اعترافات بالجملة

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس –
من المرتقب أن يعقد مجلس الأمن الدولي غدا الخميس جلسته المغلقة الأولى المخصصة لمناقشة تطورات ملف الصحراء المغربية، والاستماع لإحاطتين؛ إحداهما سيقدمها المبعوث الشخصي للأمين العام الأممي حول مستجدات مفاوضات الحل السياسي واستعراض الدعم الدولي المتزايد لمقترح الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية الذي اعتمده القرار الأخير لمجلس الأمن 2797 كأساس للحل النهائي، وثانيتهما سيقدمها رئيس بعثة المنورسو حول الأوضاع في الميدان وعلى رأسها الوضع الإنساني في مخيمات الاحتجاز بتندوف، ودور هذه البعثة في مراقبة وقف إطلاق النار.
ويأتي هذا الاجتماع التقييمي الأول لمجلس الأمن بعد قراره التاريخي المذكور ذي الصبغة التنفيذية والغلاف الزمني المحدد، متزامنا مع الخطوات الكبرى التي أقدمت عليها مؤخرا العديد من الدول فرادى أو في إطار تجمعاتها الإقليمية والقارية سواء في إفريقيا أو أوروبا أو أمريكا اللاتينية، لدعم مقترح الحكم الذاتي وتوسيع قاعدة مؤيديه، والقطع النهائي مع سنوات خلت من الابتزاز والاستثمار في معاداة الوحدة الترابية للمملكة المغربية بدون طائل.
وفي إطار هذا الزخم الذي لم ينقطع منذ شهور في اتجاه ضبط إيقاع المفاوضات على المقترح الوحيد والأوحد المنزل على الموائد المستديرة المنتظر قبل نهاية الشهر استئناف جولاتها، وتسريع وتيرة التوصل إلى اتفاق إطار لتنزيل قرار مجلس الأمن القاضي باعتماد الحكم الذاتي ضمن السيادة المغربية أساسا للحل النهائي، بادرت بقايا الدول المعترفة بمليشيا بوليساريو الانفصالية إلى تصحيح موقفها، وإعلان البراءة منها وسحب الاعتراف بها، كما بادرت دول إلى تجديد مواقفها المؤيدة لمغربية الصحراء والداعمة لمقترح الحكم الذاتي. وقد واكبنا خلال الأسبوعين الفارطين هذا الإقبال الشديد والسعيد على دعم المواقف الوحدوية المغربية، والانتصار في النهاية للحق وللواقعية. ويمكننا أن نسجل مرة أخرى خلال الأسبوع الأخير، إعادة دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين كاملة تأكيد موقفها الموحد والمشترك والنهائي في إطار تجمعها الإقليمي، الداعم لما أسمته بالحل القابل للتطبيق، ممثلا في مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب، وحظي بموافقة وتأييد أممي ودولي، ذلك ما عبرت عنه الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية في زيارة العمل إلى المغرب ابتداء من يوم الخميس الفارط، حيث أعادت على مسامع العالم موقف 27 دولة منضوية في الاتحاد الأوروبي وبدون استثناء، وهو الموقف الذي أقره بيان الاتحاد الأوروبي، في إشارة منه، وقبيل انعقاد اجتماع مجلس الأمن الدولي، إلى التبني الكامل والمطلق لقرار هذا المجلس الأخير، في إطلاق مشاورات تنفيذ الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ولا شيء غير ذلك مما تروجه وتزوره على لسان الاتحاد الأوروبي ودولة العصابة الحاكمة في الجزائر من انقسامات بين الأوربيين حول موضوع الصحراء المغربية.
انتهى إذا عهد الابتزاز والاستثمار في العداء للمغرب ولوحدته الترابية، وتنبهت الدول التي لاذت لفترات طويلة بالصمت والغموض والمنطقة الرمادية، إلى خطورة الاستمرار في تجاهل الحل السياسي العادل والشامل والدائم والواقعي وذي المصداقية الذي يقدمه مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية على أقاليمه الصحراوية المسترجعة.
إن تجديد الاعتراف وبالجملة بالسيادة المغربية على الصحراء، لم يعد مجرد مجاملة على الهامش في زيارات رسمية إلى المغرب، بالقدر الذي هو انتقال في الخطاب والممارسة للقطيعة مع التردد والغموض اللذين كانا وإلى وقت قريب يؤثران سلبا في الأمن الإقليمي والدولي، ويجمدان الإمكانات الكبيرة والهائلة للتعاون والتبادل بين ضفتي المتوسط في مواجهة تحديات أمنية خطيرة ترتبط بالإرهاب والهجرة والتجارة في الممنوعات وتمويل الميليشيات المسلحة التي شكلت الأطروحة الانفصالية الجزائرية جسرها إلى المنطقة، مهددة الدول الافريقية والأوروبية بالتوتر الدائم في علاقاتها وشراكاتها واستقرار أوضاعها وتنميتها.
تحج اليوم العديد من وفود الدول الشقيقة والصديقة والشريكة إلى المغرب، مخلفة وراءها كل الخطابات العدمية القديمة المشحونة ضد المغرب، أو اللامبالية بما يشكله تهديد وحدته الترابية من عامل زعزعة استقرار المنطقة، والتمكين للميليشيات المسلحة من نشر الفوضى باسم التحرير وتقرير المصير… وهذه الدول إذ تفد زرافات ووحدانا لدعم الموقف المغربي الشرعي والعادل، خصوصا من دول تعلم علم اليقين، من أرشيفها الاستعماري، ما فعلته بخريطة المغرب من بتر وتقسيم ورسم للحدود الوهمية، فليس من أجل سواد عيوننا أو بياضها، بل لأن طريق المغرب في المستقبل هو الطريق الوحيد السالك إلى شراكات حقيقية منتجة ومربحة وآمنة، وأن القوة الاقتراحية للمغرب أو مسيرته التنموية والحقوقية هي دائما وبالضرورة في توافق تام مع مسار الشرعية الدولية ومن أجل السلام والتعاون والتضامن، وأن الخسارات ونزيفها هما حليف دائم للأطروحة الانفصالية الجزائرية، ولا يمكن أن تمضي الدول والتجمعات الإقليمية الوازنة، بعد نصف قرن على النزاع، إلى ما لا نهاية في طرق أبواب الانفصال المستحيل وترديد أسطوانة الاستفتاء المغشوش المقبور. ما أتاحه المغرب لهذه الدول من فرص ذهبية للاستثمار في الصداقات والشراكات الحقيقية والاستراتيجية، بعد أن أقنع مجلس الأمن بصواب توجهه وشرعية مبادرته إلى أنهاء النزاع بمقترح الحكم الذاتي، يدفع بقوة هذه الدول إلى توفيق سياستها الخارجية ومواقفها الديبلوماسية بشأن الصحراء المغربية مع القرارات الأممية، التي سارعت إلى الترحيب بها وعلى رأسها القرار 2797 ، ودعمته بشكل واسع مقدمة بذلك معطيات هامة أمام المبعوث الشخصي للأمين العام الأممي لتضمينها في إحاطاته بالمستجدات والتطورات، وعلى رأس هذه المستجدات التي يتعين أخذها بعين الاعتبار، كما تلح القرارات الأممية الأخيرة دائما عليها، ما يتعلق بسحب الدول لاعترافاتها بالكيان الوهمي، وتوسيع قاعدة الدول الداعمة للوحدة الترابية للمغرب، والترحيب الدولي المتزايد والمنقطع النظير بمقترح الحكم الذاتي المغربي، وهي المعطيات والمستجدات التي تترجم بالفعل مفهوم الزخم القوي الذي تتحدث عنه قرارات مجلس الأمن والقرارات الأممية ذات الصلة، وكلها تعزز جاهزية المنتظم الأممي والمجتمع الدولي لأخذ زمام المبادرة، واتخاذ القرارات الشرعية المناسبة التي تلتقي مع هذه التطورات في اتجاه إنهاء النزاع وإنهاء كل مبررات الأطروحة الانفصالية الجزائرية المتآكلة والمتهالكة، وتحرير محتجزينا من أبناء الصحراء المغربية من سوق النخاسة المفتوح باسمهم في تندوف، للعودة إلى وطنهم وبين أهلهم.

