مجتمع

“البسيج” يكشف تفاصيل المخطط الدموي لخلية “الأشقاء الثلاثة” الإرهابية

الرباط- عبد الحق العضيمي –

تفاصيل دقيقة ومعطيات مثيرة حول خلية “الأشقاء الثلاثة” الإرهابية، التي تم تفكيكها صباح يوم الأحد 26 يناير المنصرم، بمنطقة حد السوالم، كشف عنها كل من حبوب الشرقاوي، مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية، وبوبكر سبيك، الناطق الرسمي باسم مصالح الأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، عبد الرحمن اليوسفي العلوي، والي الأمن ورئيس القسم التقني وتدبير المخاطر بمعهد العلوم والأدلة الجنائية للأمن الوطني، خلال ندوة صحفية احتضنها مقر “البسيج” بسلا، أمس الخميس، حيث استعرضوا تطورات ومستجدات البحث المتواصل بشأن هذه الخلية.

وفي هذا الإطار، قال مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية، إن عدد الموقوفين في هذه الخلية الإرهابية، بلغ إلى غاية هذه المرحلة من البحث، أربعة مشتبه فيهم، وهم على التوالي ثلاثة أشقاء وشخص رابع، ويبلغون من العمر 26 و30 و31 و35 سنة.

وأضاف أن أفراد هذه الخلية كانوا قد وثقوا “بيعتهم” المزعومة لتنظيم “داعش” في تسجيل “فيديو”، كما وثقوا أيضا -وبشكل مسبق- “إعلان مسؤوليتهم” عن المخططات الإرهابية التي كانوا يعتزمون تنفيذها في المستقبل القريب، وذلك على أساس نشر “إعلان تبني المسؤولية” مباشرة بعد التنفيذ المادي لتلك المشاريع الإرهابية.

وأضاف مدير “البسيج”، أن هذه الخلية المتطرفة كانت قد بلغت مرحلة متقدمة من التحضير والإعداد لتنفيذ مخططاتها الإرهابية، مشيرا إلى أن أفرادها قاموا بتصوير العديد من الأهداف المحتملة، كما قاموا أيضا برسم تصاميم تقريبية للمسالك والمسارات المؤدية لبعض تلك الأهداف، وممرات الهروب المرتقبة، والتي كان يعتزمون الاسترشاد بها خلال عمليات التنفيذ ومحاولة الهروب من مكان التفجير.

تعليم متدنٍ ومهن متواضعة

وبخصوص “بروفايل” الأشخاص الموقوفين، أفاد حبوب الشرقاوي بأنهم يتشاركون في معطى أساسي، وهو تدني مستواهم الدراسي، الذي لا يتجاوز المستوى السادس ابتدائي بالنسبة للأشقاء الثلاثة، بينما تابع المشتبه فيه الرابع دراسته الثانوية إلى حدود مستوى الباكالوريا.

أما بالنسبة للوضعية الاجتماعية لعناصر هذه الخلية الإرهابية، فاثنين منهم فقط متزوجان ولهم أبناء، بينما تتشابه وضعياتهم المهنية في مزاولتهم لمهن وحرف متواضعة وعرضية، باستثناء شخص واحد انقطع مؤخرا عن مزاولة أي نشاط مدر للربح.

الاستقطاب الأسري..الخطر الأكبر

وأكد حبوب أن خطورة هذه الخلية المتطرفة لا تَكمن فقط في المشاريع الإرهابية التي كانت تعتزم تنفيذها، ولا في المستوى المتقدم من التخطيط والاستعداد الذي بلغه أعضاؤها في مخططهم الإرهابي، وإنما في تنامي “الاستقطاب الأسري” كرافد جارف للتطرف والتجنيد في صفوف المرشحين للقيام بعمليات إرهابية.

ونبه إلى أن خلية “الأشقاء الثلاثة” كشفت عن تصاعد تهديد ناشئ، ينذر بتحديات أمنية واجتماعية خطيرة، يتمثل في خطر انزلاق أسر بأكملها في شراك التطرف الفكري، وتشكيل جيوب مقاومة للأعراف والتقاليد المغربية ووحدة المجتمع والمذهب والعقيدة، وذلك بسبب التأثير الذي قد يمارسه بعض أفراد الأسرة الحاملين للفكر المتطرف على محيطهم الأسري والاجتماعي.

وعبر المسؤول الأمني ذاته عنه أسفه الشديد لكون الأمير المزعوم لهذه الخلية الإرهابية، وهو الشقيق الأكبر، “استطاع تحويل أسرته الصغيرة كحاضنة للتطرف والتجنيد والاستقطاب لفائدة مشروعه الإرهابي، مستغلا في ذلك سلطته المعنوية وقدرته على التأثير السلبي في محيطه المجتمعي القريب”.

وتابع حبوب أنه “بالرغم من أن الأسرة المغربية شكلت دائما حصنا منيعا ضد الأفكار المتطرفة، ودعامة قوية للتسامح والتعايش والاعتدال، إلا أن التحقيقات المرتبطة بقضايا الإرهاب سمحت برصد بعض نزعات هذا “الاستقطاب الأسري” كآلية للتجنيد والتطرف السريع”.

أهداف دموية للخلية الإرهابية

وفيما يخص أهداف الخلية، كشفت العمليات الميدانية والأبحاث الأمنية المنجزة، يضيف حبوب، بأن عناصرها كانوا يحضرون للقيام بعمليات تفجيرية تستهدف مقرات أمنية حساسة،  فضلا عن أحد الأسواق الممتازة، ومحلات عمومية تستقبل الزبائن والأجانب.

وأضاف أنهم انخرطوا لهذا الغرض، “في عملية سرية لتصوير هذه المقرات من زوايا مختلفة، وتحديد منافذ ولوجها، كما قاموا بوضع رسوم تقريبية للمسارات والمسالك المؤدية لها”.

ومن الناحية اللوجيستيكية، يردف حبوب، قام أعضاء هذه الشبكة باقتناء مواد كيميائية ومعدات للتلحيم، وسلع ثنائية الاستخدام، يمكن تسخيرها لصناعة المتفجرات، كما راهنوا على تنويع محلات العقاقير بغرض التضليل وعدة إثارة الانتباه.

وبخصوص أسلوب الإرهاب الفردي، وتكتيكات الذئاب المنفردة، أفاد مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية بأن عناصر هذه الخلية الإرهابية حرصوا على توفير العديد من الأسلحة البيضاء، من أحجام كبيرة، بغرض تسخيرها في عمليات التصفية الجسدية والتمثيل بالجثث، خاصة وأنهم كانوا يتوصلون بأشرطة من قياديي تنظيم داعش بمنطقة الساحل، توثق لعمليات الإعدام خارج إطار القانون باستخدام التعذيب وقطع الرأس وغيرها من الأعمال البشعة، بغرض الاسترشاد بها في عملياتهم المرتقبة.

الدعاية السيبرانية والمشاريع الإرهابية

حبوب الشرقاوي، وهو يتحدث عن ارتباطات الخلية الأرهابية التي تم تفككيها، قال إن “الأبحاث الأمنية المنجزة كشفت أن أعضاءها كان لهم ارتباط عضوي بأحد القياديين في تنظيم داعش بمنطقة الساحل، وهو الذي اضطلع بدور مهم في تسريع عملية التجنيد والاستقطاب وتلقين الأفكار الإرهابية، من خلال الإصدارات والمحتويات الرقمية المتطرفة التي كان يرسلها لأعضاء هذه الخلية، بغرض تحويلهم إلى”أشخاص منذورين للموت” يمكن الدفع بهم بسرعة لتنفيذ عمليات إرهابية.

وأبرز حبوب أن الدعاية السيبرانية التي انخرط فيها تنظيم داعش ساهمت في تسريع وتيرة ومنسوب التطرف لدى خلية “الأشقاء الثلاثة”، كما كان لها دور خطير في إعدادهم وتحضيرهم لارتكاب مخططات الإرهاب الفردي على طريقة تنظيم داعش، خصوصا تنفيذ عمليات محتملة للقتل والتمثيل بالجثث باستخدام أساليب التعذيب، علاوة على المراهنة على عمليات التفجير لإحداث أكبر خسائر ممكنة في الأرواح والممتلكات.

وزاد أن هذه الخلية كشفت مرة أخرى، مدى اعتماد التنظيمات المتطرفة على إساءة استخدام تكنولوجيا المعلومات وتقنيات التواصل الحديثة لخدمة المشاريع الإرهابية، مشيرا في هذا السياق إلى أن المصالح الأمنية تمكنت منذ سنة 2016 من توقيف أكثر من 600 متطرف من رواد المنصات التواصلية، ممن كانوا يخططون لتنفيذ عمليات إرهابية على نمط “الذئاب المنفردة”، الذي يشجع عليه تنظيم “داعش” في إطار ما يسميه بإدامة واستدامة “حرب الاستنزاف”.

وأفاد مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية بأن المصالح الأمنية لاحظت مؤخرا أن عناصر الخلايا الإرهابية المفككة كانوا يستخدمون الشبكات التواصلية لإنشاء تجمعات افتراضية، بغية توحيد توجهاتهم العقائدية وتبادل خبراتهم، بما في ذلك تصنيع العبوات الناسفة والسموم، وتوسيع دائرة الدعاية الإرهابية وانتشار التطرف السريع في صفوف فئة القاصرين والشباب، حيث أن غالبيتهم كانوا يعبرون عن استعدادهم لارتكاب أعمال إرهابية بمجرد تلقيهم لتدريب افتراضي بسيط.

منطقة الساحل.. تهديد حقيقي

من جانب آخر، أبرز حبوب أن الأبحاث المنجزة مع عناصر خلية “الأشقاء الثلاثة” كشفت أنهم كانوا يرغبون في الالتحاق بمعسكرات تنظيم داعش بمنطقة الساحل فور الانتهاء من تنفيذ مشروعهم الإرهابي، مضيفا أن الشقيق الأكبر كان يعتزم نقل أبناءه الخمسة معه إلى هذه المنطقة، وهو ما يكشف بجلاء بأن التنظيمات الإرهابية في مختلف بؤر التوتر أصبحت تراهن على توفير “ظروف الإعاشة والإيواء” لجذب واستمالة المقاتلين وعائلاتهم من مختلف دول العالم، يقول مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية.

كما لفت السؤول الأمني إلى أن منطقة الساحل أصبحت تشكل مصدر تهديد حقيقي بالنسبة للمملكة المغربية، بالنظر إلى بروزها كعلامة مشتركة بين أغلب المتطرفين الذين تم اعتقالهم منذ 2022، حيث إن معظمهم خَطّط للقيام بمشاريع إرهابية بالمغرب قبل الالتحاق بهذه المنطقة، كما أن قياديين بارزين في تنظيم داعش بمنطقة الساحل كانوا ينهضون بمهمة التوجيه والتأطير عن بعد لصالح الخلايا المحلية، مثلما هو الشأن بالنسبة لخلية حد السوالم الأخيرة.

وفي هذا السياق، أورد حبوب معطيات إحصائية تفيد بأن السلطات المغربية فككت أزيد من 40  خلية إرهابية على علاقة وطيدة بفروع القاعدة أو “داعش” بالساحل الإفريقي، كما أنها رصدت منذ نهاية سنة 2022 مغادرة 130 من المتطرفين المغاربة إلى ساحات “الجهاد” الإفريقية في الصومال والساحل، وهو ما يكشف بوضوح حجم التهديدات المرتبطة بهذه المنطقة على الأمن والاستقرار في المحيط الإقليمي.

وذكر  حبوب بأن المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني كانت سباقة، منذ مدة، إلى تحذير المنتظم الدولي من الاهتمام المتزايد لتنظيم القاعدة بمنطقة الساحل الإفريقي، والتنبيه إلى أن هذه المنطقة ستتحول إلى قطب جهوي للتنظيمات الإرهابية الدولية.

المحجوزات.. ثلاثة أصناف

من جانبه، قدم والي الأمن عبد الرحمن اليوسفي العلوي، رئيس القسم التقني وتدبير المخاطر شروحات مفصلى حول المعدات والمواد الكيميائية التي تم حجزها في إطار هذه الخلية الإرهابية.

وصنف اليوسفي العلوي هذه المحجوزات إلى ثلاثة أصناف، يضم الأول مجموعة من المواد الكيميائية على شكل مساحيق وسوائل مختلفة اللون والشكل، بينما يتكون من مجموعة من المسامير والأسلاك الحديدية والأسلاك المستعملة في التلحيم، أما الصنف الثالث من المحجوز فيشمل معدات وأدوات تستعمل غالبا في المختبرات.

وأشار اليوسفي العلوي إلى أن الخبرة العلمية التي أجراها المختبر الوطني للشرطة العلمية التابع للمديرية العامة للأمن الوطني ، أكدت أن مجمل المواد الكيميائية المحجوزة “تستخدم في تهيئ وصناعة العبوات المتفجرة التقليدية الخطيرة، والتي تكون في بعض الحالات أكثر فتكا مقارنة مع المتفجرات الأخرى”.

ومن بين هذه المواد الخطيرة، يضيف المسؤول الأمني، “نترات الأمونيوم، وبيكربونات الصوديوم، وكلوريد الصوديوم، وحمض الهيدروكلوريك (الأسيد كلوريك)، والكبريت (بأنواعه المختلفة)، وماء الأكسجين (بيروكسيد الهيدروجين)، والأسيتون، والكحول الميثيلي، ومسحوق الاشتعال بأقل شرارة، وفحم الخشب، ومسحوق الفحم، ومسحوق السكر”.

وأوضح أن المواد، التي خضعت للخبرة هي أساسية لتهيئ عدد من العبوات المتفجرة المختلفة من حيث مكوناتها الكيميائية، وحساسيتها وخطورتها، وقوتها الانفجارية، “وبالتالي، من حيث الدمار الذي سيخلفه انفجار كل نوع منها”.

مسامير وسم فئران

وأشار رئيس القسم التقني وتدبير المخاطر إلى أن الفحوصات التقنية التي أجريت على المحجوزات كشفت أن بعض الأنابيب كانت معدة لاستخدامها كأوعية للمواد المتفجرة، إلى جانب بطاريات، وأسلاك كهربائية، وأشرطة لاصقة، ومسامير حديدية، التي تضاف داخل العبوات بهدف زيادة مدى القتل والتدمير. كما تم ضبط سم الفئران، الذي جرى إعداده ليضاف، إلى جانب المسامير، داخل العبوة المتفجرة، لجعلها أكثر فتكا، خاصة بالنسبة للجرحى. 

وفي السياق ذاته، أوضح المسؤول الأمني أن الخبرة العلمية أكدت أن المعدات المحجوزة، مثل أجهزة القياس الإلكترونية، وآلات التلحيم، والميزان الإلكتروني، كانت تستخدم لتحضير الخلائط المتفجرة بدقة.

تدخل أمني دقيق

من جهته، أكد بوبكر سبيك، الناطق الرسمي باسم مصالح الأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، أن عملية تفكيك خلية حد السوالم طرحت تحديات كبيرة بسبب خطورة المتفجرات وتوفر معلومات استخباراتية تفيد بقيام أعضاء الخلية بعمليات تجريبية.

وأضاف أن التدخل تطلب الاستعانة بفرق متخصصة، شملت كلابا مدربة على كشف المتفجرات، وقناصة متمركزين على متن مروحية وفوق الأسطح، استعدادا لأي رد فعل للمشتبه بهم الذين كانوا مرحلة متقدمة من تنفيذ مخططاتهم، وكانوا مستعدين لتنفيذ عمليات تصفية جسدية.

كما لفت سبيك إلى أن العمليات الأمنية في مجال محاربة التطرف والإرهاب تخضع لبروتوكول صارم يضمن أعلى معايير الأمن والسلامة، مؤكدا أن أي تدخل يتم بناء على معلومات استخباراتية دقيقة، وبتنسيق مع المكتب المركزي للأبحاث القضائية والقوات الخاصة، بهدف إحباط أي تهديد إرهابي وحماية المواطنين وممتلكاتهم، إلى جانب تأمين سلامة عناصر الشرطة والقوات المتدخلة.

وأفاد بأن جميع التدخلات التي جرى فيها تطبيق هذا البروتوكول لم تسفر عن أي خسائر في صفوف فرق التدخل والاقتحام، مشيرا إلى إمكانية رفع مستوى هذا البروتوكول عند الضرورة، خاصة في حال وجود مؤشرات على تصاعد مستوى التهديد.

الخلايا الإرهابية والمناطق القروية

وحول اختيار أعضاء الخلية لمنطقة حد السوالم، قال سبيك إنهم “كانوا يقيمون في المنطقة لكنهم لم يخططوا لاستهدافها، إذ كانت مخططاتهم تشمل أهدافا خارجها”، مبرزا أن بعض الخلايا الإرهابية باتت تلجأ إلى المناطق القروية بدلا من المجال الحضري، اعتقادا منها أن ذلك قد يجنبها اليقظة الأمنية، إلا أن الأجهزة الأمنية تتدخل دائما في الوقت المناسب لإحباط مخططاتها.

وربط المسؤول الأمني تبني التنظيمات الإرهابية لأسلوب “الذئاب المنفردة بتشديد المراقبة الأمنية على هذه التنظيميات، مما دفعها إلى منح عناصرها  حرية التصرف وتنفيذ العمليات الإرهابية الفردية بالوسائل المتاحةمن قبيل الدهس والتصفية الجسدية والتمثيل بالجثث.

بروباغندا مغرضة

وشدد سبيك على أن الحملات الدعائية التي تهدف إلى التشكيك في فعالية العمليات الأمنية تمثل خطرا على الأمن، خاصة عندما تكون مكثفة، إذ تسعى إلى دفع الأجهزة الأمنية إلى الانكفاء على ذاتها، لكي تواصل المنظمات الإرهابية ترويع الآمنين وتنفيذ عملياتها. ووصف هذه الحملات بأنها “بروباغندا مغرضة” تهدف إلى زعزعة ثقة المواطنين في المؤسسات الأمنية، مؤكدا أن الرد عليها يتم من خلال التواصل المستمر لتوضيح الحقائق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق