المغرب – كوت ديفوار.. شراكة اقتصادية تتجاوز الاستثمار نحو تبادل الخبرات

العربي وجعلا –
تميز اللقاء الذي جمع مؤخرا، عثمان الفردوس، سفير المملكة المغربية بكوت ديفوار، ونزيهة بلقزيز، الرئيسة المديرة العامة لمجموعة البنك الشعبي المركزي، التي كانت مرفوقة بفريق من مسؤولي المجموعة، من بينهم أرسان كوليبالي وجوسلين نغيسان، المدير العام والمديرة العامة المساعدة لبنك إفريقيا الأطلسي بكوت ديفوار (BACI)، بابراز أبعاد العلاقات الاقتصادية المغربية الإيفوارية التي تؤشر على بناء مرحلة جديدة، لا تقوم فقط على تدفق الاستثمارات المغربية نحو السوق الإيفوارية، وإنما أيضا على تبادل الخبرات والتجارب وبلورة شراكات يستفيد فيها الطرفان من نقاط القوة التي يتوفرعليها كل بلد.
كما شكل هذا اللقاء فرصة للتداول في العديد من القضايا المرتبطة بالاستثمار المغربي في غرب إفريقيا، وفي مقدمتها المخاطر الاستثمارية وكيفية تقييم المستثمرين المغاربة لها، فضلا عن الدروس التي يمكن للمقاولين المغاربة استلهامها من التجربة الاقتصادية الإيفوارية.
وأكد عثمان الفردوس، بالمناسبة أن جاذبية كوت ديفوار بالنسبة للمقاولات المغربية لا تقتصر على ما توفره من فرص استثمارية مباشرة، بل تمتد إلى إمكانات مرتبطة بـالولوج إلى المنبع الزراعي والمعدني، والاستفادة من نمو الطبقة الوسطى الإيفوارية.
وأوضح الفردوس أن هذا المعطى يضع الاستثمارات المغربية في اطار أوسع، يقوم على فهم خصوصيات الاقتصادات الإفريقية والاستفادة مما تعرفه من تحولات، بدلا من الاقتصار على نقل نماذج الأعمال المغربية كما هي. ومن بين أبرز المجالات التي تكتسي أهمية بالنسبة للمقاولين المغاربة، دينامية الشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPP)، التي أصبحت إحدى الآليات الرئيسية لإنجاز المشاريع الكبرى في كوت ديفوار، مستدلا في ذلك بمستوى الدينامية، حيث صادق مجلس واحدا للوزراء، انعقد في 5 غشت الماضي، على ثلاثة مشاريع في قطاع الكهرباء بطاقة إجمالية تصل إلى 735 ميغاواط، أي ما يعادل، وفق المعطيات التي أوردها، حوالي ربع القدرة الكهربائية المركبة في البلاد.
كما استحضر مشروع محطة الغاز في سونغون بقدرة 372 ميغاواط، والذي شارك بنك إفريقيا الأطلسي بكوت ديفوار في تمويله، في إطار امتياز يمتد لـ35 سنة لفائدة مشغل خاص.
ولا تقتصر الشراكات العمومية-الخاصة في كوت ديفوار على قطاع الطاقة، إذ تشير حصيلة المخطط الوطني للتنمية 2021-2025 إلى وجود محفظة تضم 126 مشروعا بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتشمل هذه المشاريع مجالات متعددة، من بينها التسجيل البيومتري للمؤمنين في منظومة التغطية الصحية، والشباك الموحد للتجارة الخارجية، والنقل عبر البحيرات في أبيدجان.
ويمنح المخطط الوطني للتنمية 2026-2030، وفق ما أورده الفردوس، الشراكة بين القطاعين العام والخاص دورا محوريا في تنفيذ البنيات التحتية الكبرى، بدءا من الطاقة وصولا إلى القطاع الرقمي.
ومن بين التجارب الأخرى التي توقف عندها اللقاء، الانتشار الواسع للدفع عبر الهاتف المحمول، حيث أصبحت كوت ديفوار، بحسب تدوينة السفير، أول سوق للنقود الإلكترونية داخل منطقة الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا (UEMOA) من حيث القيمة.
وأبرز حضور مجموعة البنك الشعبي المركزي في قطاع التكنولوجيا المالية، بعدما استثمرت، نهاية سنة 2018، في شركة Wizall Money، وهي شركة تكنولوجيا مالية انطلقت من داكار قبل أن تتوسع إلى أبيدجان بعد بضعة أشهر، وتعزز موقع الشركة في السوق الإيفوارية بعدما اختارتها الدولة لتنفيذ تحويلات مالية لفائدة المستفيدين من برنامج شبكات الأمان الاجتماعي.
وتعكس هذه التجربة، وفق القراءة التي قدمها السفير المغربي، أهمية متابعة الابتكارات التي تشهدها الأسواق الإفريقية، والاستفادة منها في تطوير نماذج مالية ورقمية قادرة على الاستجابة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة.
كما سلط الفردوس الضوء، على قدرة الفاعلين الاقتصاديين في المنطقة على بناء مجموعات متعددة الجنسيات بسرعة وعلى نطاق يتجاوز الحدود الوطني.، علما بأن بنك إفريقيا الأطلسي يقدم نموذجا لذلك، فقد تأسس البنك سنة 1978 بمبادرة من رجل أعمال إيفواري، قبل أن ينجح خلال نحو عقد من الزمن في الانتشار في سبع دول من منطقة الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا. وفي سنة 2012، دخلت مجموعة البنك الشعبي المركزي كمستثمر في البنك، في خطوة أسهمت في تعزيز البعد الإقليمي للمجموعة المصرفية.
ويرى الفردوس أن الطرفين استفادا من هذه العملية، إذ أتاحت لكل منهما اختصار سنوات من مسار التطور والتوسع، بما يعكس، في نظره، القيمة التي يمكن أن تنتجها الشراكات الاقتصادية عندما تقوم على تكامل الخبرات ورؤوس الأموال والشبكات الإقليمية.
وكشفت مضامين اللقاء عن تصور يتجاوز النموذج التقليدي للعلاقات الاقتصادية، القائم على انتقال رأس المال والخبرة من المغرب إلى كوت ديفوار، نحو نموذج أكثر تكاملا يقوم على التعلم المتبادل والاستفادة من التجارب المحلية وبناء مشاريع مشتركة.
وفي هذا السياق، عبر السفير المغربي عن تفاؤله بمستقبل العلاقات الإيفوارية المغربية، مؤكدا أن هذه العلاقة ما تزال تحمل إمكانات كبيرة للتطور، كما يكتسي هذا التوجه أهمية خاصة بالنظر إلى الحضور المتزايد للمقاولات المغربية في القارة الإفريقية، والحاجة إلى الانتقال من منطق التوسع الجغرافي إلى بناء شراكات مستدامة ومتكاملة تستفيد من الخصوصيات الاقتصادية لكل سوق.
وخلص عثمان الفردوس الى ابراز أهمية الشراكة بين البلدين، مستحضرا رؤية جلالة الملك محمد السادس التي عبر عنها خلال زيارته إلى أبيدجان في فبراير 2014، حين أكد جلالته أن إفريقيا «تحتاج بدرجة أقل إلى المساعدة، وتتطلب بدرجة أكبر شراكات ذات منفعة متبادلة»، وبين الشراكات العمومية-الخاصة، والدفع الإلكتروني، والطاقة، والبنيات التحتية، والتمويل، وبناء المجموعات العابرة للحدود، تبدو الرسالة التي حملها اللقاء واضحة: المستقبل الاقتصادي للعلاقات المغربية الإيفوارية لا يقوم فقط على ما يستطيع كل طرف أن يقدمه للآخر، بل على ما يمكن أن يتعلمه منه أيضا.






