الوطن والمواطن أولا

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس –
تجري اليوم الأربعاء إحدى أهم الاستحقاقات الانتخابية الوطنية في المسار الديموقراطي المؤسستي، وهي الانتخابات التشريعية الثانية عشرة في تاريخ البرلمان المغربي منذ إحداثه. ولعل ما يميز إجراء هذا الاستحقاق من الناحية الشكلية أنه جاء في إطار الانتظام الانتخابي الذي حرصت الدولة المغربية على تكريسه، رغم كل الظروف الصعبة التي مرت منها البلاد، ورغم كثير من الدعوات والمطالبات إما بتعجيله قبل أوانه، أو بتأخيره بالنظر إلى مستجدات وإكراهات، وهو أمر أكد بصفة نهائية أن انتظام المسلسل الانتخابي والحفاظ على الوتيرة الطبيعية لأداء المؤسسات، واشتغالها مهما كانت الطوارئ والعوارض والإكراهات والاعتراضات، يعد من بين ركائز الدولة القوية المستقرة؛ دولة المؤسسات والقانون.
يأتي هذا الاستحقاق الانتخابي التشريعي في سياق داخلي وخارجي مطبوع بالعديد من التحديات والرهانات المتراكمة والمتشابكة والسريعة التقلب، التي تتطلب من المؤسسات التي ستفرزها هذه الانتخابات، من برلمان وحكومة ومن نخب جديدة مؤهلة، أن تكون في مستوى تطلعات الوطن والمواطنين لمواجهتها والتعبئة من أجل كسبها، وتسريع وتيرة لحاق المغرب بركب الدول المتقدمة، بعد أن رسخ أقدامه في صفوف الدول الصاعدة، وأهل بنياته التحتية وموارده البشرية وسياساته العامة وتشريعاته وقوانينه لدخول عهد جديد من التنافسية الدولية والندية في ربح معارك التنمية والتحرر.
ولعل أبرز ما يعلقه الوطن والمواطنون على هذا الاستحقاق، هو أن يكون جسرا لعبور آمن بالمشاريع التنموية والتحررية الكبرى لبلادنا، والتي أعطى جلالة الملك انطلاقتها منذ سنوات، وهي الآن في طور الاستكمال والختم عليها بخاتم النجاح في الوصول بالمغرب إلى نقطة اللاعودة إلى أسئلة الخصاص والحرمان والندرة والتعثر والتخبط، ومن شأن توفيق المؤسسات والنخب التي ستفرزها هذه الانتخابات بين السرعة المتقدمة التي تسير بها هذه المشاريع الكبرى، وسرعة الزمنين البرلماني والحكومي أن يعطي نفسا جديدا ودينامية متصاعدة لتعبئة كل الجهود والخبرات والكفاءات، وترجمتها إلى فعل سياسي واجتماعي قادر على تمثل رهانات الإصلاح والتغيير وتنزيلها في برامج وإجراءات وتدابير ملموسة للمواطنين بمختلف فئاتهم وجهاتهم، خصوصا ما يرتبط منها مباشرة بحياتهم اليومية، وبالعيش الكريم الذي تعد به المشاريع التنموية والتحررية الكبرى، وعلى رأسها الشغل المتوفر، والصحة الجيدة، والتعليم النافع، والقدرة الشرائية المناسبة، والحقوق والحريات المصانة، والخدمات الإدارية الراقية، والأمن والاستقرار المضمونين.
تأتي هذه الانتخابات أيضا في سياق إقليمي ودولي مطبوع باللايقين، وهو السياق الذي يدخله المغرب بكل ما يملكه من مصداقية وموثوقية، وعلاقات وقوة اقتراحية وإقناعية، ومبادرة لنزع فتائل الحروب، وإقامة الحجة على المعتدين، والجنوح للحوار والتفاوض والتفاهم، وتعزيز جبهة الاستقرار والسلام، ويعتبر الإجماع الدولي على سمو المقترح المغربي للحكم الذاتي كحل واقعي نهائي للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، ثمرة جهود مغربية مضنية لإنهاء هذا النزاع الذي عمر طويلا، إذ تسير القرارات الأممية اليوم وعلى مقربة من الاجتماع المقبل لمجلس الأمن في نهاية شهر أكتوبر في اتجاه تكريس هذا الحل وبدعم دولي معتبر، ومن شأن استمرار جذوة التعبئة الوحدوية الوطنية المؤسستية والشعبية، أن يجهض ما تبقى من مخططات التقسيم والانفصال، وأن يوفر للمغرب أرضية مناسبة للعمل مع المجتمع الدولي على تحويل الصحراء المغربية إلى ملتقى للاستثمارات في الخير، وإلى جسر للعبور بين القارات والثقافات والحضارات، وعلى المؤسسات التي ستفرزها هذه الانتخابات أن تكون أيضا في مستوى هذا التحدي الوجودي، الذي نعلم قطعا ومن تجارب انتخابية سابقة، أن ساكنة أقاليمنا الجنوبية من أبناء الصحراء المغربية سيكونون كما عهد فيهم على رأس المشاركين في هذه الانتخابات ترشيحا وتصويتا على ممثليهم الحقيقيين، إذ ظلت جهتا الداخلة- وادي الذهب والعيون – الساقية الحمراء في صدارة الجهات المغربية وبدون منازع، من حيث أعلى نسب المشاركة الانتخابية، في تأكيد على تقرير الصحراويين المغاربة لمصيرهم داخل وطنهم، مدافعين عن استحقاقاته الوحدوية والتنموية والتحررية.
وتأتي هذه الانتخابات أخيرا في إطار بلوغ المغرب مرحلة متقدمة في شراكاته وصداقاته وعلاقاته الدولية المبنية على الاحترام المتبادل، والوفاء بالالتزامات والعهود، والحرص على المصالح المشتركة، والتنافسية الشريفة والتعامل الندي. ومن شأن المواكبة الفعالة للفاعلين البرلمانيين والحكوميين الذين ستفرزهم هذه الاستحقاقات الانتخابية أغلبية ومعارضة، لهذه العلاقات المغربية والشراكات المغربية بالانفتاح على رهاناتها، وتخطيط السياسات الاستثمارية فيها، أن يعطي دفعة قوية للمغرب الدولي الذي سيحتضن على أرضه بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال رهان أفضل نسخة لمونديال كرة القدم، كما سيحتضن تظاهرات دولية كبرى واردة في أجندته الإقليمية والدولية وفي معاهداته واتفاقياته.
على الجميع ناخبين ومنتخبين أن يضعوا نصب أعينهم أن الوطن والمواطن هما من الأولويات الثابتة للنهوض بهما وخدمتهما في هذه المحطة التاريخية للبلاد، والمرحلة الإقلاعية الدقيقة، والمنعطف المفصلي للمملكة المغربية خلال العشرية الثالثة من القرن الحالي، ولخطورة أي انحراف عن خدمة هذه الأولوية القصوى، فإن التفعيل المكثف للقاعدة الحكاماتية الدستورية: ربط المسؤولية بالمحاسبة، هو من أعز ما يطلب وأغلاه لاسترجاع ثقة المواطنين في العمل السياسي وفي أداء النخب المرشحة لتحمل المسؤوليات التشريعية أو التدبيرية. وبغض النظر عن نتائج هذه الانتخابات وعن الأغلبية التي ستفرزها لتدبير المرحلة، فإن الانتخابات، وكما أكد جلالة الملك في أكثر من خطاب ” ليست غاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة لإقامة مؤسسات ذات مصداقية، تخدم مصالح المواطنين، وتدافع عن قضايا الوطن”. وبالتالي فإن نجاح المؤسسات يقاس بمدى قيامها بالمهام المنوطة بها وخدمتها لمصالح الوطن والمواطنين.



