سيناريو الفاجعة.. تدفقات فيضانية استثنائية تضرب آسفي وتخلف 37 قتيلا

نورالدين عفير- مصطفى بلقتيب
تشكل سيناريو فاجعة مدينة آسفي، الذي تسبب إلى حدود صباح اليوم الاثنين، في مصرع 37 ضحية، إثر تدفقات فيضانية استثنائية خلال فترة زمنية وجيزة (ساعة واحدة)، مرتبطة بـ”وادي الشعبة” الذي يخترق عاصمة “عبدة” عبر قسمين، ويلتقيان عند المدينة العتيقة التي توجد في المنحدر.
وعلم موقع “رسالة 24″، أن تدفقات مائية هائلة شهدها “وادي الشعبة” على بعد أزيد من خمسة كيلومترات تقريبا عن مدينة آسفي، حيث كانت محملة بأطنان من الأوحال والأتربة التي تكدست في المجاري المائية، مما حال دون التمكن من تصريفها على الرغم من إعادة هيكلة شبكات تصريف مياه الأمطار والصرف الصحي عبر شبكة مركزية كبرى، تنبثق عنها شبكات ثانوية، في سعي من المسؤولين إلى تصريف مياه الأمطار الاستثنائية، كما حصل أول أمس الأحد 14 دجنبر الجاري، في حدود الرابعة عصرا.
تساقطات مطرية فاقت كل التوقعات
شهد إقليم آسفي، طيلة أمس الأحد، تساقطات مطرية فاقت كل التوقعات، وعرفت المدينة تدفقات استثنائية ناجمة عن تساقطات مطرية شديدة خلال فترة المساء، أدت إلى وقوع خسائر بشرية ومادية جسيمة تمثلت في مقتل 37 شخصا، حسب بلاغ رسمي، كما غمرت المياه لما يقارب 70 منزلا ومحلا تجاريا في المدينة القديمة، خاصة في شارع بئر أنزران وساحة أبو الذهب، اللذين شهدا عبر التاريخ أحداثا مماثلة، وسبق أن وصلت أمواج البحر إلى الدكاكين كما وقع أمس الأحد.
كما جرفت السيول عشرات السيارات، وتضررت مقاطع طرقية رابطة بين آسفي والجماعات الترابية المجاورة للمدينة، ما أدى إلى انقطاع شبه كلي لحركة المرور بها. وتضررت المدينة العتيقة بشكل مباشر وبنسبة كبيرة من خلال فاتورة الخسائر المادية والبشرية دون بقية الأحياء بحكم موقعها الجغرافي على مستوى المدينة التي تتشكل في غالبيتها من منحدرات تدفع بالمياه طبيعيا إلى أسفل المنحدر حيث تتواجد المدينة العتيقة.
“وادي الشعبة” وهضبتان عاليتان
وما أدى إلى غمر المدينة العتيقة بمياه الأمطار بهذه السرعة التي باغتت مالكي المحلات التجارية التي يفوقها عددها 350 محلا مؤلفة أساسا من العديد من القيساريات، راجع بالأساس إلى “وادي الشعبة” الذي تحيط به هضبتان عاليتان “الهضبة اليمنى” و”الهضبة اليسرى” اللتين تزودانه بالمياه، ناهيك عن المياه الوافدة من القرى والمداشر المحيطة بالمدينة، والتي تصب في هذا الوادي، بالإضافة إلى فيضان السد المائي المتواجد على أطراف آسفي، والذي لم يستوعب كل المياه، ناهيك عن وصول مياه الاحياء إلى قعر المدينة.
وأدت هذه العوامل مجتمعة إلى غرق الدكاكين والبيوت بعلو مياه فاق المترين، بل وصلت السيول إلى ميناء أسفي المجاور للمدينة العتيقة، وجرفت عددا من آليات الصيد المركونة على الرصيف البحري .
الشركات الجهوية متعددة الخدمات
وفي موضوع ذي صلة، تتجه الأنظار بصفة مباشرة إلى الشركات الجهوية متعددة الخدمات (SREs) ، باعتبارها المسؤول الأول عن التطهير بالمدينة وتنقية البالوعات، في حين تستمر السلطات العمومية وكافة القطاعات والمتدخلين في تعبئتها الشاملة قصد مواصلة عمليات البحث عن مفقودين محتملين، والتدخل الميداني وتأمين المناطق المتضررة، وتقديم الدعم والمساعدة اللازمة للساكنة المتأثرة بهذه الوضعية الاستثنائية.
تعليق الدراسة بالمؤسسات التعليمية لثلاثة أيام
أعلنت المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بآسفي، عن تعليق الدراسة بجميع المؤسسات التعليمية على مستوى الإقليم لمدة ثلاثة أيام، بسبب سوء الأحوال الجوية.
وأفادت المديرية في بلاغ لها، بأنه، وبتنسيق مع السلطات الإقليمية، تقرر تعليق الدراسة بجميع المؤسسات التعليمية بالإقليم أيام الاثنين، الثلاثاء والأربعاء كتدبير احترازي.
وأكدت أن هذا الإجراء، يأتي تفاعلا مع مضامين النشرات الإنذارية التي تصدرها مديرية الأرصاد الجوية، وحرصا على سلامة التلاميذ والأطر التربوية والإدارية من الأخطار الناجمة عن سوء الأحوال الجوية والتي تقتضي التحلي بالحيطة والحذر.
وأضافت، أنه تم التنسيق مع رؤساء المؤسسات التعليمية قصد الحرص على سلامة التلاميذ والأطر التربوية والإدارية، وذلك من خلال تفعيل خلية اليقظة المحلية والتنسيق مع كافة المتدخلين والسلطات المحلية، واتخاذ كافة الإجراءات الوقائية والاحتياطية، والتعامل الفوري من النشرات الإنذارية.
وأشارت المديرية إلى تضرر مدرستين ابتدائيتين غمرتهما المياه دون أن تخلف أي خسائر بشرية جراء التساقطات المطرية الاستثنائية التي شهدها الإقليم أمس الأحد.
الوكيل العام للملك يأمر بفتح بحث قضائي
من جهته، أعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بآسفي، أمس الاثنين، أنه على إثر السيول الفيضانية التي شهدها إقليم آسفي مساء أمس الأحد 14 دجنبر الجاري، والتي أدت إلى وفاة حوالي 37 ضحية في حصيلة مؤقتة، أن النيابة العامة فتحت بحثا في الموضوع من طرف الشرطة القضائية للوقوف على الأسباب الحقيقية لهذا الحادث الأليم والكشف عن ظروفه وملابساته.
تقييم السلطات المحلية للخسائر البشرية والمادية
وخلال ثلاث مناسبات، أفادت السلطات المحلية بإقليم آسفي، بأنه وعلى إثر التساقطات الرعدية جد القوية التي شهدها الإقليم، والتي أدت إلى إحداث تدفقات فيضانية استثنائية خلال فترة زمنية وجيزة (ساعة واحدة)، تم إلى حدود صباح اليوم الاثنين، وفي حصيلة مؤقتة، تسجيل سبع وثلاثين حالة وفاة، نتيجة السيول الجارفة، وتسربها إلى عدد من المنازل والمحلات، فيما تم إسعاف 20 شخصا آخرين يخضعون حاليا للعناية الطبية على مستوى مستشفى محمد الخامس بآسفي، من ضمنهم شخصان بقسم العناية المركزة.
أما فيما يتعلق بالخسائر المادية، فقد عرفت مدينة آسفي، بصفة خاصة، أضرارا متعددة، حيث وفي حصيلة أولية، تم تسجيل غمر مياه الأمطار لسبعين منزلا ومحلا تجاريا على مستوى المدينة القديمة بآسفي، خاصة شارع بئر أنزران وساحة أبو الذهب، وتضرر المقطع الطرقي الرابط بين آسفي ومركز جماعة أحرارة على مستوى الطريق الإقليمية 2300، وانقطاع حركة المرور بعدة محاور على مستوى المدينة.
وأوضحت السلطات المحلية، أن السلطات العمومية وكافة القطاعات المعنية ومختلف المتدخلين، عملوا على التعبئة الشاملة لجميع الوسائل اللوجستيكية والموارد البشرية، من أجل التدخل الفوري لمواجهة هاته الوضعية الاستثنائية، وتقديم الدعم والمساعدة للمواطنين، مشيرة إلى أن الجهود ما زالت مستمرة من أجل البحث والعثور عن مفقودين محتملين وإعادة تشغيل شبكات الربط الطرقي وشبكات الخدمات بالإقليم، واتخاذ التدابير اللازمة لتأمين المناطق المتضررة، وتوفير الدعم والمواكبة لفائدة الساكنة المتأثرة بهذه الوضعية الاستثنائية.
وتؤكد السلطات المحلية بإقليم آسفي، في هذا الإطار، على ضرورة الرفع من مستوى اليقظة، واعتماد أقصى درجات الحيطة والحذر والالتزام بسبل السلامة، في ظل التقلبات المناخية الحادة التي تعرفها بلادنا، بما يضمن الحفاظ على الأرواح والممتلكات والحد من المخاطر المحتملة.
الحالة الجوية خلال عطلة نهاية الأسبوع
تعزى الحالة الجوية التي شهدها المغرب، خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، أساسا إلى تمركز منخفض جوي علوي معزول (cut-off) المعروف علميا بـ”منخفض القطعف”، فوق البلاد، مصحوب بكتلة هوائية باردة واضحة في الطبقات العليا من الغلاف الجوي.
وأوضحت المديرية العامة للأرصاد الجوية، أن هذا التوزيع الجوي وجد سياقا ديناميكيا ملائما بشكل خاص لتطورعدم استقرار جوي ملحوظ. كما سمح بتدفق مستمر للهواء الرطب في الطبقات السفلى، قادما من المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، مما خلق بيئة مواتية لتشكل أنظمة سحابية صاعدة نشطة، كانت سببا في هطول أمطار أحيانا غزيرة وتساقط ثلوج مهمة على المرتفعات.
وقد سجلت عدة مناطق من المملكة، تراكمات مطرية تجاوزت 70 ملم خلال 24 ساعة، خاصة في أقصى الشمال الغربي للمملكة. أما سماكات الثلوج، فقد وصلت إلى 50 سم في كل من الأطلسين الكبير والمتوسط، مع تسجيل ذروات تجاوزت 80 سم على قمم الأطلس المتوسط.
وقد ساهمت هذه الحالة، التي تميزت بدرجة عالية من التغير، في تشكل خلايا جوية غير مستقرة أدت إلى هطول أمطار معتدلة إلى محليا غزيرة، لا سيما في كل من تطوان وآسفي، حيث سجلت الأولى حوالي 50 ملم خلال ساعة واحدة فقط، بينما شهدت الثانية 19 ملم في ساعة واحدة (بين الساعة 15 و16)، ليصل مجموعها إلى نحو 35 ملم خلال ست ساعات فقط.
إصلاحات مدرجة بين 2025 و2027
صادق المجلس الترابي لآسفي مارس الماضي، عبر دورة استثنائية على تمرير اتفاقية شراكة لتمويل وإنجاز الشطر الأول من البرنامج الشمولي المندمج لتأهيل وتثمين المدينة العتيقة.
ووفقا للاتفاقية، تم تخصيص ميزانية تقدر بـ254.96 مليون درهم، لتنفيذ الشطر الأول من المشروع الذي يمتد بين 2025 و2027، إذ سيعمل هذا المشروع بين حفظ التراث وتحسين البنية التحتية للمدينة.
وتأتي الاتفاقية في إطار شراكة بين عدد من الوزارات والمؤسسات الحكومية، فيما تتولى شركة العمران مراكش-آسفي الإشراف على تنفيذ المشروع.
ويتضمن المشروع العديد من المهام التقنية والهندسية التي ستتم وفق المعايير القانونية والفنية المعتمدة في هذا المجال. وسيتم وفق المشروع إعادة تأهيل الأسوار التاريخية للمدينة، بالإضافة إلى إصلاح الأبواب القديمة، وإعادة تأهيلها للحفاظ على قيمتها المعمارية واستدامتها. كما تنص الاتفاقية على ضرورة الحفاظ على الخصوصية التراثية للمدينة العتيقة خلال عملية الترميم، حيث سيتم الالتزام باستخدام المواد والتقنيات الأصلية، مع احترام الألوان والأشكال الهندسية التقليدية أثناء عمليات ترميم المعالم التاريخية. ويشمل المشروع، تهيئة المسار السياحي الممتد على طول الأسوار التاريخية، وتحسين مداخل المدينة العتيقة، بما في ذلك المدخل الشمالي عبر شارع مولاي يوسف، وتطوير الساحات التاريخية المحيطة بها، إضافة إلى تحديث الإنارة العمومية، فيما تشمل الخطة أيضا إعادة تأهيل كورنيش “أموني”، حيث سيتم إعادة هيكلة الشطر الثاني من الكورنيش.






