مجتمع

المحامون يواصلون التوقف عن تقديم الخدمات ويحملون الحكومة مسؤولية الأزمة

مصطفى قسيوي –

قررت جمعية هيئات المحامين مواصلة التوقف عن تقديم الخدمات المهنية، احتجاجا على رفض مقتضيات القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، وذلك في انتظار عقد اجتماع لمكتب الجمعية في 20 شتنبر الجاري، لاتخاذ موقف مناسب، وفق تعبير رئيس الجمعية الحسين الزياني.

وقال الحسين الزياني، رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، خلال ندوة صحفية خصصت لمناقشة مستجدات قانون مهنة المحاماة، إن قرار تمديد التوقف عن العمل، الذي اتخذ بإجماع، فُرض على المحامين، وأن مكتب الجمعية سيعود إلى الاجتماع مرة أخرى يوم 20 شتنبر الجاري، من أجل تقييم مستجدات الملف واتخاذ ما يراه مناسبا.

وحمل الزياني الحكومة مسؤوليتها السياسية والمؤسساتية عن تدبير قانون مهنة المحاماة، معتبرا أن هذا التدبير انتهى إلى أزمة “أنهكت المهنة وأثقلت العدالة وأضرت بالمتقاضين”.

وأضاف أن الجدل المرتبط بمشروع قانون مهنة المحاماة لم يعد مجرد خلاف بين المهنيين والحكومة بشأن مقتضيات تشريعية، بل أصبح نقاشا أوسع حول طريقة صناعة القرار، والالتزام المؤسساتي، ودور الرقابة الدستورية، ومكانة الاختلاف داخل دولة المؤسسات.

وأوضح رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، أن ما جرى خلال مسار إعداد قانون المهنة يطرح أسئلة تتجاوز مضمون المواد القانونية، خصوصا بعدما شاركت المحاماة في مسار الإعداد، باعتبارها شريكا في إصلاح منظومة العدالة، وقدمت مذكرات ومقترحات وبدائل، قبل أن يدخل الحوار مرحلة مؤسساتية على مستوى رئاسة الحكومة.

وسجل رئيس الجمعية أن الحوار الذي جرى في هذا الإطار أفضى إلى مجموعة من التوافقات التي اعتبرتها الهيئات المهنية التزامات مؤسساتية، قبل أن يتبين لاحقا أن ما تم التوصل إليه خلال النقاش لم ينعكس، بالشكل نفسه، على النص القانوني.

وأضاف أن مؤسسات الدولة لا تختبر فقط عندما يسير الأمر بالتوافق، وإنما تختبر أكثر عند ظهور الاعتراض، مشددا على أن قوتها لا تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرار وإنفاذه، وإنما أيضا بقدرتها على تدبير الاختلاف بإنصاف وعدالة، ومراجعة المسار إذا اقتضت سلامته ذلك.

وفي هذا السياق ، شدد الزياني على أن تعدد المواقع واختلاف الأدوات والخطابات جعل آثار ذلك تنتقل، في محطات حاسمة، إلى المعنيين، مشيرا إلى أن المحاماة وجدت نفسها لا تناقش قانون مهنتها فقط، وإنما تواجه أيضا أثرا متراكما للقرار والخطاب السياسي والإعلامي، حتى تحول جزء من النقاش من سؤال “ماذا يقول القانون؟” إلى سؤال “ماذا يريده المحامون؟”.

وانتقد الزياني ما اعتبره انتقالا من مناقشة الاعتراض إلى تفسير دوافعه، ومن تفكيك الحجة إلى صناعة صورة عن المهنة تسبق حجتها لدى الرأي العام، مشيرا إلى ما قيل عن رفض المحامين للرقابة، وخشيتهم من التخليق، ومقاومتهم لتجديد النخب، ودفاعهم عن امتيازاتهم المالية.

وأكد أن هذه ليست معركة المحامين، قائلا:” إنهم مع الشفافية والرقابة والمساءلة، ومع تخليق المهنة وتجديد مؤسساتها، معتبرا أن ذلك جزءا من قوة تحديثها”.

وفي المقابل، طرح الزياني سؤالا حول حدود سلطة التنظيم وبداية الوصاية على مهنة مستقلة، موضحا أن جوهر الخلاف، لم يكن حول مبدأ الإصلاح، وإنما حول مقتضيات تمس التنظيم الداخلي والهيكلي للمهنة واستقلالها، وتوسع مجالات التدخل الحكومي في شؤونها، إلى جانب اختيارات تتصل بملف المهنة وتكوين أعضائها، ومجال عمل المحامي، وشروط حضور المكاتب الأجنبية، وما يمس حصيلة الاتفاق.

وشدد على أن هذه المطالب ليست، في نظر الجمعية، مطالب فئوية معزولة عن المواطنين، معتبرا أن استقلال المحاماة ليس ملكا للمحامين، وأن حصيلة الاتفاق ليست امتيازا مهنيا، وإنما ضمانة للمواطن عندما تصان حريته أو ماله أو كرامته أو حقوقه في مواجهة سلطة أو إدارة أو انتهاك. وقال إن المواطن في هذه الحالات لا يحتاج فقط إلى من يعرف القانون، وإنما إلى من يستطيع أن “يوقعه بحرية”، معتبرا أن استقلال المحاماة “ليس مسافة من الدولة، وإنما ضمانة داخل الدولة”.

وأكد الزياني. أن المحامين لم يكونوا ولن يكونوا ضد الإصلاح، معتبرا أن الجمعية تريد محاماة حديثة ورقمية وعالية التكوين، صارمة في أخلاقياتها وقوية في حكامتها ومنفتحة على التحولات التي تعرفها الدول الحديثة. وأضاف أن تحديث المهنة لا يحتاج إلى تغيير طبيعتها، وأن الإصلاح لا يقاس بمقدار ما تضيفه السوق إلى أدواتها، وإنما بمقدار ما تضيفه العدالة إلى ضماناتها.

وبخصوص المسار الدستوري للقانون، قال الزياني إن الأسئلة التي أفرزها القانون كان يمكن أن تجد طريقها إلى المحكمة الدستورية، مشيرا إلى أن المحامين أثاروا أسئلة دستورية، وأن مؤسسة دستورية اختارت أن تفتح لها باب الرقابة، قبل أن يتعثر المسار، وفق تعبيره، ويبقى جمهور القانون خارج نظر القضاء الدستوري.

وتساءل: “إذا كانت هناك أسباب كافية لفتح باب الرقابة الدستورية، فكيف انتهى المسار قبل أن نسمع جواب الدستور؟”، مؤكدا أن الجمعية لا تستبق جوابا ولا توزع الاتهامات، لكنها تعتبر أن هذا السؤال سيظل حاضرا في التاريخ المؤسساتي للقانون.

وبخصوص دخول القانون حيز التنفيذ، قال الزياني إن صدور الأمر بتنفيذه ونشره في الجريدة الرسمية لا يجيز إعادة كتابة الوقائع أو قلب حقائقها، مشيرا إلى أن احتجاج المحامين لم يبدأ بسبب نشر القانون، وإنما كان قائما عند بلوغه مرحلة النشر، وكانت أسباب عدم الرضا عنه معروفة ومعلنة.

واعتبر أن القانون “ولد نافذا، لكنه لم يولد سليما في نظر المحامين”، مضيفا أنه خرج من “مسار متعثر” مثقلا بالاختلالات والأسئلة والجراح، واكتسب قوته القانونية دون أن يكتسب القبول المهني.

وأكد أن نفاذ القانون لا يعني التسليم بسلامة المسار الذي أنتجه، موضحا أن النشر يرتب أثر القانون، لكنه لا يصحح ما شاب مساره ولا يمحو أسباب الأزمة التي سبقته، وأن القانون أصبح واقعا قانونيا، لكنه اعتبره “ضررا في مسار المحاماة”، وقانونا “ولد من أزمة وحملها عند تأسيسه”.

ورفض رئيس جمعية هيئآت المحامين تقديم ما وقع باعتباره مواجهة بين المحامين والدولة، مؤكدا أن المحامين ليسوا في مواجهة مع الدولة، وإنما هم جزء منها، مستحضرا حضور المحاماة المغربية في معارك التحرير والاستقلال، وفي الدفاع عن المحطات التاريخية، وفي بناء المؤسسات والمحطات الحقوقية والديمقراطية الكبرى، ودورها في قلب العدالة وخدمة الوطن والمواطن.

وفي هذا الإطار، شدد الزياني على أن المحامين لا يقبلون وضعهم أمام اختيار بين الدفاع عن مهنتهم والوفاء لدولتهم، مؤكدا أن “الاختلاف مع حكومة ليس اختلافا مع الدولة، ومساءلة مسار المؤسسات ليست خروجا على المؤسسات”.

وفي المقابل، أقر الزياني بالكلفة المهنية والمادية والإنسانية التي تحملها المحامون، مشيرا إلى أن رجال العدالة والمتقاضين تحملوا بدورهم جزءا من هذه الكلفة، مؤكدا أن المسؤولية تقتضي ألا تقرأ النتيجة معزولة عن أسلوبها.

وتساءل عن الكيفية التي وصلت بها مهنة عريقة بمؤسساتها المنتخبة إلى وضع أصبحت فيه أقصى وسيلة احتجاج، وفق تعبيره، وسيلتها للدفاع عن المهنة. وأكد قائلا: “إن جمعيتنا للمحامين اليوم ليست صاحبة موقف فوق المحاماة”، وإنما هي، “صوت المحاميات والمحامين كما تنطق به مؤسساتهم المهنية المنتخبة”، وتحمل إرادتهم وتصون وحدتهم.

وأضاف أن الجمعية لا تتنكر لما ائتمنت عليه عندما يتعلق الأمر بما يمس جوهر المحاماة واستقلالها ورسالتها، معتبرا أن هناك مرحلة يصبح فيها الثبات وفاء للأمانة، لأن القضية لا تتعلق بمقتضيات مهنية عابرة، وإنما بصورة المحاماة التي يريدها أصحابها لبلادهم، وبمحاماة حرة ومستقلة وقابضة على رسالتها في حماية الحقوق والعدالة.

وأشار إلى أن مسار القانون أصبح، بعد ما جرى، ناطقا بما حمله من اختلالات وأسئلة الحوار، معتبرا أن المحاماة وجدت نفسها، في محطات حاسمة من هذا المسار، أمام حسابات وتجاذبات وصراعات لم تكن طرفا فيها، وتحملت آثارها وكلفة انعكاساتها على استقرار المهنة واستقلالها.

وسجل الزياني، أن التاريخ لا يحتفظ بكل تفاصيل الأزمات، وإنما يحتفظ بالطريقة التي خرجت بها المؤسسات منها، محملا  الحكومة مسؤوليتها السياسية والمؤسساتية عن تدبير قانون مهنة المحاماة.

كما أكد أن هذا الإخفاق لا ينبغي أن يصبح أمرا واقعا، ولا أن يطلب من المحاماة مرة أخرى كلفة الخروج من أزمة لم تصنعها، مشددا على أن المحامين لا يطلبون امتيازا ولا يريدون محاماة فوق القانون، وإنما يريدونها “قوية بالقانون مستقلة بذلك القانون، وقادرة على أن تدافع عن المواطن بالقانون”.

وخلص الزياني إلى أن جمعية هيئات المحامين بالمغرب لا تبحث عن خصم أو نصر على أحد، وإنما تعتبر أن الأزمة بلغت من المدى ما يجعل حلها اليوم مسؤولية مؤسساتها، وأن الوقت حان لكي تقول مؤسسات الدولة كلمتها، كل من موقعها وفي نطاق اختصاصها، بما يعيد القانون إلى غايته، والعدالة إلى توازنها، والمحاماة إلى رسالتها.

ويأتي قرار جمعية هيئات المحامين تمديد التوقف عن العمل، امتدادا للمواقف التي اتخذتها الجمعية خلال الأسابيع الماضية، إذ سبق لمكتبها أن أعلن، عقب اجتماعه الاستثنائي المنعقد بالرباط في 27 غشت الماضي، مواصلة التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية في ظل استمرار الخلاف بشأن القانون الجديد المنظم للمهنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق