سينغال لا نعرفها

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس –
بقيام الجامعة الكروية السينغالية بحركات استعراضية متكررة ومستفزة ومتصاعدة تروم بها التأثير بالضجيج والتهديد على ملف طعنها، أمام المحكمة الرياضية الدولية، في حكم لجنة الاستئناف التابعة للكاف القاضي بتجريد المنتخب السينغالي من الفوز في المباراة النهائية التي جمعته بالمنتخب المغربي في بطولة كأس إفريقيا للأمم لعام 2025، وتحدي الأجهزة التقريرية والقضائية الكروية الإفريقية، وتحقير مقرراتها وقوانينها وقضاتها، والتمرد على أحكامها، وإطلاق سيل من الشعارات والاتهامات المجانية الخطيرة التي تستحق وحدها متابعة قضائية ومعاقبة عليها، والصادرة عن أعلى مستوى من مسؤولي هذه الجامعة، الذي توجب عليهم مسؤولياتهم الوطنية والقارية الالتزام بأقصى درجات الانضباط والتحفظ على كل ما من شأنه أن يسيء بالباطل إلى سمعة تدبير الشأن الرياضي والكروي في بلدهم وفي القارة، باحترام تام للأخلاقيات الرياضية واحتكام كلي إلى القانون ولا شيء غير القانون من شعارات تحريضية وحملات عنف وتطاول وفجور في الخصومة عند وجود نزاع أو نقاش بشأن خروقات وانتهاكات غير مقبولة.
لم تستثن الجامعة الكروية السينغالية بلادنا من استهدافها والتطاول عليها، مع أنها المتضرر الأول والأكبر من العبث والعربدة السينغالية وإفساد عرس كروي استضافته بكل كفاءة واقتدار والتزام ومصداقية، وعملت على جعل هذه البطولة أفضل نسخة مشرفة وغير مسبوقة في كأس إفريقيا للأمم تنظيما وشفافية وعدالة رياضية، والمتضرر الثاني هو منتخبه الوطني المشارك عن جدارة واستحقاق في هذه البطولة، الذي تصدر حسب الإحصاءات الرسمية التصنيفية ترتيب المنتخبات الأكثر تضررا من الأخطاء التحكيمية (15 خطأ فوتت فيها 3 ضربات جزاء غير محتسبة) وتعرضا للظلم، وصنف أفضل فريق من حيث الانضباط، بينما صنف المنتخب السينغالي ضمن أكثر المنتخبات استفادة من الأخطاء التحكيمية في هذه الدورة من البطولة الإفريقية، ومع ذلك يغمز مسؤولو الجامعة السينغالية في سلامة التنظيم المغربي ويشككون في ذمة منتخبنا الوطني، وقادوا منذ ما قبل المباراة حملات دعائية مغرضة ومفبركة للطعن في الضيافة المغربية التي وفرت لهم إلى جانب المنتخبات المشاركة كل شروط وظروف التنافسية والشفافية وتحقيق الطموح المشروع من أجل الفوز، لكن بشرف وفي إطار احترام القوانين المنظمة للعبة.
إن الجامعة الكروية السينغالية اختارت الطريق الخطأ والمنحرف والعار على إفريقيا، لربح معركة قانونية في ميدانها المحدد، بتصعيد سقطاتها وتطاولاتها وتجاوزاتها واستفزازاتها سواء ضد المؤسسات الرياضية القارية أو الدولية وأجهزتها التحكيمية والتقريرية، أو ضد المؤسسات الرياضية والقضائية المغربية، رغم كل محاولاتنا في المغرب إن على الصعيد الرياضي أو السياسي أو الإعلامي، وإلى غاية اليوم، حصر النزاع في إطاره الرياضي والقانوني، وطلب تصحيح وضع مشين وخطأ جسيم، وعدم خلطه بالسياسة أو إقحام مصالح الدولتين والشعبين والزج بالعلاقات المغربية السينغالية العريقة والطيبة في أتون معركة طاحنة موسعة ومفتعلة منحرفة، وخارج النزاع القانوني الرياضي الطبيعي والمحصور في إطاره المحدود، والذي عُرض على المؤسسات الرياضية التحكيمية والتقريرية القارية والدولية للفصل فيه، وكان حريا بمسؤولي الجامعة الكروية السينغالية أن لا يوسعوا الخرق ويتوسعوا في الخطأ والحماقة، التي ستضر بسمعتهم الرياضية وبأخلاق المنافسة الرياضية، بعد أن وثقوا في المحكمة الرياضية الدولية لإظهار الحق وإزهاق الباطل، فإذا كان سيضرهم لو تريثوا وتحفظوا عن الإساءة للعلاقات مع المغرب، إلى حين صدور الأحكام النهائية في هذه النازلة، واستنفاذ مساطر التقاضي، اللهم إن كانوا غير واثقين في استحقاقهم القانوني للفوز والتتويج وضعف حجتهم أمام القانون والقضاء، واعتقادهم الضمني في قوة ورجحان الموقف المغربي العادل، المدين للخروقات والانتهاكات والمطالب بردع المخالفات ومنع تكرارها وتطبيق القانون، والرافض لأية تزكية من العديد من الأشقاء في إفريقيا، لما حدث وأمام مرأى العالم من الدوس على القوانين الرياضية وعلى المؤسسات الضامنة لاحترامها والساهرة على تطبيقها، والدوس كذلك على الأخلاق الرياضية وعلى المسؤوليات التنظيمية والاحتضانية لهذه البطولة التي بذل فيها المغرب الغالي والنفيس من نسيج صداقاته المحترمة وشراكاته الموثوقة واستثماراته المتنوعة بكل ما جذبته للرياضة الإفريقية من مهتمين ومتابعين وجماهير من العالم، وترويج إعلامي دولي، وعائدات وأرباح مالية غير مسبوقة، جعلت النسخة المغربية للبطولة من حيث التنظيم المحكم والأمن والإشهار ونسبة المتابعة والمشاهدة، من أكثر نسخ هذه البطولة نجاحا وربحا في تاريخ “الكان”، فضلا عن ما عبأه المغرب من بنيات تحتية ومطارات ومحطات وطرقات ومنشآت رياضية وافرة بمواصفات ومعايير عالمية معتبرة وغير مسبوقة في القارة، وبنيات استقبالية من فنادق ومطاعم ووسائل التنقل الداخلية الرفيعة وعالية الجودة والضيافة العريقة والمنصات الجماهيرية ووسائل الراحة والقرب والتواصل وبأحدث طراز، وكل ذلك من أجل نجاح أريد له أن يجهض من جهات معادية وحاقدة ظلت تنبح وتصيح بالويل والثبور وعظائم الأمور منذ ترشح المغرب لاحتضان هذه البطولة القارية، إلى أن انتهت بالنقطة التي أفاضت كل القيح والسموم والأحقاد على عشب وأرضية ملعب مباراة النهاية وميدانه ومدرجه، مصيبة بذلك صورة إفريقيا في مقتل، فاتحة جرحا نازفا في قارة مستهدفة بواسطة حمقاها وطائشيها لتخريب بيوتهم ومعالمهم بأيديهم، وإفساد فرحتهم وعرسهم بالعربدة والتوحش.
كان يكفي الطاقم السينغالي ـ الذي استلم في مباراة النهاية مشعل الفتنة والجريمة ممن خططوا ودبروا لما يزيد عن عام يوما بيوم وساعة بساعة مؤامرات موثقة للتحريض على النجاحات المغربية ولإسقاط هذه البطولة وتخريبها والقعود على أطلالها ـ أن يتوقف عند ما استحدثه في المباراة من مناكير وفوضى عارمة وعدوان غريب على المغرب وعلى منتخبه المشارك والمنافس، وعلى أمنه ومصالحه واستثماراته المادية والرمزية، وفي ضيافته وعلى أرضه وبين شعبه وجماهيره الرياضية، وأن يبقي على بصيص من الاحترام له، والالتزام في تدبير ما بعد المباراة المشؤومة بإصلاح ما ينبغي إصلاحه من سلوك ومعاملة ومخاطبة وتصرف، وإظهار ما يمكن إظهاره من حسن نواياه ودفوعاته القانونية المقنعة عن استحقاقه الفوز بما فاز به، واعترض عليه المغرب لا على خلفية سياسية أو إيديولوجية، بل على أساس قانوني يؤطر اللعبة الرياضية وينظم هذه البطولة ببنوده الملزمة للجميع والمحتكم إليها عند المنازعة والتقاضي.
إن التمادي في التطاول والاعتداد بالظلم والاعتزاز بالعدوان وتسميم أجواء المباريات القارية والدولية بالاستعراض الدائم للمسروقات ولعضلات ليست في محلها، والتحريض ضد بلادنا، من شأنه نسف حجة السينغال في الاستحقاق القانوني للفوز بما فازت به في جنح الظلام. فهذه السينغال التي تتحجج بكون الحكم هو سيد المباراة ينبغي احترام قراراته وقد أنهى المباراة بانتصار المنتخب السينغالي، هي نفسها السينغال التي رفضت مرجعية الحكم وطعنت في “سيادته” وهددته بعد احتسابه ضربة جزاء لصالح المنتخب المغربي، بتوقيف المباراة والانسحاب من أرضية الملعب إلى غرفة الملابس، وهو ما فعلته ونفذته، ولم تتحمل نتائجه البعدية وعواقبه وآثاره القانونية المترتبة عليه، وأقل هذه الآثار إعلان فوز المغرب الاعتباري بالبطولة. لا يعني تصعيد السلوكات الصبيانية للطاقم الاحتفالي البهلواني السينغالي في المحافل الدولية، وتمديد الشحن والابتزاز، والخروج عن مقتضيات اللعبة الكروية والقوانين الرياضية، والأخلاق الحميدة في الخصومة والنزاع، إلى الفجور والإساءة وسوء النية والقصد، إلا أننا أمام سينغال أخرى صادمة لا نعرفها في ما عرفناه وخبرناه عنها وعن شعبها ونخبها من رزانة وحكمة ورجاحة عقل وآداب جمة، وتعفف عن فحش القول، وتربية على حسن المعاملة، وجنوح إلى الحق والخير.



