“أمو” على المحك.. تحذير رسمي من تعثر التعميم ومخاطر تهدد الاستدامة

الرباط- عبد الحق العضيمي
أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أن تعميم التأمين الصحي لا يزال يواجه عددا من التحديات، مبرزا أن نسبة التغطية الصحية تبلغ حوالي 88 في المائة من السكان، أي ما يقارب 32 مليون مستفيد، مقابل أكثر من 4 ملايين شخص ما زالوا خارج منظومة التأمين الصحي، وذلك ضمن رأي أعده حول مشروع قانون رقم 54.23 المتعلق بتغيير وتتميم القانون رقم 65.00 الخاص بالتأمين الإجباري الأساسي عن المرض.
ولفت المجلس، ضمن الرأي ذاته، الذي جاء بناء على إحالة من مجلس النواب وصادقت عليه جمعيته العامة بالإجماع، إلى أن الإشكال لا يرتبط فقط بعدد المسجلين، بل يمتد إلى مستوى الاستفادة الفعلية، في ظل تفاوت ملحوظ بين المسجلين في النظام والأشخاص الذين يتوفرون على “حقوق مفتوحة”.
“الحقوق المغلقة” و”الثالث المؤدي”
وفي هذا السياق، أفاد المجلس، استنادا إلى معطيات المجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2024-2025، بأن حوالي 30.4 في المائة من السكان، أي ما يناهز 11 مليون شخص، لا يستفيدون من التغطية الصحية، سواء لعدم تسجيلهم في أحد الأنظمة، أو لوجودهم، رغم تسجيلهم، في وضعية “الحقوق المغلقة”.
ويمس هذا الوضع، بحسب المصدر ذاته، أساسا فئة العاملين غير الأجراء، كما يشمل بعض أجراء القطاع الخاص الذين يشتغلون بصفة غير منتظمة، وهو ما يعكس محدودية الاستفادة الفعلية رغم اتساع قاعدة التغطية.
وبالانتقال إلى بنية الأنظمة، أبرز المجلس أن تحقيق الالتقائية بين مختلف أنظمة التأمين يواجه صعوبات مرتبطة بتفاوت نسب الاشتراك وأساس احتسابها، حيث يعتمد نظام القطاع الخاص نسبة 6.37 في المائة من الأجر الخام دون سقف، مقابل 5 في المائة في القطاع العام مع سقف محدد في 800 درهم شهريا.
كما أشار إلى أن هذا التفاوت يمتد إلى أنظمة أخرى، إذ يعتمد نظام “أمو- العمال غير الأجراء” نسبة جزافية مرتبطة بالحد الأدنى للأجور حسب الفئة المهنية، في حين يتراوح الاشتراك في نظام “أمو-الشامل” بين 144 و1164 درهما شهريا، مسجلا أن سقف 800 درهم المعتمد في القطاع العام منذ سنة 2005 يشكل اختلالا تقنيا ويمس بمبدأ الإنصاف.
وفيما يتعلق بآليات الاستفادة، سجل المجلس تفاوتا في إعمال آلية “الثالث المؤدي”، مبرزا أنها تعتمد بشكل واسع في نظام القطاع العام عبر التعاضديات، مقابل حضور محدود لها في القطاع الخاص، حيث تظل مرتبطة أساسا بحالات الاستشفاء.
كما أشار الرأي إلى أنه تم تعميم هذه الآلية داخل المؤسسات الصحية العمومية لفائدة المستفيدين من “أمو- تضامن”، في حين تعتمد بعض الأنظمة الأخرى على آلية التعويض عن المصاريف، وهو ما يعكس اختلافا في طرق تحمل النفقات الصحية بين الفئات.
فائض في القطاع الخاص وعجز مقلق في العام
وعلى المستوى المالي، كشف المجلس عن تفاوت واضح بين الأنظمة، إذ يحقق نظام “أمو-القطاع الخاص”، الذي يدبره الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فائضا سنويا يناهز 3.55 مليارات درهم، مع احتياطات تبلغ 43.67 مليار درهم وأفق استدامة يتجاوز 20 سنة.
في المقابل، أبرز أن نظام “أمو-القطاع العام”، الذي يدبره الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، يعاني من عجز مالي متواصل منذ سنة 2021، بلغ حوالي مليار درهم سنة 2025، مع تراجع التناسبية الديمغرافية إلى 1.61 نشيط لكل متقاعد، في أفق استنفاد احتياطاته بحلول سنة 2028.
وتابع المجلس أن نظامي “أمو-العمال غير الأجراء” و”أمو-الشامل” يعانيان من عجز بنيوي، حيث تبلغ نسبة المصاريف إلى الاشتراكات 1.29 و2.73 على التوالي، إلى جانب تسجيل ظاهرة “الانتقاء العكسي”، أي انخراط الأشخاص الذين يحتاجون للعلاج بشكل فوري أساسا في التأمين، لافتا إلى أن متوسط الكلفة لكل مؤمن يفوق 6 آلاف درهم سنويا.
مشروع قانون 54.23.. إصلاح هيكلي
ويعتبر المجلس، أن مشروع القانون رقم 54.23 يشكل إصلاحا هيكليا للمنظومة الوطنية للتغطية الصحية، ولبنة مهمة في مسار توحيدها وتحديثها، في إطار تنزيل القانون-الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية.
وأوضح أن هذا النص يندرج، على الخصوص، ضمن إحداث هيئة موحدة لتدبير أنظمة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، عبر نقل تدبير التأمين عن المرض الخاص بالقطاع العام من الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
وفيما يتعلق بمضامين المشروع، أشار المجلس إلى أنه ينص على تعديل نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بالطلبة وكيفيات تطبيقه، إلى جانب التنصيص على استمرار العمل، خلال فترة انتقالية تحدد بنص تنظيمي، بالتغطية الصحية الاختيارية التي توفرها هيئات عامة أو خاصة لمأجوريها بواسطة عقود جماعية لدى شركات التأمين.
كما يشمل المشروع، وفق المجلس، استمرار العمل بالتغطية الصحية الاختيارية التي توفرها بعض الهيئات لمأجوريها وأصحاب المعاشات لدى الجمعيات التعاضدية أو في إطار صناديق داخلية، شريطة أن تكون هذه التغطية مماثلة على الأقل لما يوفره التأمين الإجباري الأساسي عن المرض.
وأضاف أن المشروع يتضمن أيضا توضيح شروط الاستفادة من نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بالأشخاص غير القادرين على تحمل واجبات الاشتراك “أمو- تضامن”، فضلا عن تعزيز حكامة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بما يتيح مزيدا من النجاعة والفعالية في تدبيره.
توحيد هيئة تدبير “أمو” غير كاف.. ومخاطر تهدد الاستدامة
بعد تأكيده الأهمية الهيكلية لهذا الإصلاح، نبه المجلس إلى عدد من الرهانات ونقاط اليقظة التي يتعين أخذها بعين الاعتبار، بما يضمن انسجام هذا الورش واستدامته.
وفي هذا السياق، شدد المجلس على أن توحيد هيئة تدبير أنظمة التأمين عن المرض، على أهميته، يظل غير كاف لوحده لضمان الإعمال الفعلي لمنظومة تغطية صحية شاملة ومنصفة ومستدامة، داعيا في هذا الصدد إلى الحرص على التعميم الفعلي والشامل للتأمين الإجباري الأساسي عن المرض، بما يتيح استفادة مجموع الساكنة من التغطية الصحية، مع تقليص حالات عدم الانخراط أو “الحقوق المغلقة” إلى الحد الأدنى.
كما أكد المجلس أن الاستدامة المالية تشكل رهانا أساسيا يتعين الانكباب عليه، مبرزا أن بعض أنظمة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، من قبيل نظام “أمو- أجراء القطاع الخاص” ونظام “أمو- تضامن”، تحقق توازنا ماليا، في حين تتطلب أنظمة أخرى تتبعا دقيقا لوضعيتها المالية من أجل ضمان تغطية الاشتراكات للتعويضات.
ولفت إلى أن ضمان هذا التوازن والحفاظ عليه يكتسي أهمية أساسية لجعل منظومة التأمين موثوقة ومستدامة، مشيرا إلى أن نقل نظام يعاني من عجز مالي بنيوي، مثل الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، إلى هيئة ذات إطار تدبيري موحد، هي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، دون إجراء إصلاحات مقياسية قبلية وإرساء آلية قيادة ملائمة، قد ينطوي على مخاطر تهدد استقرار المنظومة.
وأبرز المجلس أن تحقيق الالتقائية التدريجية بين أنظمة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، طبقا للقانون-الإطار رقم 09.21، يشكل هدفا أساسيا، مؤكدا أن بلوغ هذا الهدف يتطلب مواءمة تدريجية للقواعد المطبقة، لاسيما ما يتعلق بالاشتراكات وسقفها، ومستويات التعويض، وسلة العلاجات، بما يضمن إنصافا فعليا لجميع المؤمنين.
وشدد على أن استدامة هذا الورش تظل رهينة بتعبئة موارد مالية مستدامة، واعتماد سياسات عمومية طموحة تروم دعم الاستثمار وإحداث مناصب الشغل وتشجيع النمو الدامج، موردا أن هذا المسار يقتضي أيضا اعتماد مقاربة مندمجة لدعم إدماج الاقتصاد غير المنظم، من خلال تعزيز تنظيم المهن، والتكوين والتأهيل، والتربية المالية، إلى جانب اعتماد إصلاحات تشريعية وتنظيمية ملائمة.
توصيات لتعزيز حكامة التغطية الصحية
إلى ذلك، اقترح المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي جملة من التوصيات الرامية، بحسبه، إلى تيسير المرحلة الانتقالية لنقل الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وتعزيز الحكامة، وضمان الإنصاف بين جميع فئات المؤمنين، والحفاظ على الاستدامة المالية، إلى جانب تحديث آليات التدبير عبر تفعيل رافعة الرقمنة.
وفي هذا الإطار، دعا المجلس إلى العمل بصفة استعجالية على إنجاز دراسة اكتوارية شاملة تغطي أفقا زمنيا لا يقل عن 20 سنة لكل نظام، تكون مرفقة بدراسات سوسيو-اقتصادية ودراسات أثر، مع الحفاظ على التوازنات المالية للمنظومة من خلال مراجعة اشتراكات القطاع العام، سواء عبر حذف سقف الاشتراكات أو ملاءمة نسبها، وتحيين التعريفة الوطنية المرجعية التي لم تعرف أي مراجعة منذ سنة 2006.
كما أوصى بجعل التسجيل في نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض إلزاميا للجميع، مع إلغاء مفهوم “الحقوق المغلقة”، بما يضمن الولوج غير المشروط إلى العلاجات.
ودعا، في السياق ذاته، إلى تعزيز وإعادة تأهيل قطاع التعاضد في مجال التغطية الصحية، عبر توفير عرض تكميلي موثوق، وإرساء حكامة دامجة تضمن تمثيلية منظمة وموسعة للمؤمنين والفاعلين المعنيين.
وحث أيضا على ضرورة إعادة العمل بنظام التغطية الصحية الخاص بالطلبة بشكل مستقل عن وضعية أوليائهم، مع اعتماد آلية تلقائية لفائدة الطلبة اليتامى أو الذين لا يستفيد آباؤهم وأمهاتهم من أي تأمين.
وطالب المجلس باتخاذ تدابير إلزامية لتقنين النفقات الطبية والتحكم فيها، من خلال تطوير وتنفيذ البروتوكولات العلاجية الملزمة لهيئات تدبير التأمين الإجباري الأساسي عن المرض ومهنيي الصحة، وتعميم الوصفة الطبية الإلكترونية، والإعمال الكامل لصلاحيات واختصاصات الهيئة العليا للصحة.
ودعا المجلس كذلك إلى وضع حسابات وطنية للحماية الاجتماعية، وتطوير نظام معلومات رقمي وطني لجمع المعطيات المتعلقة بالنفقات الصحية وحجم استهلاك العلاجات، وتحليلها وتتبعها واستباقها، مع احترام سرية المعلومات الطبية.






