص الكون الفيلمي الذي يصير ذاكرة في ذاته. ولأن السينما محكومة بشرطها التاريخي وسياقها الاجتماعي فإن أعمالها تصير ذاكرة لهذا السياق وهذه الشروط، وتتحقق إما ممثلة لها، أو معبرة عنها، أو عاكسة لدلالها، أو ذاكرة لها، أو شاهدة عليها، أو بانية لموقف منها…وهو ما نسميه بإعادة تشكيل الذاكرة. ويمكن أن نعطي أمثلة عديدة على هذا من الفيلوغرافيا المغربية حيث تحققت بصيغة أفلام مشكلة لذاكرة أفراد، وجماليات، ومحطات تاريخية، وانسحاقات، وهزائم، وجراحات، وأفراح، و أزمنة، وأمكنة إلخ. إنه ما تؤكده مجموع أفلام علي الصافي، ومومن السميحي، وإيزة جنيني، وأحمد البوعناني، وأحمد المعنوني، وحكيم بلعباس مثلا من مدخل الفيلم الوثائقي المغربي.
8 كيف تؤثر السينما المغربية في بناء هوية الأجيال الجديدة (ان كانت تفعل)وهل تعتقد أن هناك قيمة روحية في ذلك
التأثير ليس مسألة ميكانيكية، بل هو صيرورة، وما يحققه هو التراكم المدرج في برمجة اجتماعية، أو مؤسساتية، وحتى فردية ما. تأثير السينما المغربية في بناء هوية جيل لا يمكن أن نبني بصدده إجابة مطلقة، بل إجابة نسبية بحسب خصوصية السياق الاجتماعي، والتاريخ، وهكذا قد نقول إن مجموعة من الحقول الفنية وضمنها السينما صنعت في الماضي وعي جيل وهويته، وأقصد أساسا السينما التي قدمتها أندية السينما بالمغرب، والمسرحيات التي قدمها مسرح الهواة، والفعل الثقافي الجاد الذي نهضت به الجمعيات، والمادة الثقافية والمعرفية التي كانت تنشرها المجلات والجرائد، وتعبئة الوعي التي كانت تنهض بها إطارات مدنية من قبيل الإتحاد الوطني لطلبة المغرب… جماع هذه الإسهامات أفرزت لنا في المرحلة جيلا عاشقا لسينما نوعية، وللثقافة المرتبطة بها، وللعمل التطوعي، وللنضال الملتزم، وللتضحية، ولتحمل المسؤولية عن جدارة في ما يرتبط بالسينما والثقافة والسياسة… وبناء على هذا يمكن القول إن الفرجة السينمائية التي قدمتها جواسم مثلا قد صنعت جيلا له هوية، وموقف، ووعي، لكن ليست السينما التي لعبت لوحدها هذا الدور، بل في تناغم مع عمل بقية الحقول ذا القناعات الطليعية والمختلفة…وحين تكون السينما قادرة على صناعة كل هذا يكون بإمكانها أيضا أن تصنع ما يناسب الشرط التاريخي من قناعات، وانشغالات سواء كانت روحية، وعقائدية، ودينية، أو كانت قناعات رافضة لكل هذا.
اليوم يصعب رصد تأثير مباشر للسينما المغربية على بناء وعي وهوية الأجيال الجديدة، لأن الكثير منها قد لا تتوفر له فرصة مشاهدة هذه الأفلام، كما لا تتوفر إمكانية لأصحاب هذه الأفلام لعرضها على نطاق واسع وممتد، فكيف التأثر بها، لكني أقول إن هذه الأجيال هي نتاج لما يستهلك في شرطها التاريخي، مما له علاقة بالصورة عامة سواء سينمائية، أو تليفزيونية، أو وسائطية والتي تفيض بلا حدود في سوق الصور… فئة كثيرة من الشباب تعيش حياة كاملة في الصورة والعوالم الرقمية المقطوعة عن ما هو خاص ومحلي، وما يرتبط بهما، و بفضل فيضان الصورة الوسائطية عامة ، لا أحد يمكنه الادعاء أن الشباب يمكن التحكم فيه من خارجها بما في ذلك المؤسسات التربوية، والاجتماعية، والثقافية التقليدية من قبيل الأسرة، والمدرسة، والعمل الجمعوي، والإبداع الوطني… ما يحدد اختيارات، وقناعات، وهوية الشباب الآن هو عالم الصورة، والوسائط، والذكاء الاصطناعي في أبعادها المعولمة، وانطلاقا مما تفرضه سلطة هذه “المؤسسات” الفاعلة الرهيبة الجيدة يتحدد ما سيكون عليه الشباب، وهويتهم في مجتمعنا سواء قبلنا بذلك أم لم نقبل به، وانطلاقا منه تتحدد قناعاته الروحية، والإيمانية، والإلحادية، واللادينية كذلك.
9- ترى أن السينما يمكن أن تكون وسيلة9 هل لمراجعة الماضي الاجتماعي والروحي لمجتمعنا، في ضوء المعاني التي يحملها كل فيلم؟
ما قلته سابقا يجيب عن هذا السؤال، لكني أضيف أن السينما وظفت عندنا لتحقيق مراجعات كثيرة، بما في ذلك مراجعة التاريخ السياسي، والفهم المعطوب للاختلاف، والهوية الثقافة المغربية، ووضع المرأة، والبؤس الاجتماعي…إن الأفلام التي اشتغلت على سنوات الرصاص مثلا، وأفلام المرأة، والأفلام التي اشتغلت على المكون الامازيغي، والمكون اليهودي، والهجرة هي أفلام سعت إلى تصفية تركة ماض لم تعد جهات عديدة تقبل الإبقاء عليه في وضعية الطابو…تراكم أفلام حول مسألة الحريات الفردية، والتدين، والمثلية، والجنس بدوره ليس صدفة بل هو صيغة يراد منها أن تساهم في مراجعة قناعات، ومواقف، وتصورات، وذوق… أكثر من هذا وبالانطلاق من مجال قريب من السينما هو التلفيزيون أقول إن ما ينتج، ويبرمج، ويقدم فيه له هذه الغاية، وله بالأساس غاية القطع كليا مع ذوق، ووعي، ونمط تفكير، وفهم للإبداع والواقع، ومواقف كانت إلى وقت قريب من أهم ما يميز دينامية الشباب، ونضجهم، وجذرية قناعاتهم…ولنا في الإصرار على برمجة دراما وفكاهة وبرامج المسابقات في رمضان، ما يقول إن البرمجة العامة تفعل فعلها في أفق تتفيه الإبداع، وتسييد الخواء التنميط، باعتبارهما احتياجا لإعادة إنتاج الهيمنة.
المحور الرابع / الفضاء الروحي في السينما
10 كيف ترى تأثير الفضاء الروحي في السينما، خاصة في الأعمال التي تُعبر عن الهموم النفسية والوجودية؟
قلت إن الروحي سواء ارتبط بالدين أو بالمقدس اللانهائي معمم في وجودنا بصيغ عديدة تستحضرها الكثير من الأفلام، ويكون الفضاء المرتبط به هو ما استحضرته أفلام عديدة من خلال المساجد، والأضرحة، ومكان الحج، وفضاءات التعبد، والمقابر، وأمكنة إقامة الشعائر، وفضاءات الطقوس الروحية كيفما كانت طبيعتها، والمزارات، والمغارات، وكهوف العلاج الشعبي، وحيث يتلى الكلام المقدس، وكل “مجال أرضي معزول عن العالم المدنس…أو أن روحا خفية تجلت فيه واتخذته مسكنا لها”، ومجموع الأمكنة التي يقول بصددها يوسف شلحد في ” بنى المقدس عند العرب” “إن التواصل بينها وبين الغيب يكون حميميا وكثيفا جدا”.
لكن إلى جانب هذه الفضاءات، تحضر فضاءات أخرى تضفي عليها السينما من سحرها، وبهائها، وجاذبيتها ما يجعلها تكثف ما هو روحي بسبب ما تصبح عليه في القطة الفلمية بسبب نوع الإضاءة، وخصوصية الأجواء، واندراج وقائع خاصة فيها من قبيل الموت، أو الوداع، أو الإحساس بالانهيارات الوجودية الكبرى، أو شكل التوظيف للفراغ، والصمت، أو قوة الشحنات العاطفية التي تتكثف في ارتباط بها في لقطة، أو مشهد ما. يمكن أيضا عد الشاعرية المتحققة من خلال التكوين، والحركة، وشكل تشكيل التناسق بين مكونات اللقطة بمثابة ما يستدعي الروحي، ويشكله، وما يعكسه، ويحققه بصيغة فضاء روحي فيلمي متفرد، و لو شئنا التمثيل بأفلام ذات علاقة بالفضاء الروحي لحصرنا مثلا “السراب”، و”باب السما مفتوح”، و”جارات أبي موسى”، و”الزفت”، و”الرحلة الكبرى”، و”بادس”، و”شاطئ الأطفال الضائعين”، و”حلاق درب الفقراء”، و”خيط الروح”، و”ماوراء جبل طارق”، و”ابتهالات”، و”عود الريح”…
ما يمنحه الفضاء الروحي للسينما المغربية هو أنه يعطيها خصوصية، ويربطها بما يكثف المقدس، وما يحيل عليه، ويمنحها حمولة رمزية، وتأويلية كثيفة، ويفتحها على قلق الوجود، والانسحاقات العميقة للذات، والأهم أنه يبصم التلقي بمتعة روحية خاصة تقطع المتلقي عن العادي واليومي، وتربطه بالحلم والمتعالي واللاوعي، وفي هذا ما يحيل على الروحي، ويكثفه.
قاعة السينما نفسها بأجوائها، وصمتها، وظلمتها، ونوعية وجاذبية ما يعرض على شاشتها، نفسها لها هذه الأهلية لاستدعاء الروحي، وتكثيفه، والإحالة عليه لما تحركه في أعماق الذات من تداعيات، ومشاعر، وأحاسيس، وأفكار قد لا تحضر إلا في مثل هذا الفضاء. بهذا كله تكون للفضاء الروحي قيمته في صناعة متعة خاصة للفلم، ومضاعفة ما يعد أصل السينما باعتبارها فنا وهو جاذبيتها، ومتعتها، وقوة فرجتها، وسحرها النوعي، ودلالاتها العميقة.
11 كيف يمكن للسينمائي أن يلتقط هذا الفضاء الروحي الذي يعكس تجارب الإنسان الداخلية ويحاكي علاقة الفرد بالكون؟
يصاغ الفضاء الروحي في السينما من داخل المادة الخام المعتمدة، وشكل الكتابة السيناريستية، وطبيعة الرؤية الإخراجية، وبلاغة الأداء في التشخيص، وشكل تنسيق عناصر الملمح التكويني، لأن الفضاء الفلمي ليس مكانا بالضبط بل فضاء هو اللقطة، وكيفية تحقيق البصري فيها، وشكل تنسيق المرئي والمسموع داخلها، وشكل تنظيم الكون الدرامي في الفلم.
التقاط الفضاء الروحي هو تشكيل وصناعة تتحقق من داخل مكونات، واشتغالات، ورؤى، وبنيات، وأساليب، وصيغ تنظيم، وموسيقى، وما يعد عنصرا صانعا للإبداعية السينمائية الحق. قد تكون الفكرة، والقصة، وتفرد الشخيصة، والفضاء، والزمان من المداخل الهامة المؤسسة للحضور العميق لما هو روحي، لكن صيغ الاشتغال الإخراجي عليها هي ما يحسم في جعلها عاكسة له أكثر، ومثيرة في استحضاره…الكثير مما تركز عليه السينما يكون مصدرا للروحي فيها، لكني أعتبر أن ما يقول قلق الوجود، والهشاشة الإنسانية، وما يقول الرقة، والرهافة، والشاعرية، وما يستدعي الحلم، وما يكثف اللانهائي سواء من مدخل الخسارات والتمزقات الكبرى، أو من مدخل الفرح والانتشاء المستحيلين هو ما يقول بقوة أسرار التجربة الإنسانية، ويترجم أعماقها.
12 هل تعتقد أن السينما المغربية قد استطاعت حقًا الغوص في عمق الروح الإنسانية واستخراج ما هو غير مرئي؟
اللامرئي هو انشغال الكبار في السينما المغربية، ونفس الشيء بالنسبة للمنسي، واللامفكر فيه…لهذا تحقق بشكل نادر، واعتبر أن الكثير مما استحضرته السينما المغربية هو من صميم ما نعتبره غير مرئي، وقد ارتبط بأعمال مبدعين حقيقين، وسينمائيين مثقفين، انجذبوا للمختلف، والمضاد، والبديل في الجماليات، والمواضيع، والأفكار، وطرائق الاشتغال، وصيغ التجريب، وانتصروا للمواقف الطليعية والرافضة للسائد، وكان كل هذا لأنهم فهموا الارتباط بالسينما باعتباره مهمة تاريخية لإفادة مكونات وأبعاد، تترابط جدليا هي المحلي والكوني، والوطني والإنساني، والثقافي والسينمائي…
لقد طمرت سيرورات، وعلاقات، وأنماط تحكم عديدة أشياء قوية، وقيمة، وجميلة، ومعبرة ومن صميم ما يعنينا ذات طبيعة اجتماعية، وثقافية، وتاريخية، ورمزية، وهوياتية، وجمالية…لأن أقدار الواقع، وعلاقاته غير المنصفة اعتبرتها من دون قيمة، وهامشية، إلا أن انتصار مخرجين طليعيين للبحث، واعتمادهم للنظرة الخلاقة، والإنصات العميق للوجود الخاص جعلهم يكشفون عن أوجه ما هو مطمور، ومهمل، ولامرئي، واشتغلوا عليه، وصاغوا بالاعتماد عليه ما نسميه أفلام المؤلف، والأعمال التي لا تموت منذ بداية السبعينيات إلى الآن. الاشتغال مثلا على وقائع المقاومة المنسية، والقهر السياسي، وذاكرة المقامة الثقافية، والتعابير الشعبية الهامشية، وفنون الجغرافيا المنسية، والمكون الأمازيغي، ومحن البسطاء وتمزقانهم، ومحن المثقف، وتزوير الثقافة… بصيغ فنية، وأساليب غير مألوفة كان صيغة معتبرة للغوص في عمق الروح الإنسانية في السينما المغربية.
إنه ما تترجمه أعمال من قبيل” 44 أسطورة الليل”، و”أحداث بدون دلالة”، و”أليام أليام”، و”الذاكرة 14″، و”حلاق درب الفقراء”، و”أشلاء”، و”نصف سماء”، و”أشلاء”، و”عطش”، و”باي باي السويرتي”، و”قبل زحف الظلام”، و”اهتزازات في أعالي الطلس الكبير”، و”اموسو”، و”الريف 58-59 لنكسر جدار الصمت”، و”كذب أبيض”…

المحور الخامس/ الإبداع في ظل التحديات المعاصرة
13.في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه السينما المغربية، كيف يمكن للسينمائي أن يستمر في تقديم أعمال تلامس الأعماق الروحية والفكرية؟ ما سبل ذلك؟
السؤال المضمر في سؤالك، والذي يجب أن يطرح هو كيف لهذه السينما أن تعيش من خارج إكراهات الدعم المؤسساتي الوحيد الذي يكره الإبداع على التنميط والخضوع للسائد، وتمجيده؟ وكيف يمكن للسينما المغربية أن تكون سينما، وأن تكون وفق ما يرتضيه شرطها التاريخي، وليس شرط الغالبين فيه؟
ما حصرته من أعمال في آخر السؤال السابق يجب عن هذا السؤال، لأن أصحابها حققوها بمواصفات” السينما العميقة” بالفعل سواء من حيث شاعريتها، أو أسسها الثقافية، أو مواصفاتها الجمالية، أو قوة مواقفها الفكرية، أو اختلافها عن السائد، والنمطي وفي كل هذا يتحقق العمق الروحي، ويستدعى، ويتشكل كما عرفناه سابقا.
يكون لصلابة القناعة دورها، وتكون للاستقلالية الإنتاج أهميتها، وتكون للحرية فعلها في تحقيق السينما المغربية التي تلامس بعمق ما هو روحي، وما هو ثقافي، وما هو اجتماعي ، وما يمكن أن نعتبره غايات نوعية وعميقة سواء كيفما كانت طبيعتها. لقد صنعت مجموعة من الأسماء الكثير مما حلمنا به في أعمالها كما تلك التي ذكرت، واستجابت لاحتياجات زمنها، وواجهت زمن السقوط، وبنضالية أصحابها، وبصلابة معرفتهم، ونوعية قناعاتهم، وفاعلية قلقهم، وجدة انشغالهم الإبداعي والجمالي…إلا أن هذا المنحى يتغمم تدريجيا وبسرعة الآن، بسبب مسعى جهات عديدة لتسييد النمطي، والتافه، والسوقي وما يتناسب وتعبيرية الانهيار، ولنا في سياسة الكم التي يتم اعتمادها في السينما والتلفيزيون ما يؤكد ذلك.
14 هل تعتقد أن المبدع المغربي أصبح رهينًا لقيود معينة، أم أن هناك مساحة للإبداع الحُر على الرغم من هذه التحديات؟
السينمائي المغربي كان دوما رهينة لعلاقات السينما السائدة، سواء تعلق الأمر بالإنتاج، أو التوزيع، أو العرض، أو قوانين المؤسسة الرسمية في المجال. حين يدعم عمله لا يوزع على نطاق واسع محليا وخارجيا، وحين يعرض عمله تصادره ذهنيات متكلسة عديدة، وحين لا يخضع للتوجه السائد ويبحث عن التفرد والاختلاف يحاصر بالسوقي والبئيس، وحين يقرر العمل من الموقع المضاد يجبر على الحصار، أو الصمت، أو الموت الحقيقي أو المعنوي…ألا تقول المسارات الخاصة بمخرجين وأفلام هذا سواء في الماضي والحاضر؟.
شخصيا عشت تجربة عجيبة، ومثيرة، ومهمة أيضا تتعلق بالمشاركة في لجنة الدعم، واكتشفت أن أسماء تناط بها مهمة الحكم على الأفلام، وتقييمها، وإصدار قرارات بدعمها أو عدم دعمها لا تقرأ ما يقدم لها من مشاريع، وتحكم عليها بناء على طبيعة علاقتها بالمخرج، حيث ترفض أعمالا أو تقبلها ليس لأنها تستحق أو لا تستحق بل لأن لها علاقة سلبية أو إيجابية مع صاحبها، كما أنك قد لا تعرف نهائيا في حينه لماذا يتم التصويت ب”العرام” على أعمال محددة لا تستحق الدعم، أو ضد أعمال تستحقه إلا حين تعرف من الكواليس لاحقا جدا طبيعة المحفزات، وقوة التوجيهات لدعم أو عدم دعم هذا أو ذاك.
ما يحصل الآن من صميم ما كان يحصل طيلة وجود المؤسسة الداعمة للسينما، فقط الآن التحكم صار بصيغة سلطة مطلقة ترسم ما تريد له أن يكون مسيدا، ونمطا، وتشرع له، وتدفع من هو على علاقة بها لينتفع من الغلة، والأدهى أنها تكره الغالبية على الصمت والتواطؤ، والصمت هو ما لم يكن تقبل به العديد من الجهات سابقا سواء تعلق الأمر بالمبدعين الأحرار، أو بالنقاد، أو برواد الأندية السينمائية، أو بمنظمي التظاهرات واللقاءات السينمائية…الآن ننحدر لواقع السقوط، والآتي ينبئ بالأسوء في ما يخص إبداعية السينما، وعمقها، ورواجها
الفاعل، وخدمتها لما يعد مهاما تاريخية لها.
15 كيف يمكن للسينمائي أن يُعبّر عن أبعاد وجودية عميقة في أعماله مع الحفاظ على قوة التأثير الجماهيري؟
الجمهور يُصنع، كما الذوق، والإبداعية، والجمالية النوعية، والسينما فن الكبار، والمؤهلين ثقافيا وإبداعيا، ومن يفكر في هذا الفن العظيم من مدخل ثنائية مغلوطة هي الاختيار بين العمق أو الجمهور فهو غير فاهم للسينما والإبداع. السينمائي السوقي تاجر، و”شناق” يجب أن يبحث عن قوته، ويحقق وجوده في سوق المواد الاستهلاكية العادية، أما السينما فهي إبداع الكبار، وممتلكي لقناعات، وأفكار، ورؤى، ومواقف تخدم السينما، والوعي الفني، وتنمي الذوق، وتصنع ما هو جميل، وعميق، ومؤثر إيجابيا، ومنخرط في احتياجات زمنه وشرطه التاريخي الحق.
لو كان قدر سينمانا هو أن تقبل بهذه الجدلية المغلوطة على المعنيين بها فعلا أن يعيدوا قول الشاعر: “علي أن أبدع وعليهم أن يتأولوا، وما علي إن لم تفهم البقر”، فحين يصعد المبدع من حرائق الإبداع الحق، ويفهمه كما يجب أن يُفهم يسعى لإبداع الجديد، والمختلف، والعميق، والجميل، والكوني، والخادم للمحلي، والفاعل، والبهي، والفاعل في سياقه، وزمنه..إما حين يكون “شناقا” فلن يفقه شيئا في كل هذا الحديث، بل يصير هو نفسه من البقر، ويصير خارج دياليكتيك السينما والشرط التاريخي، لهذا نقول له “لك ما تريد من هذه المراعي المترعة أيها البقر”.
بعيدا عن أية نرفزة، ومع استعادة المطلوب أقول: إن مسألة إبداعية السينما، وخلق التراكم النوعي، وخلق سينما خلاقة بخلفيات فكرية صلبة، ومواصفات جمالية متجددة، وصانعة لمستقبل الوعي الفني لا نقل له كن فيكون، بل يصنع عبر صيرورة ليس في حقل السينما وحده، بل من داخل المدرسة، والجامعة، والثقافة، والسياسة، والوضع الاجتماعي للناس، وعلاقات الحكم، وتحقيق مجتمع عادل وديموقراطي، ومتقدم، معني بالثقافة والفن باعتبارهما أولويات وليس طقوسا وقداسات لتزكية السائد، وإعادة إنتاجه.
المحور السادس/ السينما كوسيلة للتحرر الفكري
16 اذا افترضنا أن السينما، في السياق المغربي، لها دور في تحفيز الفكر النقدي والتغيير الاجتماعي. كيف ترى أن السينما يمكن أن تكون أداة للتحرر الفكري؟
السينما تقنية صنعها التقدم الحضاري، والمجتمع المديني، وأدرجتها أقدارها التاريخية في مهمات التغيير، والصراع، والتحرر…فحين بلورت أسماء مشروع سينما مناقضة للسينما الأوروبية والأمريكية، وأسست تجاربها على فلسفة جديدة، ومنظورات ثورية في الاتحاد السوفياتي سابقا كان ذلك تجاوبا مع الفكر الحر، وتحريرا للصناعة السينمائية من سطلة علاقات الإنتاج الرأسمالية في الحقل، وحين ثار بعض الفنانين ومن بينهم شارلي شابلن على تسلط شركات الإنتاج في مرحلة من تاريخ الصناعة السينمائية كان ذلك لترجمة قناعة التحرر الفكري، وحين تم التشهير بسينمائيين كثر، ومتابعة ومحاكمة مخرجين وكتاب سيناريو وفاعلين في هوليود بعد الحرب العالمية الثانية كان بسبب تبنيهم لقناعة التحرر، والالتزام الفكري، وحين برزت تجارب مستقلة، وبخصوصية إبداعية، وجمالية، وفكرية وإنتاجية مختلفة من داخل ما يسمى بالواقعية الإيطالية الجديدة كان صيغة للتحرر، وللتعبير عنه. أيضا حين تبلورت صيغ تعبيرية مختلفة، وطليعية في شكل سينما سياسية، وسينما ثالثة، وسينما ثورية، وسينما بديلة مع مخرجين كبار أمثال غلوبر روتشا بالبرازيل، وفيرناندو سولاناس بالأرجنتين، وفرانشيكو روزي، وبونتي كورفو بإيطاليا، وسانتياغو ألفاريز، وباترشيو غوزمان بالشيلي، وأصمان صامبين بالسينغال، ويوهان فان داركوكن بهولندا، وكريس كاركر بفرنسا…كان ذلك لفهمكم للسينما باعتبارها أداة تحرر، وممارسة مندرجة في الصراع الاجتماعي خدمة للحرية، والكرامة، والتقدم الإنساني.
بهذا الفهم أيضا ارتبط بها مخرجون مغاربة كثر، حيث جعلوا منها أداة لنقض السائد، ومواجهة كل صيغ التنميط الثقافي والجمالي، بل جعلوا منها كذلك أداة لفضح بؤس الواقع، وكشف انسحاقات الناس فيه. بهذا المعنى تحققت أفلام من قبيل”أموك”، و”ألف يد ويد”، و”44 أسطورة الليل”، و”الذاكرة14″، و”أحداث بدون دلالة”، و”رماد الزريبة”، و”جوهرة بنت لحبس”، و”نصف سماء”، و”ثقل الظل”، و”شاهد”…
17 هل تعتقد أن هناك قوى تضغط على السينما المغربية لتبتعد عن تناول المواضيع العميقة؟ أو التي تمس الجانب الروحي؟
السينما المغربية محكومة بواقعها، وبمجموع علاقاته، ولا تحقق تراكمها الفلمي إلا بدعم رسمي له شروطه، ودفاتر تحمل قد تتغير بتغير مراحل تطور المجتمع، وطبيعي أن يكون هذا الدعم موجها لما يجب أن تكون عليه هذه السينما، كما أن المجتمع عامة محكوم بضوابط قانونية، وأخلاقية، وعرفية، وقيمية تلزم السينما، وباقي التعبيرات الثقافية، والفنية، الرمزية بأن تتحقق وفق ما يناسبها، وهذا أمر طبيعي. وتجاوبا معها يتأسس نوع من الرقابة الذاتية في الاشتغال على أي عمل، وهو بدوره جد طبيعي، لكن ما يمكن اعتباره غير مقبول، وغير طبيعي،ومكبل للممارسة السينمائية، هو صيغ التوجيه التي تلزم بها علاقات الواقع السينما بأن تكون أعمالها، واشتغالات مبدعيها وفق نمط محدد، أو بما يناسب ذوق سائد، أو بما لا يختلف عن المألوف… من هذا المدخل بالضبط يحاصر العميق، والبديل، والنقيض، وما لا يقبل به المهيمن السياسي والثقافي والروحي.
ما يؤكد هذا هو أن أفلاما، وأسماء عانت بسبب عدم خضوعها للتنميط، لذلك لم تدعم، أو تم رفض أعمالها، أو تمت محاصرتها، أو لم توزع أعمالها ومن الوقائع التي يمكن الاستدلال بها ما حصل لمصطفى الدرقاوي مع “أحداث بدون دلالة”، و محمد الركاب مع مشروع” مذكرات منفى”، وحكيم بلعباس مع” ثقل الظل”، ونادر بوحموش مع “أموسو”، والفيلم الوثائقي مع واقع التوزيع والدعم…







