قضايا وآراء

روح الشباب وثورة المؤسسات

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

تحل اليوم الأربعاء وغدا الخميس، وبتزامن دال ومعبر، ذكرى ثورة الملك والشعب، وذكرى عيد الشباب، وهما ذكريان عزيزتان وغاليتان لدى الشعب المغربي بكل جهاته وفئاته وشرائحه وطبقاته، لما تمثلانه من ربط الماضي المجيد بالحاضر الجديد، وما تشكلانه من نقطة التقاء رافدين في الحضارة المغربية، هما: الخزان التاريخي العريق الذي لا ينضب، والمتمثل في رصيد كبير ومتراكم من مكتسبات ثقيلة وأمجاد مشرقة وانتصارات باهرة وحية في حماية الوطن والذود عن حياضه والوفاء لحامي البلاد قائد تحريرها وموحدها، والتلاحم بين العرش والشعب في المنشط والمكره، وفي الشدة والرخاء، والرافد الثاني الطاقات الكامنة والمتجددة في الأجيال الوارثة لهذه الكنوز من المنجزات الحضارية، وهي الطاقات الشابة المتحفزة والمتوفزة والقادرة على تحويل أمجاد الماضي وتضحيات الأجداد إلى مشاريع وبرامج جديدة لرفع تحديات المستقبل، والإجابة عن أسئلة التنمية والديمقراطية والحريات والعدالة والتعليم والشغل والصحة، وغيرها من ضمانات العيش الكريم ومن أسس النهضة وعوامل البقاء والصمود والقوة والمنعة التي تربط تحرير الأرض بتحرير الإنسان، وتربط بناء العمران ومد الطرقات وإرساء البنى التحتية وإعمار الأرض، ببناء المؤسسات وتوطيد دعامات دولة الحق والقانون، ورفع أعمدة العدل والأمن وإعمار القلوب والعقول والوجدان بالتوجه إلى الخير والعلم والمعرفة في طمأنينة وسكينة وثقة في جدية المبادرات ومصداقية التوجهات.

وبالقدر الذي تضعنا فيه الذكريان أمام الصور المشرقة للتلاحم بين العرش والشعب في إنجاز المهمات التاريخية والحضارية للمغرب في عالم متحول وسريع التغير والتقلب، وتمنحاننا فرصة ذهبية للوقوف على المنجزات، والتعبير بكل فخر واعتزاز عما تحقق لبلادنا من أمن واستقرار وخير عميم، بفضل الاستحضار الدائم لهذا التلاحم والتعبئة والتضامن في كل المحطات والمنعطفات في مسيرتنا النهضوية والتحررية والتنموية، فإنهما تضعاننا كذلك أمام مسؤولياتنا الأخلاقية والسياسية، كل من موقعه، عن تنزيل وتنفيذ العديد من المقترحات والمشاريع والخطط المندمجة والمتعددة المداخل والأقطاب، للتمكين للشباب من احتلال مقاعده الريادية في الدفع بالنموذج المغربي للعمل والتعايش والتراحم والتضامن نحو أفق مؤسساتية أوسع تتلاءم مع متطلبات العصر، ومع التطور السريع في الحاضنات التقنية للمشاريع والبرامج…

فلم يعد ممكنا والسرعة التي تتجه بها البيئة التكنولوجية والتنموية في الدول المتقدمة تزداد يوما بعد يوم، أن نظل بعيدين عن مواكبة هذه السرعة وأن نتخلف عن الركب، وأن نترك الطاقات المتحفزة لشبابنا عرضة لانتظار تأهيل مؤسساتنا التأطيرية له، من أحزاب ومقاولات وجمعيات وهيئات ومنظمات وأندية ومدارس ومعاهد. إذ تضعنا البنية الديموغرافية الشابة لمواطنينا أمام تحد كبير لا يقبل انتظارا، هو مدى استثمار هذا المعطى الديموغرافي في تحديث وتشبيب المؤسسات، وفي تعبئة السواعد والعقول الشابة للانخراط في صناعة القرار وأخذ زمام المبادرة، انسجاما مع التوجه الملكي والدعوات السامية إلى التمكين للشباب من احتلال مقاعده المستحقة سواء في القيادة أو المبادرة أو حمل مشاريع ودعمها، بما في ذلك دعم تمثيلية الشباب والنساء في المؤسسات المنتخبة والهيئات الاستشارية.

ومما يؤسف له أن الورش الكبير لإدماج الشباب في الحياة السياسية والدورة الاقتصادية يسير بسرعة بطيئة لا تتناسب مع السرعة المتزايدة للمطالب وللحاجيات والانتظارات من جهة، وللدينامية المتصاعدة على الصعيدين الوطني والدولي لرفع تحديات التنمية وتحقيق رهانات التغيير والتجديد والمواءمة مع النموذج العالمي الجديد في عالم المال والأعمال وجذب الاستثمار والشراكات الاستراتيجية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي على أوسع نطاق في أسواق المعرفة والاتصال والمبادلات والاختراعات والمنافسات، وفي الحروب السبرانية والإلكترونية التي يتسع نطاقها يوما بعد يوم. ولعقولنا الشابة والمكونة كامل الأهلية والقدرات المعرفية والعلمية على خوض غمارها بنجاح مؤزر، تستفيد منه مسيرة بلادنا نحو عصر جديد لا ينبغي ولا يليق أن نخلف موعده.

نحن على اقتناع تام بنجاعة الإرادة الملكية السامية التي تتجسد ليس فحسب في خطب جلالته وتوجيهاته، بل في المبادرات الكبرى الحاضنة لمشاريع إدماج الشباب والطاقات الشابة والمبادرات الشبابية، ومنها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وبرنامج “انطلاقة” لدعم وتمويل المقاولات الشبابية حاملة المشاريع، وتقديم كافة التسهيلات للولوج إلى التمويل وتبسيط الإجراءات، وتقديم خدمات المواكبة للمشاريع، فضلا عن إرساء بنيات رياضية رائدة ومتقدمة لاستقطاب الرياضيين الشباب، واكتشاف الخبرات والمواهب الرياضية التي تزخر بها بلادنا، وتوفير جميع الفرص الممكنة لها للولوج إلى عالم الاحتراف والعطاء والاستفادة من الفرص التي تتيحها الاستثمارات الوطنية في هذا المجال. غير أن بعض التراخي والسير بسرعة لا تتوازى مع السرعة المأمولة والسرعة التي انطلقت بها الأوراش الملكية، تجعل العديد من القوى الحية والمؤسسات والهيئات التأطيرية للشباب محط توجيه الأنظار إليها، وتجديد الدعوة لها، مرة أخرى، للتفاعل مع انتظارات الشباب ومع مؤهلاتهم ومع الرؤية الملكية التي تضع شباب الأمة في صلب اهتمامها، وهو الأمر الذي يتطلب إحداث ثورة فكرية داخل الهيئات والمؤسسات ذات الصلة بتأطير المواطنين وإفراز الكفاءات والنخب الشابة القادرة التسيير والتدبير، وعلى مواصلة النضال والكفاح والعمل، في عالم تتنافس فيه الدول والأمم على تعبئة خبرات ومبادرات شبابها، والاستفادة من مؤهلاتهم والدفع بها إلى أقصى إمكاناتها في العطاء والإنتاج وكسب الأرباح وحصد النجاحات.  وباختصار شديد حان الوقت للاستثمار الجدي والصادق في شبابنا؛ ثروتنا الثمينة والغالية، وموردنا البشري الوحيد للتقدم، وروح مغرب مسكون بالمفاخر، ومثقل بالحضارة، ومهموم بغد أفضل للعيش الآمن والكريم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق