وسيط المملكة.. تصحيح الاختلالات الإدارية رهين بوضوح المساطر
الرباط-عبد الحق العضيمي –
أكد حسن طارق، وسيط المملكة، أن تدبير الطلب على الوساطة يشكل جوهر مهمة الوسيط وموضوع رسالته القانونية والتزامه الأخلاقي، مبرزا أن هذه المرحلة تلتقي فيها سلاسة الإجراءات مع وجاهة القرارات، وأن الإنصاف لا يقتصر على الغايات والأهداف التي تسعى إليها الوساطة المؤسساتية، بل ينعكس كذلك على تدبير الإجراءات والمساطر والآجال.
وأوضح طارق، في الكلمة الافتتاحية لأشغال الدورة الثانية للمنتدى الوطني للوساطة المؤسساتية، المنعقد بمراكش يومي 18 و19 يونيو الجاري، تحت شعار “الإنصاف المسطري في تدبير الطلب على الوساطة”، أن المنتدى يشكل موعدا للذكاء الجماعي لأسرة الوساطة المؤسساتية، ولحظة للتفكير المشترك في التحديات المهنية، ومناسبة لتقييم ومساءلة الأداء العام للمؤسسة، كما يمثل فرصة لتطوير مشاريع المؤسسة وقياس أثرها وتجويد مخرجاتها.
وأضاف أن هاجس توحيد الاجتهاد المهني وآليات العمل ومضامين معالجة الملفات ومرجعيات التفاعل يبقى الرهان المركزي لهذا المنتدى في نسخته الثانية، تماما كما كان الشأن خلال الدورة الأولى.
وسجل وسيط المملكة أن الفترة الفاصلة بين الدورتين الأولى والثانية للمنتدى تميزت بلحظة استثنائية طبعت تاريخ المؤسسة ومعه تاريخ الوساطة المؤسساتية، تجلت في القرار الملكي السامي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس باعتماد التاسع من دجنبر يوما وطنيا للوساطة المرفقية، معتبرا أنه “لحظة مثقلة بمعاني التقدير والاعتراف بأدوار الوساطة وبفضائل الإنصاف، ومشبعة بدلالات التثمين الملكي السامي لجهود المؤسسة ولروادها ولأطرها من كل الأجيال والمسارات المهنية، ومعبرة في الآن ذاته عن الحرص الملكي الموصول على دعم البناء المؤسسي لهيئات الحماية والدفاع عن حقوق الإنسان”.
وأشار طارق إلى أن هذا المعطى يجعل المؤسسة تشعر بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقها وسط تحولات مهولة يعرفها الطلب على الوساطة وتعرفها الإدارة العمومية، مبرزا أن منشور رئيس الحكومة بتاريخ 13 أكتوبر 2025، بما يتضمنه من توجيه واضح للإدارات والمرافق والمؤسسات العمومية بالتجاوب الفعال مع المؤسسة، يعبر عن تقدم ملحوظ في البيئة المؤسساتية لاشتغالها، ويجسد كذلك وعيا جادا بحجم الانتظارات المحمولة على الوساطة المرفقية داخل المجتمع.
وأفاد بأن التقرير السنوي للمؤسسة برسم سنة 2024 استند إلى طموح منهجي يتأسس على فكرة بلورة مؤشر وطني للوساطة، بمثابة تركيب لثلاثة مؤشرات فرعية تشمل الطلب على الوساطة والتفاعل المؤسسي والتجاوب الإداري، موضحا أن أشغال المنتدى ستنكب على فحص وتقييم مؤشر التفاعل المؤسسي باعتباره حلقة مركزية في منظومة الوساطة المرفقية.
وأضاف أن هذا المؤشر يسعى إلى قياس تفاعل مؤسسة الوسيط مع الطلب الوارد عليها من حيث جودة الاستقبال والتوجيه، وسلامة فرز الشكايات والتظلمات وفق حدود الاختصاص، ودقة تكييف موضوع الطلب ودراسة فحواه، وجدوى الأبحاث والتحريات، ونجاعة تتبع ومعالجة الملف، ومهنية البت القانوني في إشكالياته بناء وتعليلا واستنتاجا.
وأوضح طارق أن الوساطة المؤسساتية تعني، من حيث الغايات والأهداف، البحث عن الإنصاف المرفقي، وهو ما يجعلها، كبناء قانوني وهندسة تنظيمية، في خدمة مبادئ “العدل والإنصاف”، مضيفا أن تمثل المؤسسة لقيمة “الإنصاف” كفكرة مهيكلة لأدائها ومهامها ينعكس كذلك على جوانب الإنصاف في تدبير الإجراءات والمساطر والآجال.
ولفت إلى أن صيغ الإنصاف المسطري للوساطة المؤسساتية تتجلى في مرونة إجراءات تلقي التظلمات، والانفتاح الواسع للطلب على الوساطة، وتنوع وسائل تلقيه، والقرب الجهوي والترابي، ومعقولية الآجال، إضافة إلى “الأنسنة” التي تطبع علاقة المؤسسة مع تظلمات فئات خاصة.
وأبرز أن القانون رقم 14.16 لا ينص في مادته 17 سوى على عناصر محددة لقبول التظلمات، تشمل أن يكون التظلم مكتوبا وموقعا من صاحبه أو من ينوب عنه، وأن يكون مرفقا بالحجج والوثائق المبررة له إن كانت متوفرة، وألا ترجع الوقائع موضوع التظلم إلى تاريخ قديم يحول دون إمكانية إجراء الأبحاث والتحريات اللازمة.
وتابع أن النظام الداخلي للمؤسسة يؤكد أن التظلمات مجانية ومعفاة من أي رسم أو صائر، كما يسمح للمؤسسة بإشعار المتظلم الذي قدم تظلما غير مكتمل الشروط بنوع الإخلال الشكلي ودعوته إلى تداركه داخل أجل محدد إذا كان الإخلال قابلا للتدارك.
وسجل طارق أن الطلب على الوساطة يشمل جميع الأشخاص، ذاتيين كانوا أو معنويين، فرادى أو جماعات، مغاربة أو أجانب، مقيمين أو غير مقيمين فوق التراب الوطني، كما أن المؤسسة تتلقى التظلمات عبر الإيداع المباشر بمقرها المركزي أو تمثيلياتها الجهوية والمحلية، أو عبر الإيداع الإلكتروني أو البريد أو بأي آلية أخرى يمكن أن تترك أثرا كتابيا.
وأشار إلى أن القانون يقر أيضا “أنسنة” خاصة عندما ينص على تقديم جميع أنواع المساعدة القانونية والإدارية اللازمة للمتظلمين من الأشخاص والفئات في وضعية إعاقة من أجل تمكينهم من تقديم التظلمات.
وأكد المسؤول ذاته، أن جزءا كبيرا من عمل المؤسسة يقوم على استقبال وإرشاد وتوجيه المتظلمين، سواء على المستوى المركزي أو الترابي، معتبرا أن الوساطة التوجيهية تعد من أهم مظاهر الإنصاف المسطري ومن عناوينه الأبرز، بالنظر إلى موقعها المركزي في صلب الالتزامات الدستورية والحقوقية للمؤسسة.
وفي سياق تعزيز القرب الترابي، أوضح طارق أن المؤسسة قررت، خلال الربيع الماضي، إعادة تنظيم عمل التمثيليات الجهوية والمحلية وفق رؤية جديدة لتوزيع الصلاحيات على مستويات القرب الترابي، بما يضمن انتشارا واسعا للوساطة المرفقية.
وكشف أنه تقرر إحداث مندوبية جهوية على مستوى جهة درعة- تافيلالت، يكون مقرها بمدينة الرشيدية، والارتقاء بنقطة الاتصال بمراكش إلى مستوى مندوبية جهوية بجهة مراكش- آسفي مع توسيع اختصاصها ليشمل جهة بني ملال- خنيفرة، والارتقاء بنقطة الاتصال بجهة سوس-ماسة إلى مستوى مندوبية جهوية تشمل جهة كلميم-واد نون، والارتقاء بنقطة الاتصال بجهة الشرق إلى مستوى مندوبية محلية، إلى جانب توسيع اختصاصات عدد من المندوبيات الجهوية الأخرى.
وأضاف أن الهيكلة الجهوية للمؤسسة أصبحت ترتكز على سبع مندوبيات جهوية بجهات طنجة- تطوان- الحسيمة، والدار البيضاء- سطات، وفاس-مكناس، والعيون-الساقية الحمراء، ومراكش-آسفي، وسوس- ماسة، ودرعة- تافيلالت، تؤازرها مندوبيتان محليتان بوجدة وبني ملال، وثلاث نقط اتصال بكل من كلميم والداخلة ومكناس.
كما أعلن إحداث “وحدة التنسيق والتتبع الجهوي” على مستوى الإدارة المركزية، تتولى تنسيق وتتبع عمل التمثيليات الجهوية والمحلية، والسهر على انسجام الممارسات المعتمدة وتوحيد منهجيات العمل.
وفي ختام كلمته، أكد وسيط المملكة أن الغاية المثلى من هذا المنتدى تتمثل في تحضير الأرضية الكفيلة ببلورة دليل عملي للمساطر يدقق محطات مسار معالجة الطلب على الوساطة انطلاقا من مقتضيات القانون وأحكام النظام الداخلي للمؤسسة، مسترشدا بفكرة الإنصاف المسطري باعتبارها امتدادا للإنصاف كقيمة تأسيسية للوساطة المرفقية ومبدأ مهيكلا لخيارات المؤسسة وأهدافها وصلاحياتها.
وأضاف أن الإجراءات والمساطر والقواعد الشكلية تشكل في العمق ضمانات جوهرية لحماية الحقوق والحريات، من خلال تمكين المواطنين من الوسائل القانونية للمطالبة بحقوقهم والدفاع عنها، وضمان المحاكمة العادلة وتحقيق الأمن القانوني والقضائي.
واعتبر أنه لا قيمة لقرار منصف يصحح اختلالا إداريا أو يرفع تعسفا في ممارسة السلطة أو يخفف آثار قاعدة قانونية أنتجت أوضاعا غير عادلة، دون مساطر وإجراءات واضحة تضمن الولوج إلى الإنصاف وتؤمن مرافقة ميسرة للطلب على الوساطة.
وشدد طارق على أن الولوج إلى الإنصاف يقتضي إجراءات بسيطة ومساطر سهلة وآليات مرنة، وهو ما يفرض تعزيز شبكة المندوبيات الجهوية والتمثيليات المحلية، مبرزا أن افتتاح المقر الجديد للمندوبية الجهوية بجهة مراكش- آسفي يندرج ضمن هذا التوجه الرامي إلى ترسيخ وساطة مرفقية قريبة من المواطنين في الإجراءات والغايات.






