خدام الاستعمار

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //
قيل قديما ولا يزال القول ساريا: “عند الامتحان يعز المرء أو يهان”، وككل امتحان للوفاء والمصداقية والالتزام يخرج المغرب مرفوع الرأس، واثقا في خطواته، صامدا في جبهته، وازنا في مواقفه، مهاب الجانب، محترم الاختيارات والقرارات، مؤثرا في محيطه، مسموع الكلمة، حكيما متبصرا وصابرا محتسبا في الشدائد، عاملا في صمت، بيِّن الحجة، ظاهر الدليل، حَسَن المعاملة، مُحسن التصرف، بعيد النظر، عميق الفكرة، طيب المعشر، شفاف القصد وصادق النوايا.
جاءت محنة غزة كما كل المحن التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني لتميز الخبيث من الطيب، والصادق التوجه من منحرفه، وتاجر القضية من المؤمن بها، فكان المغرب ملكا وشعبا في طليعة من تحركوا لوقف تصعيد أعمال العنف ضد الفلسطينيين، وإدانة العمليات العسكرية التي تستهدف وقف مسار السلام والتراجع عن مخرجاته، والتشويش على الحل السياسي بحمامات الدم التي ترسم من جديد أفقا مسدودا ومغلقا، وسماء ملبدة بغيوم الكراهية والعنف والتطرف.
ومع أن المغرب أعاد منذ بضع سنوات قنوات التواصل مع إسرائيل وبدأ في بناء علاقات معها على أساس دعم جبهات السلام العربية والفلسطينية والإسرائيلية لمواصلة التمكين للحل السياسي المتوافق عليه عربيا ودوليا، وهو حل الدولتين في حدود 1967، وتمكين الشعب الفلسطيني من بناء دولته كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية، وإنهاء الاحتلال، إلا أنه عبر، منذ أولى اللقاءات التي جمعته بقيادات إسرائيلية، على أن فتح هذه القناة التواصلية وربط هذه العلاقة، والشروع في بدء التوقيع على اتفاقيات ومعاهدات، لن تكون على حساب ثوابت المغرب في الدفاع عن الشعب الفلسطيني وفي نصرة القضية الفلسطينية، مهما كان الثمن وكانت التضحية، ولم يمنع هذا الموقف المغربي الثابت والمبدئي المعلن بكل وضوح وشفافية، أن تقبله إسرائيل، وتحترم فيه سيادة المغرب وقيمه وثوابته التي لا تتعارض مع الشرعية الدولية التي أقرت للشعب الفلسطيني بحقه في أرضه ودولته وأمنه وسلامه ومقدساته، كما لم تمنع الاتصالات المغربية الإسرائيلية وبدء العلاقات بين الدولتين، أن تثق السلطة الفلسطينية وعموم الشعب الفلسطيني في الموقف المغربي الثابت من نصرة القضية الفلسطينية نصرة ميدانية وعملية، ومن ثمة كانت أولى نتائج هذا التقارب المغربي الإسرائيلي جملة من التدخلات المغربية المؤثرة والوازنة لحمل القيادة الإسرائيلية على تخفيف إجراءات الحصار، وفتح معابر منها معبر اللنبي وهو المعبر الوحيد بين الضفة الغربية والأردن، حيث ثمن الفلسطينيون خاصة، الدور المغربي في هذا العمل الإنساني، وكان بالإمكان، وعلى قصر المدة التي أعاد المغرب فيها علاقاته بإسرائيل والتي لا تتجاوز ثلاث سنوات، أن يقود المغرب وساطات، وأن يفتح آفاقا أخرى لتعاون مثمر ينهي معاناة الشعب الفلسطيني ويقوي من فرص تقارب وجهات النظر بشأن إعادة دعم مسلسل السلام ومسارات بناء الثقة في الحل السياسي التفاوضي المدعوم عربيا ودوليا، لولا الحاجة إلى إنضاج الشروط الموضوعية المؤهلة لأطراف النزاع لمباشرة التفاوض والحوار بشأن مستقبل القضية الفلسطينية، في ظل المتغيرات الدولية الجديدة. وموازاة مع قنوات الحوار التي فتحها المغرب، واصلت رئاسة جلالة الملك للجنة القدس أعمالها الجليلة في إسداء الخدمات للمقدسيين من أبناء الشعب الفلسطيني، وعلى رأس هذه الخدمات الدعم المادي والعمراني والاجتماعي والثقافي لصمودهم في المدينة المقدسة، ويكفي النظر إلى قائمة الأعمال المنجزة، في صمت ونكران ذات، لوكالة بيت مال القدس الشريف وبالأرقام وتحديد الجهات المستهدفة بها من ساكنة متضررة ومن طلبة وأطفال ونساء، وعمال وفنيين وصناع، ومعالم تاريخية وحضارية، وعقارات فلسطينية حمتها لجنة القدس ورعتها، ومنعت سقوطها في أيدي المستوطنين، وللإشارة فإن المغرب وحده يساهم بما يفوق 85% من ميزانية وكالة بيت مال القدس.
مناسبة هذا التذكير لاعلاقة لها بأي مَن على الشعب الفلسطيني الشقيق الذي يستحق كل تكريم ودعم ورفع لمعنوياته في مواجهة الاحتلال، وإنما بعصابة السوء الحاكمة لدولة بجوارنا، استغلت أيما استغلال أحداث غزة لا لمناصرة الشعب الفلسطيني ولا لدعمه، ولا للتنديد بجرائم الاحتلال كما فعلت كل الدول العربية الشقيقة التي سارعت إلى الاستجابة لدعوة المغرب لعقد اجتماع على مستوى وزاري لجامعة الدول العربية للتنسيق في ما يتعين القيام به من أجل وقف التصعيد في غزة، بل لقمع المسيرات التضامنية للشعب الجزائري مع أشقائه الفلسطينيين، ومقابل ذلك السماح بمسيرات رديئة لمهاجمة المغرب الجار، وتحريف الأنظار من غزة إلى تندوف وإلى قضية مختلقة ومفتعلة. وفي الوقت الذي رفع فيه الشعب المغربي والشعوب العربية لافتات الوحدة والتضامن والالتحام مع القضية العربية المركزية في مسيرات ومظاهرات ووقفات احتجاجية، ترفع العصابة الحاكمة بجوارنا وحدها لافتات وشعارات أخرى نشاز ومسيئة لصورة التضامن الشعبي والرسمي العربي، ومن هذه اللافتات والشعارات التي صدحت بها حناجر أزلام العصابة وأبواقها مما تناقله إعلامها البئيس والخبيث، شعارات تدين المغرب بالعمالة، ولا تشير من قريب أو بعيد إلى أي تضامن فعلي مع الشعب الفلسطيني أو أية إدانة واضحة وصريحة للجرائم الإسرائيلية.
العمالة الحقيقية للاستعمار هو ما تعيشه هذه العصابة من حنين إلى تمزيق الأمة واختراقها بأعمال العدوان على أراضيها وعلى الوحدة الترابية لدولها، العمالة الحقيقية والصارخة للاستعمار هو هذا الاستغلال البشع لمعاناة الشعب الفلسطيني ولظرفية دقيقة في مواجهة مخططات الإبادة، من أجل إسقاط الرباط المغربي الصامد على الجناح الغربي للأمة، ومن أجل تصفية حسابات لا علاقة لها لا بالشعب الفلسطيني ولا بقضيته العادلة والمشروعة، التي يُعتبر المغرب، أحب من أحب وكره من كره، أحد دعاماتها القوية والموثوقة في محيطه العربي والدولي. فهل هناك أخبث في الأمة من هؤلاء التجار والنخاسين في قضايا الشعوب والأمم، الذين لا يقدمون لقضايا الأمة إلا الشعارات الفارغة من أي مضمون عملي وميداني ينصر مظلوما ويرفع غمة ويقيم حقا. فلْتُرنا العصابة، وهي تزعم وصايتها على القضية الفلسطينية ظالمة ومظلومة، عند هذا الامتحان لمصداقيتها، ما الذي قدمته وتقدمه من خدمات ملموسة وواقعية وناجعة للقضية الفلسطينية، فلا هي شاركت في حرب أو معركة في ساحة الوغى، كمشاركة المغرب وأشقائه من الدول العربية التي قدمت دماءها وشهداءها عندما اشتد الوطيس وحميت الجبهات السورية والمصرية والفلسطينية، ولا هي شاركت وبادرت بصدق وخلوص نية، مثلما شارك وبادر المبادرون في الحوار والتفاوض من أجل إحلال السلام الدائم والشامل وتحقيق حلم الدولة الفلسطينية ذات السيادة الكاملة على ترابها، كما تقرره معاهدات السلام الدولية والمبادرة العربية للسلام. فشتان بين شرفاء ونبلاء وأحرار الأمة في الحرب والسلم، وشرذمة من الطغاة والمتنطعين والجبناء والأنذال من عملاء الاستعمار المتخفين وراء الشعارات البراقة المخدرة التي تضمر شرا للأمة، وتمهد لمخططات إسقاطها ودحرها.


