
الرباط – عبد الحق العضيمي
توقعت الحكومة، على لسان وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح، أن يسجل الاقتصاد الوطني نموا بنسبة 4.5 في المائة خلال سنتي 2025 و2026، مستندة في ذلك إلى فرضيات تتعلق باستقرار محصول الحبوب عند 70 مليون قنطار سنويا، وسعر البترول في حدود 65 دولارا للبرميل، والبوتان عند 500 دولار للطن، إضافة إلى معدل تضخم لا يتجاوز 2 في المائة وسعر صرف يقارب 10 دراهم للدولار.
وأوضحت فتاح، في عرض قدمته خلال اجتماع مشترك للجنتي المالية بمجلسي البرلمان، حول تنفيذ قانون المالية لسنة 2025 وإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2026 والبرمجة الميزانياتية لثلاث سنوات 2026-2028، أول أمس (الخميس)، أن هذه التوقعات تعكس استمرار دينامية الاقتصاد الوطني خلال سنة 2026 بنفس مستوى النمو المنتظر خلال سنة 2025، مدعوما بشكل أساسي بانتعاش الأنشطة غير الفلاحية.
وأكدت أن هذه التوقعات تظل قابلة للمراجعة في حال تدهور آفاق النمو العالمي، خاصة في منطقة الاتحاد الأوروبي بسبب تداعيات التوترات الجيوسياسية، أو في حال تسجيل محصول فلاحي أقل من المتوسط.
وتابعت المسؤولة الحكومية خلال استعراضها لتوقعات النمو لسنة 2025، أنه “بناء على الأداء القوي المسجل خلال الفصل الأول من سنة 2025، وتحسن المؤشرات الظرفية عالية التردد خلال الفصل الثاني، واستنادا إلى نتائج نموذج التنبؤ على المدى القصير، تم رفع توقعات نمو الناتج الداخلي الإجمالي غير الفلاحي إلى 4.4 في المائة بدل 4.0 في المائة، وهو ما يرفع التوقع الإجمالي للنمو الاقتصادي إلى حدود 4.5 في المائة خلال سنة 2025، مقابل 4.1 في المائة في التحيين السابق”.
واعتبر أن هذا المستوى من النمو يظل منسجما مع الفرضية المعتمدة في قانون المالية لسنة 2025 (4.6 في المائة)، مع تسجيل اختلاف طفيف في بنية النمو.
وذكرت الوزير بأن أول مراجعة للتوقعات أجريت في شهر مارس، حيث تم الأخذ بعين الاعتبار الانخفاض الكبير في المساحات المزروعة بالحبوب بنسبة 23 في المائة مقارنة بمتوسط السنوات الفلاحية العادية، ما أسفر عن خفض توقع النمو الاقتصادي بـ0.5 نقطة إلى 4.1 في المائة.
وبخصوص التضخم، أوضحت فتاح أن معدله، بعد أن بلغ 6.6 في المائة سنة 2022 و6.1 في المائة سنة 2023، تراجع ليستقر عند 0.9 في المائة سنة 2024.
وأوردت أن مستويات التضخم المعتدلة استمرت خلال الأشهر الستة الأولى من 2025، حيث سجل الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك ارتفاعا متوسطا بنسبة 1.3 في المائة، مقابل 1.0 في المائة خلال نفس الفترة من سنة 2024.
وأكدت فتاح أنه، بالنظر إلى التراجع المتسارع للتضخم منذ فبراير (2.6 في المائة) إلى غاية يونيو (0.4 في المائة)، إضافة إلى الانخفاض المسجل في أسعار النفط، يرتقب أن يظل التضخم في مستوى متحكم فيه في حدود 1.1 في المائة خلال سنة 2025. غير أن هذه التوقعات، تضيف الوزيرة، “تظل محاطة بمخاطر محتملة مرتبطة بارتفاع أسعار المنتجات الطاقية في ظل الصدمات الجيوسياسية الخارجية، وكذا الظروف المناخية التي ستؤثر على بداية الموسم الفلاحي المقبل”.
وفي سياق التيسير النقدي، سجلت وزيرة الاقتصاد والمالية قيام بنك المغرب بثلاثة تخفيضات متتالية في سعر الفائدة الرئيسي إلى 2.25 في المائة. كما توقعت أن يسجل الحساب الجاري لميزان الأداءات عجزا بنسبة 2.2 في المائة، وعجز الميزانية في حدود 3.5 في المائة، فيما ستبلغ مديونية الخزينة 67 في المائة مع متم سنة 2025.
من جانب آخر، أفادت فتاح، بأن الحكومة واصلت تنفيذ سياسة ميزانياتية قائمة على التحكم الدقيق بين دعم النشاط الاقتصادي، وإعادة بناء النموذج الاجتماعي، وتعزيز التوازنات الماكرو اقتصادية.
وأكدت، ضمن عرضها أمام نواب ومستشاري لجنتي المالية أن عجز الميزانية لسنة 2024 تم ضبطه في مستوى أقل من توقعات قانون المالية (4 في المائة من الناتج الداخلي الخام)، مسجلا انخفاضا بـ3.3 نقاط مقارنة مع 2020 و1.7 نقطة مقارنة مع 2021.
وأرجعت فتاح هذا التحسن إلى الأداء الجيد للمداخيل، وخاصة المداخيل الجبائية، مما مكن، بحسبها، من تغطية نفقات تسريع المشاريع الهيكلية، والالتزامات الاجتماعية، وتخفيف آثار التضخم والجفاف، ودعم الفئات المستهدفة وصندوق تدبير آثار زلزال الحوز، وتمويل مشاريع الإقلاع الاقتصادي والتظاهرات الرياضية الكبرى.
وفيما يتعلق بالمداخيل الجبائية، أكدت فتاح أن هذه الأخيرة سجلت إلى غاية متم يونيو 2025 نسبة إنجاز بلغت 55.3 في المائة، بزيادة قدرها 25.1 مليار درهم مقارنة مع يونيو 2024، ويعود ذلك، بحسب المسؤولة الحكومية، إلى أثر إجراءات الإصلاح الضريبي.
وأبرزت أن الضريبة على الشركات حققت نسبة إنجاز استثنائية بلغت 72.6 في المائة، بارتفاع قدره 13.1 مليار درهم، مدفوعة أساسا بتحسن التسوية التكميلية والدفعات الربع سنوية. كما عرفت الضرائب على الدخل والقيمة المضافة تطورا ملموسا، بفضل التسوية التلقائية وتفعيل نظام الاقتطاع من المنبع، في حين سجلت الرسوم الجمركية تراجعا بمليار درهم.
كما أكدت فتاح، أن تنفيذ النفقات إلى غاية متم يونيو 2025 جرى وفقا للتوقعات المحددة في قانون المالية، حيث بلغت نسبة إنجاز النفقات الجارية 50 في المائة، ونسبة إنجاز نفقات الاستثمار 47.9 في المائة.
وسجلت أن النفقات الجارية ارتفعت بحوالي 23.7 مليار درهم مقارنة مع النصف الأول من سنة 2024، موضحة أن هذا التطور يعزى أساسا إلى ارتفاع نفقات الأجور بـ8.5 مليارات درهم، وارتفاع نفقات “السلع والخدمات الأخرى” بـ16.7 مليار درهم، نتيجة الزيادات المقررة في إطار الحوار الاجتماعي، بالإضافة إلى التحويلات الموجهة لصندوق دعم الحماية الاجتماعية والتماسك الاجتماعي.
ولفتت وزيرة الاقتصاد والمالية إلى أن فوائد الدين سجلت زيادة بقيمة 2.5 مليار درهم، في حين تراجعت تحملات المقاصة بنحو 4 مليارات درهم، وذلك نتيجة انخفاض سعر غاز البوتان في الأسواق الدولية وتقليص الدعم الموجه لهذا المنتوج ابتداء من 20 ماي 2024.
وفيما يتعلق بالمديونية، أوضحت فتاح أن مؤشر المديونية انخفض بـ4.5 نقاط من الناتج الداخلي الخام بين 2020 و2024 ليستقر عند 67.7 في المائة، بينما استقر حجم الدين الموطد للإدارات العمومية في حدود 64 في المائة.
وبخصوص الإطار العام للبرمجة الميزانياتية الإجمالية للسنوات الثلاث 2026 – 2028، أعلنت فتاح أن الحكومة ستواصل انخراطها في تنزيل الأوراش الكبرى، وفق رؤية تنموية شاملة ومتكاملة تروم تحقيق التقائية السياسات العمومية، انسجاما مع التوجيهات الملكية السامية، مع التركيز على عدد من الأولويات الرئيسية.
وبينت الوزيرة أن هذه الأولويات تهم بالأساس توطيد دعائم الدولة الاجتماعية، من خلال استكمال تعميم الحماية الاجتماعية وضمان نجاعتها واستدامة تمويلها، والإصلاح الشامل للمنظومة الصحية عبر تجهيز البنية التحتية، وتطوير الكفاءات الطبية، وتحسين الحكامة التدبيرية، مع تفعيل الهيئات الصحية والتنظيمية، كالمجموعات الصحية الترابية والهيئة العليا للصحة.
كما ستتجه الحكومة، تضيف فتاح، إلى مواصلة تنفيذ خطة تعميم التعليم الأولي، ودعم “مدارس الريادة”، وتنزيل خارطة الطريق لتطوير التكوين المهني، إلى جانب المخطط الوطني لتسريع تحول منظومة التعليم العالي، فضلا عن تفعيل البرامج الاجتماعية لدعم الفئات الهشة، ومواصلة تنزيل برنامج الدعم المالي المباشر لمقتني السكن.
وشددت الوزيرة أيضا على أن الحكومة عازمة على مواصلة تنفيذ الأوراش الكبرى للبنية التحتية، والاستراتيجيات القطاعية، ضمن رؤية تستند إلى مبادئ التنمية المستدامة، وذلك من خلال إنجاز مشاريع كبرى في مجالات الماء والكهرباء والنقل والفلاحة والسياحة والطاقات المتجددة، وتحسين تدبير الموارد المائية وضمان استدامتها، ودعم استراتيجية التحول الطاقي، بما في ذلك تطوير “عرض المغرب” في مجال الهيدروجين الأخضر وتفعيل برامج الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية.
وتابعت فتاح بأن الأولويات تشمل كذلك مواصلة تنمية البنية التحتية في المناطق القروية، وإنجاز المشاريع الكبرى استعدادا لرفع رهانات تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى، إلى جانب تشجيع استثمارات القطاع الخاص وخلق فرص الشغل، من خلال تحسين مناخ الأعمال، وتبسيط الإجراءات الإدارية، ودعم الاستثمار في إطار تنزيل الميثاق الوطني للاستثمار، وتعزيز التنافسية الوطنية ودور المقاولات الصغيرة والمتوسطة وتمكينها من الولوج إلى التمويل، وكذا تفعيل الاستراتيجية الوطنية للتشغيل لخلق فرص شغل مستدامة في القطاعات الواعدة.






