
الرباط- عبد الحق العضيمي –
الدعم الاجتماعي المباشر يظل إجراء ظرفيا
أكد والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، أن الدعم الاجتماعي المباشر يظل إجراء ظرفيا، ولا يمكن أن يتحول إلى سياسة هيكلية دائمة، مبرزا أن الحل المستدام يكمن في تحسين الدخل وخلق فرص الشغل.
وأوضح الجواهري، خلال الندوة الصحفية، التي أعقبت الاجتماع الفصلي الثاني لمجلس بنك المغرب برسم سنة 2026، أمس الثلاثاء، أن عددا من الدول تلجأ إلى الدعم في فترات معينة، غير أن انتهاء الظرفية يقتضي الخروج من هذا المنطق، معتبرا أن الرهان الحقيقي يتمثل في جعل التشغيل، وتحسين الدخل بديلين مستدامين عن استمرار الاعتماد على الدعم.
وفي جواب عن سؤال حول إقرار منحة استثنائية لفائدة الأسر المستفيدة من الدعم الاجتماعي المباشر عند حصول أحد أفرادها على فرصة عمل، اعتبر والي بنك المغرب أن هذا النوع من الإجراءات يمكن أن يساعد في مرحلة معينة، غير أنه لا يعوض الحاجة إلى سياسة اقتصادية قادرة على خلق فرص الشغل بشكل مستدام.
وأكد الجواهري، أن مشكل التشغيل لا يمكن حله بسنة جيدة وأخرى ضعيفة، بل يحتاج إلى نمو مسترسل، وإلى مشاركة أكبر للقطاع الخاص، مبرزا أن الاعتماد على الدعم وحده لا يمكن أن يستمر بالشكل نفسه.
وأشار المسؤول ذاته إلى أن التقرير السنوي لبنك المغرب برسم سنة 2025، المرتقب رفعه إلى جلالة الملك محمد السادس، سيتناول عددا من القضايا الاجتماعية والاقتصادية، من بينها موضوع الدعم، دون أن يخوض في تفاصيل إضافية بشأن مضمونه.
النمو المرتقب في السنوات المقبلة سيظل مدفوعا بمجهود الاستثمار
وفيما يتعلق بآفاق النمو الاقتصادي، أكد الجواهري، أن النمو المرتقب في السنوات المقبلة سيظل مدفوعا بمجهود الاستثمار، خاصة الاستثمار العمومي، غير أن ذلك لا يعني أن الاستثمار بعد 2030 سيتوقف أو سينكمش.
وأوضح والي بنك المغرب، أن بعض المشاريع ستتجاوز آجال إنجازها سنة 2030، كما أن استثمارات المؤسسات والمقاولات العمومية، وفي مقدمتها المجمع الشريف للفوسفاط، ستواصل لعب دور مهم، خصوصا في ظل البرامج الكبرى المرتبطة بالهيدروجين الأخضر وغيرها من التوجهات الاستراتيجية.
وسجل الجواهري أن كافة المقومات أصبحت متوفرة اليوم لتمكين الاستثمار الخاص من حمل المشعل تدريجيا من الاستثمار العمومي، ودعم النمو الاقتصادي بشكل مستدام لما بعد سنة 2030.
وفي هذا الصدد، أبرز أن العديد من الرافعات تم إرساؤها بالفعل، مشيرا، على وجه الخصوص، إلى قانون عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والميثاق الجديد للاستثمار، وعمل المراكز الجهوية للاستثمار، علاوة على برامج إعداد التراب الوطني الرامية إلى الحد من الفوارق المجالية.
وكشف الجواهري، أنه من أجل تسريع وتيرة تعبئة الاستثمار الخاص، يجري التحضير لعقد اجتماع يضم كلا من بنك المغرب، والمجموعة المهنية لبنوك المغرب، ووزارة الاقتصاد والمالية، ووزارة الاستثمار والالتقائية وتقييم السياسات العمومية، والاتحاد العام لمقاولات المغرب.
ويهدف هذا الاجتماع، وفق الجواهري، إلى تدارس سبل تعزيز الاستثمار الخاص بشكل أكبر، وتحديد التدابير الكفيلة بتحفيز مساهمة أقوى للقطاع الإنتاجي في النمو الاقتصادي.
والي بنك المغرب يشدد على أهمية المقاولات الصغيرة جدا
من جهة أخرى، شدد والي بنك المغرب على أهمية المقاولات الصغيرة جدا، التي تمثل أزيد من 90 في المائة من النسيج المقاولاتي الوطني، لافتا إلى المبادرات التي أطلقت مؤخرا لفائدتها، وكذا الإجراءات المنتظرة من صندوق محمد السادس للاستثمار من أجل دعم الاستثمار الخاص، لاسيما الموجه للمقاولات الصغرى والمتوسطة والمقاولات الصغيرة جدا.
وتوقف الجواهري عند نظام التنقيط الخاص بالمقاولات الصغيرة جدا، مؤكدا أنه تم إعداده بتنسيق مع مكاتب الائتمان، وتم تقديمه إلى البنوك، وهو حاليا في طور التحسين بناء على ملاحظاتها.
وأوضح أن هذا النظام يروم تسهيل تقييم هذه الفئة من المقاولات، إلى جانب مواكبتها بالتكوين والتأطير، مضيفا أن بنك المغرب ينتظر عرض “مغرب المقاولات” بشأن المواكبة والتأطير، وأن لجنة خاصة تشتغل على هذا الورش، في انتظار اجتماع مرتقب لتقييم مختلف عناصره.
مستوى توقعات عجز الحساب الجاري لا يثير القلق
وفيما يخص توقعات عجز الحساب الجاري، التي بلغت 4 في المائة، قال الجواهري إن هذا المستوى لا يثير القلق في حد ذاته، خصوصا أن التوقعات تشير إلى تراجعه لاحقا، غير أنه ربط ذلك بتطورات الفاتورة الطاقية وبالاضطرابات الجيوسياسية.
وأوضح أن استمرار التوترات قد لا يطرح فقط مشكل الأسعار، بل قد يطرح أيضا مشكل التموين، مستحضرا في هذا السياق أهمية بعض المواد الأولية بالنسبة إلى أنشطة المجمع الشريف للفوسفاط، وما قد يترتب عن اضطراب سلاسل الإمداد.
وأكد والي بنك المغرب، أن البنك يتابع عن قرب عددا من المؤشرات، من بينها الصادرات المرتبطة بالسيارات والفوسفاط، والفاتورة الطاقية، والاستثمارات الأجنبية المباشرة،مشددا على أن الأهم بالنسبة إلى بنك المغرب هو مستوى احتياطات الصرف، مبرزا أنها تظل في مستويات مريحة تتجاوز ستة أشهر من الواردات، وهو ما اعتبره عاملا مطمئنا، خاصة في سياق التحضير لاعتماد استهداف التضخم.
مشروع القانون الخاص بالعملات المشفرة في مرحلة نقاش مع الأمانة العامة للحكومة
من جهة أخرى، استعرض والي بنك المغرب آخر المستجدات المرتبطة بمشروع القانون الخاص بالعملات المشفرة، مذكرا بأن البنك كان قد أصدر، منذ سنة 2017، تحذيرا بشأن “البيتكوين” والعملات المشفرة، في سياق التقلبات الحادة التي بدأت تعرفها آنذاك.
وأوضح أن المشروع يوجد حاليا في مرحلة نقاش مع الأمانة العامة للحكومة، بعد أن وضعته هذه الأخيرة على منصتها لتلقي ملاحظات المواطنين، مبرزا أن بنك المغرب يناقش معها المعطيات والملاحظات التي وردت بشأنه.
وشدد والي بنك المغرب على أن القضايا المرتبطة بالعملات المشفرة والابتكار المالي تحتاج إلى حذر وتدرج، لأنها ترتبط بالسيادة المالية وحماية المستهلك والاستقرار المالي.
البنك الرقمي البريطاني “ريفولوت”
وفي رده على سؤال حول البنك الرقمي البريطاني “ريفولوت”، أفاد الجواهري بأنه استقبل مسؤولي هذه المؤسسة بداية يونيو الجاري، وأنهم عبروا عن اهتمامهم بالمغرب، باعتباره سوقا واعدة ومنصة محتملة نحو إفريقيا.
غير أن والي بنك المغرب أوضح لهم أن الظرفية الحالية لا تسمح بالاستجابة لهذا الاهتمام، بالنظر إلى انشغال البنك بثلاثة أوراش كبرى، تتعلق بملف البنوك المغربية في أوروبا، وتقييم مرتقب من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وتقييم مجموعة العمل المالي (كافي).
وأكد الجواهري، أن مسؤولي البنك المذكور لم يتقدموا بطلب اعتماد رسمي، بل عبروا فقط عن اهتمامهم بالمغرب، مضيفا أنهم تفهموا موقف بنك المغرب وأبدوا استعدادهم للعودة إلى النقاش لاحقا.
تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج
وبخصوص تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، قال الجواهري إن وظيفة البنوك المغربية الموجودة في أوروبا كقناة لنقل هذه التحويلات تعرضت لنوع من التشكيك بعد قانون أوروبي صدر في يونيو من السنة الماضية، موضحا أن المغرب تفاعل مع الموضوع عبر فريق عمل ضم وزارة الخارجية، وبنك المغرب، ووزارة الاقتصاد والمالية، والبنوك المغربية المعنية.
وأفاد والي بنك المغرب بأن النقاش بدأ مع المفوضية الأوروبية، قبل أن يتم الانتقال إلى التواصل مع الدول المعنية، وفي مقدمتها فرنسا، باعتبارها البلد الذي تتركز فيه أهم أنشطة البنوك المغربية المرتبطة بالمغاربة المقيمين بالخارج.
وأوضح الجواهري أن المغرب توصل عمليا إلى اتفاق مع فرنسا لا يمس نشاط هذه البنوك، مبرزا أن النقاشات انتقلت بعد ذلك إلى هولندا وبلجيكا، كما تمت برمجة إسبانيا وإيطاليا. وشدد على أن الهدف هو تفادي أي عراقيل قد تحد من تدفق أموال المغاربة المقيمين بالخارج نحو حساباتهم بالمغرب، مؤكدا أن الانطباع الأولي إيجابي، وأنه لا يرى، في الوقت الحالي، ما يدعو إلى القلق، خاصة أن حجم التحويلات يواصل الارتفاع.






