قانون المسطرة الجنائية.. آليات التنزيل

نورالدين عفير –
تضمن التقرير الختامي للقاء الوطني حول موضوع “آليات تجويد البحث الجنائي في ضوء مستجدات قانون المسطرة الجنائية”، المنظم من طرف رئاسة النيابة العامة بشراكة مع المديرية العامة للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني وقيادة الدرك الملكي، بمدينة مراكش، يومي 02 و03 يوليوز 2026، مجموعة من التوصيات من أجل مواكبة المستجدات التشريعية التي أقرها القانون رقم 03.23 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية.
وشكل اللقاء، الذي حضره الوكلاء العامون للملك وولاة الأمن ورؤساء الأمن الجهوي والإقليمي للأمن الوطني والمسؤولون الجهويون للدرك الملكي، محطة هامة لتدارس عدد من المقتضيات الجديدة ذات الصلة بالبحث الجنائي، ولا سيما ما يتعلق بتدبير الشكايات والوشايات، وترشيد الإجراءات المقيدة للحرية، والأبحاث المالية الموازية، وتقنيات البحث الخاصة المستحدثة، وذلك بما يضمن حسن تنزيل هذه المستجدات على مستوى الممارسة العملية، وتوحيد الفهم بشأنها، وتفادي تباين التأويل أو اختلاف الإجراءات، وتعزيز الأمن القانوني والقضائي.
واستهل هذا اللقاء بكلمات افتتاحية ألقاها كل من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، وممثل المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، وممثل قائد الدرك الملكي، حيث أكدت هذه الكلمات، في مجملها، على أهمية المرحلة التي تعرفها منظومة العدالة الجنائية ببلادنا، وثمنت جهود ومساعي التنسيق المشترك والذي تحققت في إطاره نتائج ملموسة في واقع الممارسة العملية. كما أكدت على ضرورة الانخراط الجماعي في تنزيل مستجدات قانون المسطرة الجنائية وفق مقاربة عملية وتشاركية، تستحضر متطلبات النجاعة والفعالية من جهة، وضمانات الحقوق والحريات من جهة أخرى.
كما أكدت الكلمات أن التنسيق والتعاون بين النيابة العامة والشرطة القضائية لم يعد مجرد آلية للتواصل أو التشاور الظرفي، بل أصبح خيارا استراتيجيا في تدبير القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما ينعكس إيجابا على جودة الأبحاث الجنائية، وحسن تدبير الشكايات والمحاضر، واحترام الآجال المعقولة، وصيانة الحقوق والحريات.
ولتحقيق الغاية من هذا اللقاء، تم اعتماد برنامج عملي دقيق، توزع على أربع جلسات موضوعاتية. خصصت الجلسة الأولى لتقييم جهود التنسيق المؤسساتي ومتابعة تنفيذ توصيات ومخرجات اللقاءات السابقة. أما الجلسة الثانية، فقد خصصت لمستجدات قانون المسطرة الجنائية المنظمة للإجراءات المقيدة للحرية. فيما خصصت الجلسة الثالثة لتدارس المستجدات المرتبطة بتدبير الأبحاث المالية الموازية، باعتبارها إحدى الآليات الأساسية لتعزيز فعالية السياسة الجنائية في مواجهة الجرائم ذات البعد المالي والاقتصادي.
أما الجلسة الرابعة، فقد تناولت المستجدات المنظمة لتقنيات البحث الخاصة، بالنظر إلى ما أصبحت تطرحه الجريمة من تحديات عملية وتقنية، وما تقتضيه مواجهتها من وسائل بحث حديثة مؤطرة بالقانون.
وخلصت العروض والمناقشات إلى مجموعة من المخرجات والتوصيات العملية، يمكن تصنيفها بحسب المحاور الموضوعاتية التي شكلت أساس برنامج اللقاء، وذلك على النحو الآتي.
التنسيق المؤسساتي وتتبع تنفيذ التوصيات
شملت هذه التوصيات ترصيد المكتسبات المحققة في مجال التنسيق المؤسساتي بين رئاسة النيابة العامة والمديرية العامة للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني وقيادة الدرك الملكي، ومواصلة تطوير اجتماعات لجان التنسيق على المستويات المركزية والجهوية والمحلية وفق آجال زمنية منتظمة وبرامج عمل محددة، فضلا عن إحداث آلية مركزية مشتركة لتلقي الإشكالات العملية التي تفرزها الممارسة، وتصنيفها بحسب طبيعتها القانونية أو التقنية أو العملياتية، ودراستها بصفة دورية، مع تعميم ما يستقر عليه الرأي بشأنها في شكل دوريات أو مذكرات عملية كلما اقتضى الأمر ذلك.
ونصت التوصيات كذلك علة وجوب تحيين الدليل العملي لتجويد الأبحاث الجنائية في ضوء المستجدات التي جاء بها القانون رقم 03.23، وذلك بإدراج أهم التعديلات التي عرفها قانون المسطرة الجنائية بالدليل، لاسيما تلك المتعلقة بتحرير المحاضر، وتدبير الشكايات والوشايات، وضمانات المشتبه فيهم أثناء الحراسة النظرية، ومراجعة برقيات البحث، والأبحاث المالية الموازية، وتقنيات البحث الخاصة، مع تضمينه أجوبة عملية عن الإشكالات التي أفرزها التطبيق، حتى يظل مرجعا موحدا لقضاة النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية في تدبير الأبحاث الجنائية، إضافة إلى تسريع مشاريع الرقمنة والتبادل اللامادي للمعلومات والمعطيات، سواء على المستوى المركزي، أو المحلي بين النيابات العامة ومصالح الشرطة القضائية، لا سيما في ظل الآليات التشريعية التي أضحى يوفرها قانون المسطرة الجنائية المعدل.
وجاء في التوصيات أيضا ضرورة تنظيم دورات تكوينية جهوية مشتركة حول مستجدات قانون المسطرة الجنائية، وفق المنهجية المعتمدة سابقا في تنظيم الدورات الجهوية المتعلقة بتجويد الأبحاث الجنائية بكل من الرباط وفاس وطنجة ومراكش وأكادير، وذلك بما يضمن تعميم الاستفادة، وتقريب المقتضيات الجديدة من واقع الممارسة العملية للنيابات العامة ومصالح الشرطة القضائية.
تدبير الشكايات والمحاضر واحترام الأجل المعقول
حثت هذه التوصيات على إعداد دليل مرجعي عملي للآجال الاسترشادية الخاصة بأنواع الأبحاث والإجراءات، يستند إلى المعطيات الواقعية للممارسة داخل مختلف الدوائر القضائية، ويوازن بين متطلبات النجاعة وخصوصيات كل بحث، مع الحرص على أن تكون تعليمات النيابة العامة الموجهة إلى الشرطة القضائية واضحة وشاملة ودقيقة، من حيث تحديد نقط البحث والعناصر القانونية والواقعية المطلوب التثبت منها، تفاديا لإرجاع المحاضر لإتمام البحث، إضافة إلى الحرص، عند دراسة الشكايات، على استكمال المعطيات الأساسية المتعلقة بالمشتكي، ولا سيما رقم الهاتف، والعنوان الإلكتروني، والعنوان الكامل، مع إمكانية الاستماع إليه من طرف النيابة العامة كلما كانت طبيعة الشكاية تسمح بذلك، وذلك لتوضيح موضوع الشكاية، وتسهيل استدعائه لاحقا، وضمان إشعاره بمآلها داخل الآجال القانونية.
ونصت التوصيات المذكورة على حرص ضباط الشرطة القضائية على تضمين الرقم الهاتفي أو بيانات الاتصال الخاصة بالمشتكين أو الضحايا في المحاضر التي يتم إنجازها، لتيسير إشعارهم بمآل شكاياتهم عبر آلية الرسالة النصية التي اعتمدتها رئاسة النيابة العامة، والتشخيص الدوري لوضعية الشكايات والمحاضر التي تجاوزت الآجال المحددة، وباقي الإجراءات المتأخرة، من خلال إعداد لوائح دقيقة، ورصد أسباب التأخير، وتحديد مكامن الخلل، واعتماد خطط عمل لمعالجتها وتتبعها على مستوى خلايا التنسيق الجهوية والمحلية، وتسريع إنجاز الخبرات الفنية والتقنية والعلمية والانتدابات، من خلال إحداث آلية تتبع خاصة بها، وتوجيه التذاكير اللازمة، والتنسيق مع المختبرات والمؤسسات المعنية لرفع الصعوبات التي تعترضها في إنجاز المهام المسندة إليها.
ترشيد وحسن تفعيل الإجراءات والتدابير المقيدة للحرية
وتضمن هذا المحور التنسيق المشترك من أجل إعداد نماذج جديدة لسجلات تضبط تفعيل الإجراءات التي استحدثها قانون المسطرة الجنائية، كالتحقق من الهوية ونقل الموقوفين، والاحتفاظ بالموقوفين موضوع تنفيذ عقوبة سالبة للحرية في الأماكن المعدة للحراسة النظرية أو الاحتفاظ، وتوحيد الرؤى حول التدابير المتعلقة بإجراء الإيقاف داخل أو خارج نفوذ الدائرة القضائية، وإخضاع المحروسين نظريا للعلاج، والتأكيد على الطابع الاستثنائي لتدبير الحراسة النظرية والاحتفاظ المؤقت بالأحداث والمراقبة القضائية، وعدم اللجوء إليها إلا عند توفر موجباتها القانونية والواقعية، وبالقدر الذي تقتضيه ضرورة البحث، مع استحضار قرينة البراءة والمصلحة الفضلى للطفل، ووجوب تعليل طلبات تمديد الحراسة النظرية تعليلا كافيا، مع تحديد الإجراءات المراد إنجازها خلال مدة التمديد.
ونص هذا البند كذلك على مواصلة جهود التنسيق والتعاون من أجل ضمان حسن تطبيق أحكام المادة 1-384 من قانون المسطرة الجنائية المنظمة لاستنطاق المشتبه فيهم بمقار الشرطة القضائية، وصياغة التصورات الكفيلة بتنزيل آلية الاستماع للمشتبه فيه عن بعد عند تمديد الحراسة النظرية، والتأكيد على أن إيقاف شخص بناء على برقية بحث لا يترتب عنه تلقائيا وضعه رهن الحراسة النظرية، وإنما يتعين، قبل اتخاذ أي قرار بشأنه، التحقق من سبب صدور البرقية، والاطلاع على المحضر أو الإجراء الذي نشرت على أساسه، والتأكد من أن مبررات البحث ما زالت قائمة، حتى يتم اتخاذ القرار الملائم في ضوء المعطيات القانونية والواقعية المتوفرة.
وتضمن هذا الشق من التوصيات وجوب ارتكاز الأوامر بنشر برقيات البحث، على الحالات التي تتوفر فيها موجبات قانونية وواقعية جدية، مع بيان التحريات والإجراءات التي تم إنجازها دون التمكن من الاهتداء أو العثور على المعني بالأمر، مع التأكيد على مبادرة النيابة العامة إلى إلغاء برقيات البحث المحررة في حق المشتبه فيهم، إما بصفة تلقائية أو بناء على طلب من له مصلحة في ذلك، بعد التأكد من توفر موجبات الإلغاء القانونية، كإلقاء القبض على الشخص المبحوث عنه، أو تقادم الجرائم أو العقوبات المنشورة بسببها.
وجاء في التوصيات وجوب مواصلة جهود التعاون والتنسيق بين النيابات العامة ومصالح الشرطة القضائية لتحيين برقيات البحث السارية، وترتيب الأثر القانوني في ضوء ما ستسفر عنه دراسة المحاضر أو الملفات الصادرة في إطارها، سواء بإقرار سريان البرقية أو إصدار الأمر بإلغائها عند التأكد من موجبات ذلك.
وعند إيقاف شخص موضوع عدة برقيات بحث صادرة عن مصالح مختلفة، يتعين التنسيق بصفة فورية بين المصالح المعنية والنيابات العامة المختصة، حتى يتم الاستماع إليه بشأن جميع القضايا المرتبطة به في الوقت المناسب، تفاديا لتعدد الإجراءات وما قد يترتب عنه من صعوبات قانونية.
ونصت التوصيات على إحالة الإشكالات القانونية الدقيقة المرتبطة بالتفتيش خلال البحث التمهيدي، والتحقق من الهوية، والاحتفاظ بالأحداث، والحراسة النظرية، وسحب جواز السفر وإغلاق الحدود، وباقي الإجراءات الماسة أو المقيدة للحرية،على الجهات الرئاسية قصد بلورة توجيهات عملية موحدة بشأنها.
تدبير الأبحاث المالية الموازية
علاقة بتدبير الأبحاث المالية الموازية، نصت التوصيات على تعزيز التكوين المستمر لقضاة النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية في مجال تدبير الأبحاث المالية الموازية، ولا سيما ما يرتبط بتتبع العائدات الإجرامية، والعملات الرقمية، ومسارات الأموال العابرة للحدود، ووضع ضوابط استرشادية عملية للأمر بالأبحاث المالية الموازية، تراعي التوازن بين ضرورة البحث وفعالية مكافحة الجرائم ذات العائدات المالية، وبين حماية الحقوق والحريات وحقوق الغير حسني النية، واعتماد نموذج موحد لمحضر البحث المالي الموازي من حيث الشكل والمشتملات.
وجرى التنصيص على إحداث نظام وطني موحد لمحضر لتعريف وتتبع الأموال محل الأبحاث المالية الموازية، مع إيجاد آلية موحدة لجرد الأموال والممتلكات وتتبعها عبر مختلف مراحل الدعوى العمومية، بدء من اكتشافها وحجزها أو تجميدها، انتهاء بالمصادرة أو ردها أو التصرف فيها، وتطوير آليات التنسيق مع المؤسسات البنكية والمالية والهيئة الوطنية للمعلومات المالية وباقي المؤسسات المعنية، بما يسمح بتسريع الحصول على المعلومات الضرورية قبل تهريب أو إخفاء الأموال محل البحث.
وحثت التوصيات أيضا على إشراك الممثلين القانونيين لفروع المؤسسات البنكية أو المالية في اجتماعات لجان التنسيق الجهوية والمحلية لمناقشة الإشكالات التي يثيرها تدبير الأبحاث المالية الموازية، وإيجاد صيغ لحث المؤسسات البنكية والمالية على التعجيل بتنفيذ الأوامر القاضية بحجز أو تجميد الحسابات البنكية، وذلك قصد تفادي أي تأخير ينعكس سلبا على مسار الأبحاث، واعتماد مقاربة دقيقة في إجراءات الحجز والتجميد والعقل، تقوم على حصر الأموال والممتلكات التي يشتبه في علاقتها بالجريمة، وتفادي المساس بالأموال غير المرتبطة بها أو بالحقوق المكتسبة للغير حسن النية، فضلا عن بلورة توجيهات عملية واضحة بشأن تدبير الأموال والممتلكات المحجوزة أو المجمدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمقاولات أو أصول اقتصادية، بما يضمن المحافظة على قيمتها وعدم الإضرار غير المبرر بالأنشطة الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بها.
تفعيل تقنيات البحث الخاصة
وتضمن محور “تفعيل تقنيات البحث الخاصة” مجموعة من التوصيات منها تعزيز التكوين المستمر لقضاة النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية حول تقنيات البحث الخاصة، يركز على شروط اللجوء إليها، وضوابطها القانونية، وكيفية توثيقها، وآثارها على مسار البحث والإثبات، وإعداد دلائل عملية تتمحور حول الآليات المستحدثة للبحث كتحديد المواقع، والتقاط الصور والأصوات، واعتراض المكالمات والاتصالات، لتوحيد طرق إعمالها من حيث بيان شكليات وشروط إصدار الإذن بها، وتتبع ومواكبة تنفيذها، مع تعزيز التنسيق مع القطاعات والمؤسسات التقنية وشركات الاتصالات والجهات المختصة بتنفيذ الانتدابات أو توفير المعطيات الضرورية للبحث، بما يضمن سرعة التفاعل مع طلبات النيابة العامة والشرطة القضائية، فضلا عن اعتماد طرق موحدة لحفظ المعطيات والأدلة الرقمية الناتجة عن تقنيات البحث الخاصة، وتوثيق مراحل الحصول على الدليل ومعالجته وحفظه إلى حين عرضه على القضاء.
وفي ختام هذا اللقاء التنسيقي الوطني، أجمعت الجهات المنظمة على أهمية مواصلة هذا المسار التنسيقي، وعلى ضرورة تحويل خلاصات اللقاء إلى توصيات عملية قابلة للتنفيذ والتتبع الدوري، بما يضمن تنزيلا موحدا وسليما لمستجدات قانون المسطرة الجنائية، ويرسخ ممارسة مهنية متوازنة تجمع بين فعالية البحث الجنائي واحترام الحقوق والحريات.
كما أكدت أن ما تحقق من تطور في مجال تدبير الأبحاث الجنائية، وتحسين مؤشرات معالجة الشكايات والمحاضر، ومراجعة برقيات البحث، وتطوير آليات التنسيق، يشكل ثمرة مباشرة للتعاون الجاد والمسؤول بين رئاسة النيابة العامة والمديرية العامة للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني وقيادة الدرك الملكي، ويعكس الإرادة المشتركة في الرفع من نجاعة العدالة الجنائية ببلادنا.






