قضايا وآراء

سماسرة لا وسطاء

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

أمام تقدم تنزيل مفاوضات الحل السياسي بين الأطراف الأربعة المعنية بالنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، والمعينة أمميا للجلوس إلى الموائد المستديرة المقررة، وهي على التوالي: المغرب والجزائر وموريتانيا وجماعة بوليساريو، وذلك للمشاركة في مناقشة مقترح الحكم الذاتي للصحراء في إطار السيادة المغربية، كحل نهائي وواقعي وجدي للنزاع، وهو المقترح الوحيد المعتمد والمصادق عليه في قرار مجلس الأمن الدولي الأخير 2797، تحاول العصابة الحاكمة في الجزائر عبثا بحث سبل الالتفاف على إرادة المجتمع الدولي وعلى جهود المنتظم الأممي لاستئناف ما بدأه منذ سنوات من جمع الأطراف على طاولة المفاوضات، في جلستين أو مائدتين انعقدتا في جنيف (دجنبر 2018 ومارس 2019)، انسحبت بعدهما الجزائر، بعد أن “اكتشفت” متأخرا وأثناء الإعداد لعقد المائدة المستديرة الثالثة في يونيو 2019، خطأ مشاركتها فيها، بزعمها أنها ليست طرفا معنيا بالنزاع، وتهربت من مسؤولياتها، وتنصلت من التزاماتها مع المنتظم الأممي، ليجمد الحل السياسي عند هذا الحدث العبثي، إلى غاية أن قرر المنتظم الأممي وبضغوط من الاعترافات المتزايدة بمغربية الصحراء ومن الإدارة الأمريكية الجديدة ومن المتغيرات التي بدأت ترسم على الأرض، أخذ زمام المبادرة هذه المرة وبقوة لإنهاء هذا العبث، فوقع ما كان ينبغي أن يقع منذ عام 2007 من تبني مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للحل السياسي النهائي للنزاع المفتعل، ودعوة أطرافه الأربعة من جديد إلى مفاوضات نهائية من غير تأخير، وتحت هذا السقف المحدد، قبل إغلاق ملف النزاع وبالتالي تحميل الطرف المتعنت والمعاند والرافض تبعات عدم التعاون وتعطيل المسار الأممي وزيادة معاناة آلاف المحتجزين في تندوف لا حول لهم ولا قوة في إسماع صوتهم وتقرير مصيرهم بكل حرية، وبعيدا عن قبضة سجانيهم وجلاديهم، وهو الوضع الذي سينتهي لا محالة عاجلا أم آجلا بتفكيك مخيمات الاحتجاز وعودة كل محتجز إلى وطنه الحقيقي، بين أهله سواء في المغرب أو في دول الجوار التي قدم منها.

ولما لم يعد ممكنا للعصابة الحاكمة في الجزائر أن تهرب هذه المرة من طاولة المفاوضات وموائدها المستديرة وتجلس مع الأطراف الأخرى للنزاع، مرغمة وتحت طائلة الحساب والعقاب، خصوصا وأن طرف بوليساريو لا يمكنه، بالنظر لتبعيته ووظيفيته في النزاع، أن يتصرف بحرية ومسؤولية في قراراته واتفاقاته وإمضاءاته بدون إملاءات من سيده وولي نعمته وصانعه الجزائري راعي المشروع الانفصالي ومنفقه عليه، فإن هذه العصابة أوعزت لحثالتها الديبلوماسية أن تعبث من جديد بقرار مجلس الأمن وتعرقل بأية وسيلة حتى ولو كانت نكتة القرن، خارطة الطريق إلى طاولة المفاوضات، وهذه النكتة هي أن العصابة الحاكمة في الجزائر تقترح نفسها وسيطا بين المغرب وبوليساريو بهدف التوصل إلى حل نهائي للنزاع، وهي تروم في ذلك إقناع شعبها أولا بأن ذهابها إلى طاولة المفاوضات، التي قاطعتها منذ سبع سنوات بحجة أنها ليست طرفا، هو ذهاب للتوسط بالخير بين الطرفين المغربي والانفصالي في مفاوضات مباشرة، والحال أنه لم تتم الإشارة في كل قرارات مجلس الأمن إلى الجزائر إلا باعتبارها طرفا صريحا في النزاع، وضمنيا هي جزء من المشكل لا الحل، وعلى هذا الأساس تذهب إلى الموائد المستديرة وجها لوجه مع المغرب من جهة ومع صنيعتها الانفصالية من جهة أخرى كطرف مفاوض وليس طرفا وسيطا. ولا ينفعها هذه المرة ما تحاوله من إشعار المنتظم الدولي ورعاة المفاوضات أنها تقبل مرغمة العودة إلى الموائد المستديرة وتقبل أن تكون طرفا فيها، لكن كونها طرفا يحتمل وجهين وتأويلين: أن تكون طرفا مباشرا في النزاع ومفاوضا معنيا، أو طرفا وسيطا وفاعلا للخير بين الجيران، وهذا التأويل الأخير هو ما تدفع إليه الحثالة الديبلوماسية الجزائرية لتبرير خضوعها للقرار الأممي الآمر بالمشاركة في الموائد المستديرة باعتبارها طرفا في النزاع، وتصوير هذا الخضوع والخنوع للشعب الجزائري المشحون بعنتريات العصابة وانتفاخها واعتدادها بقوتها القاهرة والضاربة، على أنه اختيار حر وسيد للعب دور الوساطة في إنهاء النزاع، ولم لا تصوير المشاركة الجزائرية في الموائد المستديرة وكأنها تفويض من الأمم المتحدة لصلاحياتها في الوساطة إلى الجزائر للعب هذا الدور، وبالتالي إنهاء النزاع بالنيابة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

قديما قيل “إذا لم تستحي فاصنع ما شئت”، فبعد السقوط الأخلاقي لهذه العصابة في قضية نزاع الصحراء، ها هي تسقط آخر قطرة حياء واستحياء من وجهها، ولا تخجل من التمادي في تصرفاتها البهلوانية الرعناء، فإذا كانت هي نفسها لا تصدق أن بإمكانها أن تلعب دورا في الوساطة بين ذراع من أذرعها والمغرب، لأنها وبكل بساطة جهة متورطة في النزاع وهي أحوج إلى تطلب الوساطة الدولية في مشكلتها مع المغرب، من أن تقترح دور الوساطة في مشكل هي اللاعب الأساس فيه، وخصم لا حكم. وحتى لو قبلت وساطة الجزائر ونصيحتها، من باب إحسان الظن بشيطان العصابة، فكيف سيتم تنزيل هذه الوساطة جدلا، والوسيط قطع كل صلاته بالمغرب وعلاقاته الديبلوماسية به، وأغلق الحدود البرية والجوية والبحرية، وأقفل الباب والقلب وأسكت العقل والضمير، وتحرك للحرب وتهيأ للفوضى والعربدة، كما أمد الطرف الثاني المفترض أن يتوسط بينه وبين المغرب بالسلاح والعتاد والموارد المالية والبشرية والديبلوماسية لمواجهة المغرب وتمزيق وحدته الترابية…فهل هذا المحرض الذي يلعب أدوارا قذرة في المنطقة، وجرب جيرانه الماليون في الجنوب وساطته بينهم وبين الجماعات المسلحة، ليكتشفوا أن هذا الوسيط هو متزعم الإرهاب عليهم، ومحرض فلول المرتزقة والميليشيات على الحدود المالية باسم الوساطة التي دنست العصابة قيمها النبيلة السمحة في التهدئة والصلح وحل النزاعات بالحوار والتواصل والتفاهم والتعاون السلمي…فما كان من قادة دولة مالي إلا أن يعلنوها على العصابة الحاكمة في الجزائر، من شدة الألم وخيبة الظن، مدوية وبدون مواربة، ومن فوق منبر الأمم المتحدة: أيتها الحثالة الديبلوماسية.

إن آخر بلاد في الدنيا يمكن أن تتحدث عن دور لها في الوساطة ليس فحسب في نزاع الصحراء، بل وفي كل النزاعات القائمة بين جيران أو شركاء أو فرقاء، هي العصابة الحاكمة في الجزائر التي حولت بلدها إلى مارستان كبير يجوبه مجانين يهرولون في كل الاتجاهات بلا بوصلة ولا مصداقية ولا وزن ولا قيمة، ولا وعي بالمتغيرات الدولية التي تخوض الدول المحترمة غمارها بتكتلات وتحالفات قوية وعلاقات وشراكات معمقة وجوار آمن ومتضامن، في الوقت الذي تحلم فيه العصابة الحاكمة في الجزائر بقطع العلاقات مع الدول، وتعتبرها علامة على قوتها الضاربة، وتعزل الجزائر عن محيطها الإقليمي، وترى في ذلك أنفة وعزة وكبرياء وسيادة، فكيف لا ترى في سمسرتها في ملف الصحراء وتحريضها لأذرعها الانفصالية ضد العدو المغربي لأزيد من نصف قرن، سلوك وساطة ورحمة مهداة من فاعل خير وناصح أمين. لا تعبر الوساطة الجزائرية المزعومة والمقترحة في نزاع هي جزء كبير منه، إلا عن سوء نية من العصابة الحاكمة في الجزائر للهروب من مسؤوليتها أمام المجتمع الدولي في اختلاق النزاع وإطالة أمده، ومن ثمة مسؤوليتها عن الجلوس إلى طاولة المفاوضات لحله وتسويته وإبراء الذمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق