قضايا وآراء

بين البالوعة الابتزازية وأنبوب التنمية القارية

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس –

مرة أخرى يتصدر مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي نيجيريا- المغرب، الحدث الإفريقي خلال هذا الأسبوع، في مشهدين دالين ومعبرين:

– المشهد الأول يتمثل في انضمام المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا المعروفة اختصارا بمجموعة سيدياو أو الإكواس، إلى المشروع، من خلال توقيعها يوم الأحد الفارط في قمة رؤساء هذه الدول المنعقدة في العاصمة السيراليونية فريتاون، على الاتفاق الحكومي الدولي المؤطر لتطوير الأنبوب باعتباره بنية تحتية طاقية للربط التنموي والاقتصادي بين مجموع دول غرب إفريقيا وجوارها القاري والأوروبي، وبهذه الخطوة المندمجة والمتقدمة في دعم إرساء مشروع القرن لنهضة إفريقيا، يكون المغرب قد حقق نجاحا ديبلوماسيا باهرا، بقدرته الإقناعية العالية، وبمصداقيته وصدق توجهه الوحدوي التعاوني والتنموي الإفريقي، وبسياسة رابح-رابح التي ينهجها، في انتظار تعبئة الاستثمارات الهائلة التي تطرق باب المشروع، بعد أن أنجزت بصدده الدراسات التقنية والفنية والبيئية المطلوبة، ودراسات الجدوى بالمواصفات العالمية المقررة، للشروع في تنزيل المراحل الأولى لمد خطوط الأنبوب من نيجيريا مرورا على 13 دولة إفريقية أطلسية ومنها إلى المغرب فشبكة الغاز الأوربية، بحيث لا تعتبر هذه الدول أراضي عبور فحسب، وإنما محطات كذلك مستهدفة بالاستفادة من هذا الأنبوب في حماية أمنها الطاقي وسيادتها، ودعم مشاريعها التنموية والتصنيعية، وتثمين مواردها الطبيعية والبشرية، وإنتاج الكهرباء، وتشييد بنى تحتية، وخلق فرص الشغل، ومحاربة الهجرة السرية، بحيث ستتحول دول العبور إلى دور استقبال أيضا وتصريف لنصف حمولة الأنبوب البالغة 30 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا، والقادم من الحقول النيجيرية، بينما سيوجه النصف الآخر لدول المصب الأوروبية. الأمر الذي يعني أن كل الدول غرب إفريقيا، التي يعبرها الأنبوب، ستتحول إلى سوق إقليمية مشتركة ومندمجة تتجاوز طموحاتها مجرد الحصول على حصتها من الغاز أو رسوم عبور الأنبوب ترابها الوطني، إلى اندماج في شراكة تنموية تكاملية منفتحة على رهانات اقتصادية واجتماعية وسياسية أكبر بكثير من تجارة في الغاز عبر نقله إلى دول المصب الأوروبي.

– المشهد الثاني يجري في المواقع وفي إعلام العصابة الحاكمة في الجزائر، التي لا تترك مناسبة من مناسبات الإعلان عن تقدم في أعمال بناء هذا المشروع التنموي الهائل والواعد، الذي لا يعنيها من قريب أو بعيد، إلا بالقدر الذي تتصور فيه أنه مشروع ينافس مشروعها الأحادي المحدود والوهمي لنقل الغاز النيجيري إلى أوروبا، إلا وخرج رئيسها وحثالة خارجيتها وأبواقها الإعلامية في حملات هيجان هستيري، لتعداد مساوئ الأنبوب الإفريقي الأطلسي نيجيريا- المغرب، وادعاء استحالة قيامه، ولا حتى التفكير في جدواه، مقارنة مع الأنبوب الابتزازي الجزائر- نيجيريا الموعود به منذ عقود خلت، بالنظر إلى حجتين غبيتين ظاهرتي التهافت لهذه العصابة الحاقدة والهدامة؛ الحجة الأولى مفادها طول المسافة التي سيقطعها الأنبوب الإفريقي الأطلسي والتي تقدر بـ 6800 كيلومتر، مقارنة مع القِصَر الشديد للمسافة التي سيقطعها أنبوب الجزائر نيجيريا، والتي سترفع كلفة إنجاز المشروع وتقلل من جدواه وفائدته، وتصرف أنظار المستثمرين والشركاء عنه، وهي حجة مردودة، لإقبال المستثمرين والشركاء عليه، ولأن المسافة التي يتحدث عنها هؤلاء الأغبياء ليست مسافة تقطع وتعبر فحسب، وإنما هي مساحة واسعة لنشاط تنموي واقتصادي تتبادل فيه المصالح والمنافع، وترتبط كل محطة منها بشبكة من العلاقات والمبادلات والمخططات الاندماجية والتكاملية، سيكون على رأس أهدافها حل معضلات التنمية والندرة والخصاص، وخلق سوق واسعة لرواج اقتصادي كبير، يجذب المستثمرين ورؤوس الأموال والشراكات الاستراتيجية من أجل إفريقيا جديدة قادرة على تثمين أدوارها ومواردها في مشروع نهضوي يتمحور حول الأمن الطاقي كرافعة أساسية للنهضة.

فالمسافة الطويلة والممتدة التي تسخر منها العصابة الحاقدة الغبية، هي مقصودة لأنها جزء من أهداف الأنبوب، وهي الحافز الأكبر لانخراط عدد كبير من الدول والشركاء ورؤوس الأموال والصناديق الممولة والأبناك في هذا المشروع، بينما لا يعلم إلى حد الساعة شيء عن أرضيات تحقيق أنبوب الابتزاز الجزائري الذي لم يتجاوز مرحلة التلويح به والأشبه بالتهديد، رغم كل الأرقام المزورة والكاذبة والأحادية الجانب التي يقدمها الطرف الجزائري دون غيره من شركائه المحتملين في الموضوع.

الحجة الثانية الأكثر بؤسا وغباء وقصر نظر، أن الأنبوب الإفريقي الأطلسي سيمر على 13 دولة إفريقية وستطالب كل دولة من هذه الدول بحقها من الغاز أو برسوم العبور، الأمر الذي سيرفع سعر الغاز الذي سيصل إلى أوروبا بأثمنة هي أضعاف مضاعفة ثمنه لو عبر فقط دولة أو دولتين كما هو حال الأنبوب الجزائري النيجيري الموعود، والحال أن العصابة وأبواقها لا تمتلك أي حس تجاري أو مالي أو حتى ديبلوماسي وإبداعي يسمح لها بالخروج من حساباتها الضيقة وصندوقها المغلق، بل تكشف عن غياب أي حس للانتماء لهذه القارة ودعم مخططاتها التنموية، فالعصابة لا تملك مشروعا لإفريقيا ولا رؤية متبصرة للمستقبل، ولا تفكر إلا في نقل الغاز الإفريقي إلى دول المصب الأوروبي بأقل تكلفة في الانتاج وبأقل سعر، مع استفادة دولة أو دولتين من رسوم العبور، بينما يفكر المغرب ونيجيريا وشركاؤهما في الأنبوب التنموي الواعد، في مشروع قاري كبير مندمج وتكاملي عبارة عن سوق رائجة لكل أنشطة البناء والنماء، يصب في أهداف مركبة أكبر من مجرد البيع والشراء، أو دفع سلعة وقبض ثمن. 13 دولة إفريقية مستهدفة بإحداث نقلة نوعية في حياة مواطنيها وفي برامجها التنموية وفي دعم سيادتها واستقرارها وأمنها، لا تهم العصابة الجزائرية في شيء، مع أنها تروج خطابيا وشفويا للتحرر وللوحدة الإفريقية، بينما يهمها أن ينقل الغاز النيجيري مباشرة إلى أوروبا في قناة مغلقة أو بالوعة تجميعية تصب في الخزان الأوروبي بدون أي رهان تحرري أو تنموي لصالح إفريقيا.

شتان إذا بين بالوعة لتصريف الغاز والأحقاد وقذفهما نحو الضفة الأخرى، وأنبوب يسقي في طريقه مشاريع الخير والنماء والإقلاع والنهضة الإفريقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق