مجتمع

دراسة رسمية.. معاشات النساء تقل بتسع مرات عن الرجال

الرباط-عبد الحق العضيمي –

أفادت دراسة للمندوبية السامية للتخطيط بأن أكثر من ثلاثة أرباع التشغيل بالمغرب يوجد خارج دائرة الشغل المهيكل، ضمن نسيج يضم أزيد من مليوني وحدة إنتاجية، مبرزة أن هذا الوضع يطرح تحديات متزايدة أمام أنظمة الحماية الاجتماعية والتقاعد، في سياق يتسم بضعف التصريح بالأجراء، ومحدودية قاعدة المساهمين، وتسارع شيخوخة السكان.

وأوضحت الدراسة، المنجزة بشراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة بالمغرب، تحت عنوان “القطاع غير المهيكل، النوع الاجتماعي والشيخوخة.. التفاوتات التراكمية والآثار بين الأجيال”، أن 70 في المائة من النساء النشيطات المشتغلات يزاولن أنشطة ضمن أشكال من الشغل غير المهيكل، مقابل 76,9 في المائة لدى الرجال.

واعتبرت المندوبية السامية للتخطيط، أن الشغل غير المهيكل، بمعناه المرتبط بعدم الانخراط في التغطية الصحية وصناديق التقاعد، لا يمثل وضعية عابرة في سوق الشغل، بل يشكل بنية عميقة تعيد إنتاج الهشاشة، وتحد من تراكم الحقوق الاجتماعية، وتضيق قاعدة المساهمين في أنظمة الحماية الاجتماعية.

شيخوخة السكان تضغط على الحماية الاجتماعية

وسجلت الدراسة، أن تسارع شيخوخة السكان بالمغرب من شأنه أن يزيد الضغط على أنظمة الحماية الاجتماعية خلال العقود المقبلة، في وقت ما تزال فيه قاعدة المساهمين محدودة بفعل اتساع الشغل غير المهيكل وضعف التصريح بالأجراء.

وأبرزت المعطيات الواردة في الدراسة أن نسبة إعالة المسنين ستنتقل من 18,7 في المائة سنة 2021 إلى 24,5 في المائة سنة 2030، قبل أن ترتفع إلى 39,3 في المائة في أفق سنة 2050، مقابل تراجع نسبة إعالة الشباب من 40,9 في المائة إلى 34,5 في المائة، ثم إلى 30,4 في المائة خلال الفترة نفسها.

كما أفادت الدراسة بأن عدد الأشخاص المتراوحة أعمارهم بين 15 و59 سنة مقابل كل شخص يبلغ 60 سنة فما فوق سيتراجع من حوالي 5,3 سنة 2021 إلى 4,1 سنة 2030، ثم إلى 2,5 فقط في أفق سنة 2050، بما يعكس تقلصا متواصلا في قاعدة المساهمين المحتملين في تمويل الحقوق الاجتماعية، مقابل ارتفاع حاجيات فئة المسنين.

وفي السيناريو المرجعي الممتد إلى سنة 2070، توقعت الدراسة استمرار المنحى نفسه، إذ ينتظر أن تتراجع نسبة إعالة الشباب من 41 في المائة سنة 2020 إلى 19,8 في المائة سنة 2070، مقابل ارتفاع نسبة إعالة المسنين من 19,8 في المائة إلى 67,8 في المائة خلال الفترة ذاتها.

فجوة واضحة في معاشات النساء

وفيما يتعلق بالاستفادة من المعاشات، كشفت الدراسة استمرار اتساع الفوارق بين النساء والرجال، إذ لا تتجاوز نسبة النساء البالغات 60 سنة فما فوق اللواتي يتوصلن بمعاش تقاعدي فعلي 15 في المائة، مقابل 37 في المائة لدى الرجال.

وأرجعت الدراسة هذه الفجوة إلى عوامل ترتبط بولوج النساء إلى سوق الشغل، وطبيعة الأنشطة التي يزاولنها، ومدى انتظام التصريح بهن وأداء المساهمات الاجتماعية، فضلا عن ضعف مستويات الأجور المصرح بها التي يتم على أساسها احتساب الحقوق الاجتماعية والتقاعدية.

وأشارت المندوبية إلى أن معدل معاشات النساء مقارنة بالرجال لم يتجاوز 11,1 في المائة سنة 2020، بما يعني أن المعاشات التي تتوصل بها النساء تقل، في المتوسط، بحوالي تسع مرات مقارنة بمعاشات الرجال.

وبحسب الدراسة، بلغ معدل الحقوق التقاعدية المحتملة للنساء مقارنة بالرجال 31 في المائة سنة 2020، مقابل 11,1 في المائة بالنسبة إلى المعاشات الفعلية، وهو ما يعكس وجود مؤشر على لحاق جيلي محدود، لكنه لا يلغي استمرار تراكم الفوارق المرتبطة بالولوج إلى الشغل والحماية الاجتماعية.

تقارب محدود دون تدخلات موجهة

وأفادت المندوبية بأنه، في غياب تدخلات موجهة، لن يرتفع معدل النشاط النسائي إلا بـ3,4 نقاط مئوية خلال خمسين سنة، منتقلا من 22,8 في المائة إلى 26,2 في المائة.

وأضافت الدراسة أنه ابتداء من سنة 2040 سيتباطأ تقدم إمكانات تراكم الحقوق لدى الأجيال النشيطة، موضحة أنه من دون تحول في شروط الولوج إلى الشغل المنظم، واستمرارية المسار المهني، ومستويات الأجور المصرح بها، سيستقر معدل معاشات النساء مقارنة بالرجال حول 41 في المائة بعد سنة 2070.

واعتبرت الدراسة أن الأجيال التي ستبلغ سن التقاعد ما بين 2040 و2060 تمثل مرحلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الفوارق ستتقلص فعليا أم ستستقر عند سقف هيكلي جديد.

المشاركة النسائية بين التشغيل والهشاشة

وفيما يخص أثر الرفع من المشاركة النسائية، سجلت الدراسة أن هذا التوجه يحقق أكبر توسع في تشغيل النساء، بزيادة قدرها 6 نقاط مئوية، غير أن هذا التحسن يواكبه تراجع معدل تنظيم الشغل النسائي بـ8,3 نقاط مئوية، وارتفاع بطالة النساء بـ6,2 نقاط مئوية.

وأوضحت المندوبية، أن أكثر من ثلثي فرص الشغل الجديدة الناتجة عن هذا التوجه تتجه نحو القطاع غير المهيكل، ما يعني أن رفع مشاركة النساء، في غياب توسع كاف في مناصب الشغل المنظمة، قد يفضي إلى إدماج هش لا يترجم إلى حقوق اجتماعية وتقاعدية فعلية.

كما أفادت الدراسة بأن هذا التوجه يؤدي، على المدى الطويل، إلى ضغط على الأجر المنظم المتوسط للنساء بـ8 في المائة، مبرزة أن توسيع عرض العمل لا يتحول تلقائيا إلى شغل منظم إذا لم يواكبه ارتفاع في القدرة الإنتاجية.

وفيما يتعلق بتحسين المستوى التعليمي، أبرزت الدراسة أنه يساهم في رفع معدل تنظيم الشغل النسائي بـ3,6 نقاط مئوية، غير أن هذا التحسن يوازيه ارتفاع معدل بطالة النساء بـ2,3 نقطة مئوية، إلى جانب تراجع تنظيم الشغل لدى الرجال بـ1,5 نقطة مئوية.

وعزت المندوبية هذا الأثر إلى احتمال تجاوز تدفق الخريجات القدرة الاستيعابية للقطاع المنظم، في حال لم يقترن ذلك بتوسع فعلي في الطلب على فرص الشغل المنظمة.

أما بخصوص تحسين الإنتاجية، فقد أوضحت الدراسة أنه يساهم في خفض بطالة النساء بـ2,1 نقطة مئوية، وتحسين تنظيم تشغيلهن بـ2,6 نقاط مئوية، غير أنه يؤدي، على المدى القصير، إلى ضغط عابر على الأجور المنظمة لدى الرجال، وإلى تراجع تنظيم تشغيلهم بـ1,6 نقطة مئوية.

الزجر لا يكفي دون دينامية إنتاجية

وفيما يتعلق بتقليص إكراهات سوق الشغل، بينت الدراسة أن هذا التوجه يسمح بخفض بطالة الرجال بما يصل إلى 3,2 نقاط مئوية، وبطالة النساء بما يصل إلى 2,1 نقطة مئوية، مع تحسين درجة التنظيم لدى الفئتين، غير أن أثره على التشغيل الإجمالي يظل محدودا.

أما تشديد العقوبات المرتبطة بالاقتصاد غير المهيكل، فأفادت الدراسة بأنه يساهم في تحسين التنظيم بـ2,3 نقاط مئوية لدى النساء و2,1 نقطة مئوية لدى الرجال، غير أن ذلك يتم مقابل تقلص التشغيل الإجمالي، وارتفاع البطالة بحوالي 2,6 نقطة لدى النساء و3 نقاط لدى الرجال.

وخلصت المندوبية السامية للتخطيط، استنادا إلى نتائج هذه المحاكاة، إلى أن العقوبات يمكن أن تدعم الانتقال نحو الاقتصاد المنظم، لكنها لا تشكل، بمفردها، محركا مستقلا لهذا الانتقال، إذا لم تقترن بدينامية إنتاجية قادرة على إحداث فرص شغل منظمة.

الفئات الأقل تعليما أكثر تعرضا للضغط

من جهة أخرى، أظهرت المحاكاة أن الضغوط لا تطال النساء بالحدة نفسها، بل تختلف بحسب المستوى التعليمي، إذ تتركز، في التوجه المندمج دون عقوبات، على النساء غير الحاصلات على شهادات، وعلى ذوات المستوى الابتدائي أو الإعدادي.

وأفادت الدراسة بأن بطالة النساء دون شهادة سترتفع بـ5 نقاط مئوية في أفق سنة 2070، فيما سترتفع بطالة النساء ذوات المستوى الابتدائي أو الإعدادي بـ7,1 نقاط مئوية، مقابل انخفاض بطالة النساء الحاصلات على تعليم عال بـ5,3 نقاط مئوية.

وبحسب المندوبية، فإن توسيع فرص الشغل المنظم لفائدة الفئات ضعيفة التأهيل يتطلب آليات إنتاجية وقطاعية أوسع من مجرد التحفيز على التنظيم.

إصلاحات مشروطة بتحولات سوق الشغل

وفي محور الحماية الاجتماعية، اعتبرت الدراسة أن الإصلاحات المنخرط فيها منذ سنة 2021، وفي مقدمتها تعميم التغطية الصحية، وخفض عتبات فتح الحق في التقاعد، والإدماج التدريجي للعمال غير الأجراء، تظل مهمة، لكنها تتدخل أساسا في مراحل لاحقة من المسار المساهماتي.

وأكدت المندوبية، أن أثر هذه الإصلاحات على تقليص التفاوتات المؤجلة يظل مشروطا بتحولات سابقة في سوق الشغل، تهم مشاركة النساء، وتنظيم الإدماج المهني، والمسارات الأجرية التي تشكل قاعدة الحقوق الاجتماعية.

ونبهت الدراسة إلى أن توسيع التغطية الصحية، رغم أهميته، لا يخلق في حد ذاته حقوقا مساهمة في التقاعد، خاصة في حالة المساهمات غير المنتظمة أو المداخيل غير المستقرة.

وخلصت المندوبية السامية للتخطيط إلى أن الأجيال الموجودة حاليا في سن النشاط توجد في صلب هذا التحول، لأن طريقة إدماجها في سوق الشغل، ومستوى تنظيم عملها، وحجم أجورها المصرح بها، ستحدد شكل قاعدة المساهمين عندما تبلغ الشيخوخة مستوياتها الأعلى.

وأكدت الدراسة أن العقد المقبل سيكون حاسما في تغيير المسار، معتبرة أن تقليص التفاوتات المؤجلة الناتجة عن تداخل الاقتصاد غير المهيكل والنوع الاجتماعي والشيخوخة يتطلب الجمع بين تحول سوق الشغل وتعديل آليات الحماية الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق