دوليمجتمع

عثمان الفردوس: المدرسة الرقمية للفلاحة نموذج جديد للتعاون جنوب-جنوب بين المغرب وكوت ديفوار

العربي وجعلا –

أكد عثمان الفردوس، سفير المملكة المغربية لدى جمهورية كوت ديفوار، أن افتتاح المدرسة الرقمية للفلاحة بمدينة ياموسوكرو يجسد مرحلة جديدة في مسار التعاون المغربي الإيفواري، ويعكس توجها متناميا نحو بناء شراكات إفريقية قائمة على تبادل الخبرات وتطوير الرأسمال البشري وتوظيف التكنولوجيا في خدمة التحول الاقتصادي والزراعي بالقارة. وأوضح في كلمة ألقاها بمناسبة حفل افتتاح هذه المؤسسة، المنظم تحت شعار “وماذا لو توقفت إفريقيا عن الشك في قدراتها؟”، أن المشروع يحمل دلالات خاصة بالنظر إلى ارتباطه بالتجربة التاريخية لكل من المغرب وكوت ديفوار في مجال التنمية الزراعية، مستحضرا الرؤية التي تبناها الرئيس الإيفواري الراحل فيليكس هوفويت بوانيي، والذي راهن مبكرا على الفلاحة كرافعة للتنمية، من خلال تثمين الموارد التي تنتجها الأرض، بدل الاقتصار على الثروات المستخرجة من باطنها، وأشار السفير المغربي إلى أن هذا الاختيار يستحضر بدوره التجربة المغربية في عهد الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه، الذي جعل من النهوض بالقطاع الفلاحي أولوية منذ السنوات الأولى للاستقلال، رغم التحفظات التي أبدتها آنذاك بعض الهيئات الاستشارية الدولية بشأن جدوى هذا التوجه.

وفي هذا السياق، استحضر الفردوس سياسة بناء السدود التي أطلقها المغرب، موضحا أن نتائجها لم تقتصر على توفير البنيات التحتية المائية، بل امتدت إلى تكوين خبرات وطنية في مجال الهندسة، مكنت من تصميم هذه المنشآت وإنجازها وصيانتها وضمان استمراريتها، واعتبر أن هذه التجربة تؤكد أهمية الاستثمار في الرأسمال البشري، باعتباره مكملا أساسيا للاستثمارات في البنيات التحتية. وأضاف أن المدرسة الرقمية للفلاحة تندرج ضمن الدينامية التي يقودها الرئيس الإيفواري الحسن واتارا من أجل إحداث تحول عميق في القطاع الزراعي، وتعزيز مكانة كوت ديفوار كقوة فلاحية، من خلال توفير كفاءات بشرية قادرة على مواكبة هذا التحول وتطوير الخبرات التقنية وضمان استدامتها، فضلا عن نقلها وتوسيع نطاق الاستفادة منها على مستوى غرب إفريقيا.

الانتقال من التقارب السياسي والاستراتيجي إلى إنجاز مشاريع ملموسة

وسجل الدبلوماسي المغربي وجود تقاطعات استراتيجية بين اقتصادي البلدين، باعتبارهما اقتصادين منفتحين وليبراليين ومتعددي القطاعات، علاوة على ارتباطهما بالفضاء الأطلسي وبالأسواق الدولية، معتبرا أن هذه القواسم المشتركة تفسر التقارب في الرؤى بين جلالة الملك محمد السادس والرئيس الحسن واتارا، وتؤسس لشراكة وصفها بـ”غير المحدودة”، تتيح الانتقال من التقارب السياسي والاستراتيجي إلى إنجاز مشاريع ملموسة، من قبيل المدرسة الرقمية للفلاحة، كما نوه بجودة العمل الذي جمع الوزراء والشركاء الإيفواريين، من مؤسسات أكاديمية ومؤسساتية ومالية، في إنجاز هذا المشروع، مشيرا إلى أن الفترة الفاصلة بين وضع حجر الأساس وافتتاح المؤسسة لم تتجاوز ثلاث سنوات، وهو ما اعتبره مؤشرا على القدرة على تحويل الشراكات إلى مشاريع عملية ضمن آجال محددة.

وعلى مستوى البعد الإفريقي، اعتبر الفردوس أن المدرسة الرقمية للفلاحة تمثل نموذجا جديدا للتعاون جنوب-جنوب، يقوم على تجاوز ما وصفه بـ”المعتقدات المقيدة” التي تحد من ثقة القارة في قدراتها، وترسيخ مبدأ اعتماد إفريقيا على إمكاناتها وخبراتها، والعمل على بناء مقاولات قادرة على المنافسة والتوسع على المستوى القاري، وأعرب عن أمله في أن تفرز هذه المؤسسة ما بين 10 و20 شركة ناشئة، وأن تتمكن إحداها على الأقل من التحول إلى نموذج مقاولاتي إفريقي عابر للحدود، بما يعزز حضور الابتكار الإفريقي في الأسواق الدولية.

التكنولوجيا رافعة لتحديث السياسات الزراعية

وبخصوص التحولات التي تجسدها هذه المؤسسة، حدد السفير المغربي أربع ثورات مترابطة، أولاها ثورة التقارب التكنولوجي بين الإلكترونيات والمعلوميات والعلوم الزراعية، معتبرا أن الجمع بين هذه التخصصات الثلاثة ضمن مسار تكويني واحد يمثل توجها مبتكرا في مجال إعداد الكفاءات الزراعية، وتتعلق الثورة الثانية، بأساليب التعليم والتكوين، من خلال اعتماد مقاربة التعلم بين الأقران، حيث يساهم المتدربون في نقل المعارف إلى زملائهم، إلى جانب ترسيخ ثقافة التجريب وتقبل الخطأ باعتباره جزءا من مسار الابتكار. وأوضح أن ذلك يشمل تطوير النماذج الأولية وإطلاق المنتجات ذات الحد الأدنى من الخصائص القابلة للاستخدام، واختبار إثبات المفهوم في السوق، من أجل الحصول على تجاوب سريع يتيح تصحيح الاختلالات وإعادة التجربة بصورة متواصلة، أما الثورة الثالثة، فتتصل، بتحول تطلعات الشباب الإفريقي، الذي لم يعد يحصر مستقبله المهني في الحصول على وظيفة مأجورة، بل يتجه بصورة متزايدة نحو ريادة الأعمال وبناء أصول اقتصادية. واعتبر أن توفير فضاء يجمع الشباب داخل المؤسسة التعليمية نفسها، ويتيح لهم التعارف وتكوين فرق عمل وإطلاق شركات ناشئة مشتركة، يشكل فرصة لبناء مشاريع قادرة على استهداف الأسواق الإفريقية، ثم التوسع نحو أسواق أمريكا اللاتينية وآسيا. وتتمثل الثورة الرابعة في ما وصفه بالنهضة الإفريقية، من خلال جعل التكنولوجيا رافعة لتحديث السياسات الزراعية وتعزيز قدرتها على مواجهة التغيرات المناخية، وفي هذا الإطار، أبرز أن إعطاء مخطط التنمية الوطني لكوت ديفوار في أفق 2030 مكانة مركزية للتحول الزراعي وتحسين المردودية وتعزيز القدرة على التكيف والصمود أمام التغير المناخي، يعكس توجها نحو اعتماد فلاحة أكثر ارتباطا بالبيانات والمعطيات العلمية والتكنولوجية في تدبير الإنتاج واتخاذ القرار.

وختم السفير المغربي كلمته بالتأكيد على خصوصية الروابط الإنسانية بين الشعبين المغربي والإيفواري، معتبرا أن ما يجمعهما يتجاوز العلاقات الرسمية، ليعكس تقاربا بين شعبين تجمعهما مشاعر المودة، وهو ما يضفي على الشراكة بين البلدين بعدا يتجاوز التعاون المؤسساتي إلى بناء مشاريع مشتركة تستجيب لتطلعاتهما التنموية، ويعكس افتتاح المدرسة الرقمية للفلاحة في ياموسوكرو، من خلال المضامين التي أبرزها السفير المغربي، توجها نحو ربط التعاون المغربي الإيفواري بتحديات التحول التكنولوجي والابتكار الزراعي، والانتقال من تبادل التجارب إلى الاستثمار في الكفاءات والمبادرة المقاولاتية، بما يفتح آفاقا لتطوير نماذج إفريقية قادرة على الإسهام في تحديث القطاع الفلاحي وتعزيز تنافسية اقتصادات القارة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق