
العربي وجعلا –
احتضنت إقامة المملكة المغربية بأبيدجان لقاء جمع مسؤولين حكوميين ومؤسسات مالية ومستثمرين وفاعلين في قطاع التكنولوجيا، بهدف تقريب القرار العمومي من مصادر التمويل، وفتح نقاش حول سبل مواكبة المشاريع الرقمية في البلاد، وبذلك تتجه كوت ديفوار إلى تسريع أوراش التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، في وقت تبرز فيه تحديات كبيرة مرتبطة بتمويل المقاولات القادرة على تنفيذ هذه المشاريع.
وسلط عثمان الفردوس، سفير المملكة المغربية بكوت ديفوار، الضوء على حجم التحدي، موضحا أن أقل من 10 في المائة من “رأس المال المخاطر” الإفريقي يصل إلى إفريقيا الفرنكوفونية، فيما لا تستفيد سوى أقل من ربع المقاولات الصغيرة والمتوسطة الإيفوارية من القروض البنكية.
وأكد السفير، أن هذه المبادرة تكتسي أهمية خاصة في ظل الأوراش الرقمية التي تستعد كوت ديفوار لتنفيذها، إذ يتضمن برنامج Impact IA 2026 ، ما مجموعه 77 حالة استخدام ذات أولوية في مجال الذكاء الاصطناعي، بينما تستهدف الإدارة الإيفوارية توفير 700 خدمة عمومية رقمية ذات أثر قوي خلال السنوات الثلاث المقبلة.
استخدام الذكاء الاصطناعي.. ورهان على 700 خدمة رقمية
وأبرز عثمان الفردوس، أن هذه المشاريع تضع كوت ديفوار أمام حاجة متزايدة إلى شركات متخصصة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والحوسبة السحابية، القادرة على تحويل التوجهات الرقمية إلى خدمات ومشاريع عملية.
غير أن توفير التمويل يظل أحد أبرز التحديات أمام هذه الدينامية، خاصة بالنسبة للمقاولات الناشئة والمقاولات الصغيرة والمتوسطة التي تحتاج إلى الاستثمار منذ مراحلها الأولى من أجل تطوير حلولها والانتقال إلى مرحلة الانتشار، ومن هنا تأتي أهمية هذا اللقاء الذي نظم بإقامة المغرب في أبيدجان بمشاركة مسؤولين عموميين وفاعلين ماليين ومستثمرين وشركات، في محاولة لخلق مساحة للحوار المباشر حول احتياجات السوق وفرص الاستثمار.
البنوك وصناديق الاستثمار المغربية حاضرة في أبيدجان
كما شارك في اللقاء وزير الانتقال الرقمي والابتكار التكنولوجي الإيفواري دجبريل واتارا، إلى جانب مؤسسة Breega، التي تعد من الصناديق الأوروبية القليلة التي تستثمر في مرحلة التمويل الأولي للشركات الناشئة في إفريقيا الفرنكوفونية، ومؤسسات مالية مغربية وازنة، من بينها SIB وBACI وBOA، إلى جانب البنك الإفريقي للتنمية (BAD) وProparco، مما يعكس أهمية البعد المالي في النقاش حول مستقبل المشاريع الرقمية في كوت ديفوار.
ويبرز هذا الحضور كذلك امتداد التجربة المغربية في القطاع المالي والتكنولوجي داخل السوق الإيفوارية، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى أبرز محطات الحضور الاقتصادي المغربي في غرب إفريقيا.
20 سنة من الحضور المغربي في السوق الإيفوارية
ومن بين أبرز التجارب المغربية التي استحضرها السفير عثمان الفردوس، تجربة Moov Africa، التي يديرها الحسين أوصلاح، والتي تحتفل هذه السنة بمرور 20 عاما على حضورها في كوت ديفوار.
ويشكل هذا الحضور الممتد زمنيا أحد نماذج انخراط الشركات المغربية في الاقتصاد الرقمي الإفريقي، خاصة في قطاع الاتصالات الذي يمثل إحدى البنيات الأساسية لأي تحول رقمي.
CBI.. من أبيدجان نحو أربعة أسواق في غرب إفريقيا
وفي مجال الخدمات والحلول الرقمية، أبرز سفير المملكة بالكوت ديفوار تجربة CBI بقيادة خالد بنجلون، التي فتحت فرعها في أبيدجان سنة 2017، قبل أن تجعل منه منصة للتوسع نحو بوركينا فاسو وغانا وتوغو والبنين.
ولا يقتصر حضور المجموعة على النشاط التجاري، إذ أشار السفير المغربي إلى أن خالد بنجلون استثمر أيضا في شركتين إيفواريتين ناشئتين، مما يعكس توجها نحو ربط النشاط الاقتصادي بالاستثمار في منظومة الشركات الناشئة المحلية.
من الذكاء الاصطناعي إلى مراكز البيانات.. مغاربة في قلب التكنولوجيا الإفريقية
ويمتد الحضور المغربي الذي استعرضه الفردوس إلى قطاعات استراتيجية أخرى، من بينها الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني ومراكز البيانات.
وفي هذا السياق، تتولى غيثة مزور، الوزيرة السابقة للانتقال الرقمي، حاليا قيادة DecisiveAI، وهي شركة استشارات متخصصة في استراتيجية الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
كما أشار السفير إلى تجربة أمين قنديل، الذي جعل من N+ONE Datacenters مستضيفا لمنطقة Oracle السحابية في المغرب، في قطاع تكتسي بنيته التحتية أهمية متزايدة مع توسع الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
10 ملايين دولار لـ ORA.. وتمويل بـ2.3 مليون دولار لـ ENAKL
وأوضح الفردوس أن تجارب الشركات الناشئة المغربية تعكس أيضا تنامي قدرة بعض المشاريع الرقمية على استقطاب رؤوس الأموال، مشيرا في هذا الإطار، الى أن عمر العلمي تمكن من إغلاق جولة تمويل من الفئة Series A بقيمة 10 ملايين دولار لفائدة شركة ORA، التي تجمع بين خدمات المراسلة والشبكات الاجتماعية، والدفع بين الأفراد، والتجارة الإلكترونية، وتوصيل الوجبات.
كما استحضر تجربة سمير بناني وشركة ENAKL، التي تعتمد نموذجا يقوم على ربط الناقلين في الدار البيضاء ضمن شبكة رقمية بدلا من الاستثمار في شراء الحافلات، حيث تمكنت الشركة، في نهاية 2025، من إغلاق جولة تمويل بلغت 2.3 مليون دولار.
وتقدم هذه النماذج صورة عن مسار الشركات الرقمية من الابتكار إلى استقطاب التمويل، ثم التوسع، وهو المسار الذي تسعى منظومة التكنولوجيا الإيفوارية إلى تطويره أيضا.
المغرب وكوت ديفوار.. التكنولوجيا تفتح آفاقا جديدة للشراكة
ويأتي هذا اللقاء في سياق يتجاوز التعاون الاقتصادي التقليدي، نحو مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والبنية التحتية الرقمية. فالمعطيات التي أوردها السفير المغربي تضع أمام الفاعلين الاقتصاديين فرصة للاستفادة من المشاريع الرقمية التي تعتزم كوت ديفوار إطلاقها، وفي مقدمتها 77 حالة استخدام ذات أولوية للذكاء الاصطناعي و700 خدمة عمومية رقمية خلال ثلاث سنوات.
وفي المقابل، يطرح ضعف ولوج المقاولات الإيفوارية إلى التمويل البنكي، إلى جانب محدودية تدفق رأس المال المخاطر نحو إفريقيا الفرنكوفونية، تحديا أمام تحويل هذه الطموحات الرقمية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ والتوسع.
2 أكتوبر.. قمة الابتكار بأبيدجان تفتح النقاش للعموم
ومن المرتقب أن يتواصل النقاش حول هذه القضايا يوم 2 أكتوبرالمقبل خلال Aitek Innovation Summit بأبيدجان، المخصصة للذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والسيادة الرقمية. وقد أكد عثمان الفردوس مشاركته في هذه القمة، التي تأتي في وقت تتحول فيه التكنولوجيا إلى أحد المحاور الأساسية للشراكة الاقتصادية بين المغرب وكوت ديفوار، وفي ظل البحث المتزايد عن آليات تمويل قادرة على مواكبة مشاريع التحول الرقمي والشركات التي ستتولى تنفيذها.
وتكشف المعطيات المقدمة من طرف السفير المغربي أن الرهان لم يعد مرتبطا فقط بإطلاق الخدمات الرقمية، بل أيضا ببناء منظومة متكاملة تجمع القرار العمومي والتمويل والابتكار والاستثمار والشركات التكنولوجية، بما قد يجعل من التعاون المغربي- الإيفواري فضاء لتطوير مشاريع رقمية ذات امتداد إفريقي.






