قضايا وآراء

وجه بدون ماء

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس –

شكلت الاجتماعات رفيعة المستوى للدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك مناسبة قوية لاجتماعات ديبلوماسية دولية مكثفة في اتجاه تكريس الحل السياسي للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، على أساس قرار مجلس الأمن الأخير 2797 القاضي باعتماد مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب منذ سنة 2007 باعتبارها القاعدة الأكثر جدية وواقعية للتوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ونهائي للنزاع. وعلى هامش هذه الدينامية المتصاعدة والمتزايدة التي انضمت إلى ركبها العديد من دول المعمور، بعثت العصابة الحاكمة في الجزائر عبر حثالتها الديبلوماسية إلى هذه الدورة رسائل معاكسة بهدف إطالة أمد النزاع، والعودة به إلى نقطة الصفر، وإلى خيارات متجاوزة وغير واقعية ومنتهية الصلاحية، مثل خيار استفتاء تقرير المصير المقبور، والموصوف أمميا بالاستحالة.

فتَحْتَ مسمى ضوابط وشروط أملى وزير خارجية العصابة الحاكمة في الجزائر خمس نقط عامة ومجملة ومتوقفة، لا تتقدم بملف النزاع نحو أي أفق للحل، ومع ذلك اعتبرها ركائز أساسية لأي حل حقيقي لنزاع الصحراء، وهي كالتالي: أن الحل يجب التوصل إليه تحت الرعاية الكاملة والدائمة لمنظمة الأمم المتحدة، وأنه لا بد من مفاوضات مباشرة وصريحة بين من اعتبرهم طرفا النزاع: المغرب والجبهة الانفصالية، والضابط الثالث هو الإرادة المشتركة التي سيبلورها الطرفان، بعيدا عن أي طرف خارجي، والضابط الرابع أسماه بالعقيدة الأممية القائمة على تصفية الاستعمار، والضابط الخامس والأخير أن يفضي الحل بشكل نهائي وعادل إلى تمكين شعب الصحراء من حقه في تقرير المصير غير القابل للتصرف…

والناظر في هذه الضوابط والشروط والركائز، يجد أن الركيزة الأولى فيها تجُبُّ كل ما بعدها من ركائز، وأنها هي مناط الخلاف مع العصابة لكونها لا تؤمن بها أصلا ولا تدعمها ولا تتبناها بالفعل أو تنضبط لها. إذ طيلة افتعال الجزائر للنزاع وتبنيها للحل الانفصالي بشأن الصحراء المغربية، ودعمه بالغالي والنفيس وبالمال والسلاح والديبلوماسية، لم يثبت لها احترام للقرارات الأممية، ولا اعتقدت في حصرية منظمة الأمم المتحدة للنظر في النزاع، وطالما حاولت توسيع دائرة الهيئات والمنظمات الإقليمية والقارية والدولية الأخرى في إحالة ملف النزاع عليها للنظر فيه، وكثيرا ما طعنت في القرارات الأممية بشأن الصحراء، وتولت مهمة الاعتراض على العديد من ترتيبات التسوية، ومنها الاستفتاء نفسه الذي أغرقته بالمناورات والتدخلات إلى حين أن أحالته إلى مزق بعد تعذر عمليات إحصاء الهيئة الناخبة وتحديد الهوية، وتوقيف المنتظم الأممي لها، واعترافه باستحالة إجراء أي استفتاء في غياب تحديد دقيق لهوية المشاركين في الاستفتاء. ولنا في القرارات الأممية التي راكمت طيلة ربع قرن عناصر التطور في الحل السياسي الذي أفضى إلى مقترح الحكم الذاتي، عبرة في الطريقة البئيسة التي واجهت بها الجزائر كل التوصيات والقرارات بالرفض لها، ما لم تكن على مقاسها من حيث تأكيد حصرية استفتاء تقرير المصير كحل أوحد ووحيد للنزاع الذي افتعلته. ويكشف التصويت على القرار 2797 الذي طوى خيار استفتاء تقرير المصير إلى غير رجعة، في جلسة امتنعت الجزائر عن التصويت فيها وهي عضو غير دائم في المجلس، عن مبلغ نفاق العصابة التي واجهت المجتمع الدولي ومجلس الأمن والمنتظم الأممي بسيل من عبارات الاستنكار والرفض وعدم الامتثال لا لنتائج التصويت ولا للتوصيات بالدخول في مفاوضات لتنزيل الحل السياسي النهائي المتمثل في مخطط الحكم الذاتي الذي حيّن المغرب نسخته الجديدة، وقدمها في الموعد على طاولة الحوار والمفاوضات برعاية أممية، وبمشاركة جزائرية في المفاوضات كطرف لا كملاحظ أو متابع أو متفرج.

أن تقول العصابة الحاكمة في الجزائر بحصرية الأمم المتحدة للنظر في الملف، يستتبعه بالضرورة أن تؤمن بسمو الحل الذي صوت عليه مجلس الأمن بالإيجاب بأغلبية ساحقة لأعضائه، واقترحته منظمة الأمم المتحدة ودعت إلى مناقشته والتفاوض مع المغرب بشأنه، وهو ما لم تقتنع به الجزائر، وغردت وحدها وأزلامها خارج سربه، مع دعواها الكاذبة بالامتثال للقرارات الأممية، بل وقيامها في إملاءاتها لشروطها بتصدير شرط “حصرية الرعاية الأممية” التي لا تعترف بها واقعا وعمليا، أملا في اختراق الإجماع الدولي والتشويش على قرار مجلس الأمن من داخل المنتظم الأممي. مع العلم أن هذا الشرط وحده لو كانت الجزائر تؤمن به حق الإيمان، لأعفاها من الالتفاف عليه بالشروط الأخرى الأربعة التي تبطله وتنقضه وتفتري عليه. فشرط حصرية المفاوضات بين طرفين في النزاع لا تقره الرعاية الأممية القانونية والفعلية لمفاوضات تقرر أن تكون بأربعة أطراف: المغرب والجزائر والجبهة الانفصالية وموريتانيا، فقد حدد القرار الأخير لمجلس الأمن هذه الأطراف الأربعة المعنية مباشرة بالنزاع، بالإسم والصفة، بينما تنحرف العصابة الحاكمة في الجزائر عن هذه الحصرية، وتختار من تلقاء نفسها أن تسمي طرفين وتملي على القرارات الأممية من تعتبره هي طرفا ومن لا تعتبره.

أما شرط ما تسميه بالإرادة المشتركة بين طرفي المغرب والجبهة الانفصالية لمباشرة المفاوضات بينهما بعيدا عن إملاءات وفروض وتدخلات لأطراف خارجية، والذي تستهدف به الجزائر سل نفسها نظريا من النزاع، واعتبار ما تقوم به مجرد دور للملاحظة في إطار الجوار والاهتمام، فالعالم كله يعرف أن العصابة الحاكمة في الجزائر هي صاحبة الأمر والنهي في هذه المسرحية التي ألفتها وأخرجتها ومولتها ووزعتها ونشرتها، وجلبت لها ممثلين وكومبارس لتحريكهم على الركح. فعن أي طرف سيفاوضه المغرب تتكلم الحثالة الديبلوماسية الجزائرية، والحال أن هذا الطرف ولد في أنابيب الجزائر ودهاليزها وحضاناتها، يتحرك بإملاءات الجزائر، ومن القواعد الحربية الجزائرية، ومن مكاتب مخابراتها وإعلامها، وهو ذراعها في الحرب على المغرب والهجوم على أراضيه. إن الحديث عن مفاوضات بعيدا عن الإملاءات، يُلزم أول ما يُلزم العصابة الحاكمة في الجزائر المتحكمة في مخيمات الاحتجاز، والمسيرة للميليشيا الانفصالية صوت الجزائر في المنطقة وبوقها وذراعها.

أما شرط الالتزام بالعقيد الأممية لتصفية الاستعمار، فهو لغة إنشائية لا تتناسب مع لغة القانون الدولي ولا مع التطورات التي عرفها مصطلح تقرير المصير وتصفية الاستعمار الذي تحصره العصابة في استفتاء متجاوز ومستحيل، لا يراعي تطور القوانين الدولية ولا ما دعت إليه المقررات الأممية وراكمته من توصيات بشأن مسار حل نزاع الصحراء من ضرورة الأخذ بعين الاعتبار للتطورات الأخيرة لهذا المسار الذي أدى في النهاية إلى الاقتناع بتأكيد وتثبيت الحل السياسي التفاوضي في إطار السيادة المغربية وبناء على مقترح الحكم الذاتي. فما موقع الجزائر من هذه التطورات؟ وما مدى احترامها للإرادة الدولية والأممية في إنهاء النزاع ودعم الحل السلمي الأكثر قابلية للتطبيق والأكثر واقعية وعدالة ومصداقية؟

أما الشرط الخامس والأخير المتعلق بحق تقرير المصير فلا يجادل أحد أن أشكال تقرير المصير لا يمكن اختزالها في الأطروحة الانفصالية التي تمليها وتفرضها الجزائر كتأويل واحد ووحيد لهذا الحق، وإلا كان المجتمع الدولي والمنتظم الأممي والقوانين الدولية مجمعة على الانفصال ودعمه كحق شرعي في أي منازعة.

المطلوب من الجزائر التي وفر لها مقترح الحكم الذاتي فرصة ذهبية للتخلص من إرث الاستعمار والانفصال، أن تغتنم هذه المناسبة لحفظ ماء وجهها، لو كان للعصابة الحاكمة في الجزائر فعلا ماء وجه تخشى أن تريقه وتفقده بفعل التشبث المستميت بأطروحة بائدة عفى عنها الزمان، وانتهت في المزابل وتركها المجتمع الدولي خلفه، ولو لاح منها ولو بصيص أمل بحل عادل ودائم وشامل ونهائي، لوضعها كشرط مسبق قبل أن تضعها الجزائر، ولما تجاوزتها المقاربة الأممية الحالية.

السؤال هو كيف تسمح العصابة الحاكمة في الجزائر لنفسها أن تعظ بالقانون والشرعية الدولية وحقوق الشعوب والاحتكام الحصري إلى الأمم المتحدة، وهي سبب منع نفاذ القانون وتعطيل الشرعية الدولية وخرق الالتزامات والاتفاقيات، والتطاول على سيادات الدول وعرقلة الجهود الأممية في الوصول إلى حل سياسي، إلى الحد الذي صارت فيه هذه العصابة ليس فحسب طرفا أساسيا في نزاع الصحراء وحده، بل طرفا مركزيا في كل النزاعات مع جوارها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، ولا تكف عن التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار. وباعتبارها، كذبا وبهتانا، نفسها غير معنية بهذه النزاعات إلا من باب الجوار والحوار، وليست طرفا فيها بأي وجه، فإنه ينطبق عليها شرطها الثالث القاضي بالكف عن فرض إملاءات وحلول خارجية على المتنازعين، ولا نرى في موضوع الصحراء ممليا ومبتزا ومتدخلا وحاشرا أنفه وحاضنا أجنبيا مثل الجزائر، التي تطل على المنابر الأممية بوجهين بدون ماء، مغسولين من الحياء والكرامة والشرف، وجه يتحلل من أية مسؤولية لا عن الدور الثابت المتورط في النزاع حول الصحراء، ولا عن أي دور أو التزام ممكن في المساعدة على حله، ووجه آخر هو عين الإملاء والتدخل والتورط والعرقلة والتشويش، واعتراض الحلول الأممية، والرغبة المستميتة في الاحتفاظ بالنزاع قائما متجددا، وبغير حل، فقط لأن هذا النزاع يبيض ذهبا لعصابة تقتات وتتغذى من معاناة شعبها وجوارها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق