شراكات نموذجية ومبتكرة

بقلم: الأستاذ عبد الله الفردوس
حظيت الزيارة الملكية الرسمية إلى الشقيقة دولة الإمارات العربية المتحدة بصدارة الأحداث العربية والإفريقية والإقليمية، في سياق دولي مطبوع بالتوتر والانكماش والحذر والتوجس، ومبعث هذه الصدارة والاهتمام لا يتعلق فحسب بوزن الدولتين وقيادتي البلدين، وقوة التأثير في محيطيهما الدولي والإقليمي، ولا بالهيبة والفخامة التي أحيطت بها زيارة العمل والأخوة، من حيث الاستقبال البروتوكولي المتميز والباهر لجلالته وكريم الوفادة والاحتفاء والترحيب، بل وأيضا، وهذا هو الأهم والثقيل في هذه الزيارة، بالزخم الكبير والوازن وغير المسبوق من حيث حجم ونوعية الاتفاقيات والشراكات الموقعة بين القائدين والبلدين، والتي يؤطرها إعلان قوي وعميق ودقيق في صياغته للرؤية المتكاملة والمنسجمة بشأن المشاريع موضوع المذكرات والاتفاقيات في كل المجالات التعاونية بين الطرفين، عنوان هذا الإعلان الذي وقعه كل من جلالة الملك محمد السادس وسمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان هو: “نحو شراكة مبتكرة ومتجددة وراسخة بين المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية المتحدة”، وهو بمثابة الفلسفة الموجهة لكل مشاريع الاتفاقيات ومذكرات التفاهم القطاعية التي وقعها وزراء ورؤساء مؤسسات وإدارات من الجانبين.
ولعل هذه الخطوة الكبيرة والمتطورة في الشراكات بين دول العالم وخاصة الدول العربية، أن تكون نموذجا للاقتداء والاحتذاء بخصوص ما يتعين أن تصير إليه أي شراكة استراتيجية حقيقية بين بُلدان أو بلدين يتوفران على إمكانات كبيرة ومناسبة للتكامل الاقتصادي بينهما، ولديهما رغبة قوية وإرادة سياسية راسخة في ربح تحديات ورهانات التنمية المستدامة، وتوفير ظروف آمنة ورائدة للاستثمار في زيادة الأرباح والإنتاج وتبادل الخيرات والخبرات.
لقد عودتنا كل من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة المغربية على خلق المفاجأة والريادة في التفاهم، أولا وقبل كل شيء على الثقة والمصداقية والجدية والالتزام والوفاء، والتي يترجمها إعلان الشراكة بكل وضوح، من خلال تأكيده على تثمين الإمكانات وتعبئة كل الطاقات والجهود والأموال المرصودة والخبرات وتوجيهها لمجالات استراتيجية محددة وذات أفق مستقبلي واعد، وكذلك من خلال دراسة الجدوى والفوائد وتحديد مواصفات المشاريع الاستثمارية، وتحديد الغلاف الزمني لإطلاق عقودها في أجل قصير جدا، لا يتعدى ثلاثة أشهر، تحتسب من تاريخ توقيع إعلان الشراكة، ولم يكتف هذا الإعلان بالتدقيق في التفاصيل الموجهة والمؤطرة للشراكات القطاعية، والدالة على الجدية التي أخذت بها، بل تم التنصيص على إحداث آلية لتنفيذ وتتبع المشاريع المبرمجة وكذا تشكيلتها وطريقة عملها، تأكيدا من الجانبين على الجدية التي يحيطان بها هذه الشراكة الفاعلة والقوية، وعلى ضمانات نجاحها وتحقيقها على أرض الواقع والانتقال بها من مجرد أمان ومتمنيات إلى واقع ملموس وقائم للعيان.
ولعلنا لن نكون مبالغين إذا ما وصفنا هذه الشراكة المغربية الإماراتية بكونها غير مسبوقة في تاريخ الشراكات، أولا لأنها شملت تقريبا كل القطاعات الاستراتيجية الاقتصادية والخدماتية والاجتماعية (البنيات التحتية، الطاقة، الفلاحة، التجارة، الصيد البحري الاقتصاد الرقمي، التعليم، النهوض بالمناطق المتضررة من الزلزال الأخير…) بل وتركت هامشا كبيرا للانفتاح على أي مشروع يراه الطرفان مهما لتكاملهما في هذه الشراكة الواسعة والمفتوحة، ويتفقان لاحقا على جدواه، وعلى طرق تمويله وتدبيره، وثانيا لأنها فتحت تبادل المنافع والخيرات والأرباح على القارة الإفريقية من خلال تمويل مشاريع مغربية مشتركة مع دول إفريقية تتعلق بتطوير البنيات التحتية والطاقية، وعلى رأسها أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، المعروف بأنبوب نيجيريا ـ المغرب، وبما في ذلك أيضا عددا من المشاريع التي خطط لها المغرب على مستوى تهييئ الواجهة الأطلسية، ودعم التنمية على شريطها الساحلي وتيسير ولوج عدد من دول الساحل الإفريقي إلى المحيط الأطلسي والربط به، وتقاسم واجهته للتصدير والاستيراد والانفتاح على الدول المطلة عليه من القارتين الإفريقية والأمريكية.
وبإبرام اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وإحاطتها بالإشراف السامي لملك المغرب ولأمير دولة الإمارات العربية المتحدة، المعروف عنهما حس الالتزام الكبير والعالي في تدبير الملفات القوية والصعبة والمؤثرة، وتذليل صعوباتها، وتقديم الضمانات المؤكدة والراسخة على توفير كل الشروط والظروف لإنجاح رهانات المشاريع التنموية الكبرى، يكون البلدان قد قطعا أشواطا كبيرة في تدبير مصالحهما المشتركة بكثير من الحكمة والتؤدة والنظر البعيد، ويكونان كذلك قد وضعا قدميهما في استثمارات المستقبل بكثير من الثقة الغامرة في إمكانات وقدرات شعبيهما على ربح رهان التنمية المستدامة وفتح الآفاق على بدائل مبتكرة وإبداعية لخلق الثروات، والإفادة من الفرص المتاحة أمامهما لولوج عصر التكتلات الاقتصادية الكبرى، والتحالفات المنتجة التي تعود بالخير العميم، ليس على البلدين فحسب، وإنما على محيطيهما الإقليميين والدوليين، وفي هذا الخير والربح والمصلحة المتبادلة والأعمال المتكاملة والرؤى المنسجمة فليتنافس المتنافسون، وليعتبر المعتبرون مما يضيعونه من مصالح بمفاسد الرأي وسوء التصرف وقصر النظر.

