نتائج منطقية

بقلم: الأستاذ عبد الله الفردوس ــ
كان متوقعا وبشكل كبير جدا أن يصل المنتخب الفرنسي لكرة القدم إلى الدور النهائي لمونديال 2026، ولِمَ لا التتويج المستحق بالنسخة الجديدة من كأس العالم، بحكم قوة هذا المنتخب وتطوره المتلاحق والساحق سواء في البطولات القارية أو الدولية، وشاءت الأقدار أن يصطدم به في ربع النهائي، منتخبنا الوطني المغربي الصاعد والمرشح بدوره للأدوار النهائية، بحكم كونه رابع العالم في مونديال قطر 2022، وسادس الكبار في تصنيفات الفيفا، وأيضا بحكم نتائجه الموفقة التي أهلته للمرور من دور المجموعات إلى ثمن النهائي فربعه، مخلفا وراءه منتخبات عالمية أقصيت كلها من الأدوار الأولى والثانية، مشهود لها بالتميز والنجومية والعراقة في المشاركات، والفوز المتكرر في بطولات كأس العالم، منذ إنشاء هذا المحفل الرياضي الكبير، وبحكم بقاء هذا المنتخب الممثل الوحيد لإفريقيا بعد الإقصاء المتتالي لمنتخباتها المشاركة، وكان آخرها المنتخب المصري الذي أقصي في ثمن النهاية، مما جعل الضغط النفسي والذهني على منتخبنا يتضاعف باعتباره آخر قلعة عربية وإفريقية صامدة مطلوبة للإسقاط والإزاحة، وآخر جلد مطلوب سلخه، قبل أن يتفرد من تبقى من أباطرة الكرة في أوروبا وأمريكا اللاتينية، باقتسام مباريات النصف والنهاية، بين الأول والثاني والثالث، ويحال الباقي على ترتيب الثمانية الأوائل الذين حجز منتخبنا المغربي مقعده بينهم.
وبغض النظر عن الأداء غير الموفق لمنتخب أسود الأطلس في مباراة القمة التي جمعته بمنتخب الديكة، والتي انتهت بهدفين لصفر لصالح هذا الأخير، فإن ثمة عوامل كثيرة ومركبة ساهمت في هذه النتيجة، وإن تقبلتها الجماهير، بحكم تفوق المنتخب الفرنسي واكتساحه واختراقه صفوف المنتخب المغربي وخنقه، فإنها لم تتقبل أن يكون مستوى أداء منتخبها بهذه الهشاشة وبغياب للروح القتالية التي عهدتها في أسود أسالت دماءها وتمزقت عليها قمصانها وتكسرت عظامها وأسنانها، وفقدت لاعبيها، لتسجيل أهداف في مرمى الخصم، أو رد غيرها عن شباكها. ما حز في النفوس لم يكن خسارة مباراة، بل خسارة ثقة في فريق بدا لجمهوره ومحبيه ومشجعيه، ظاهريا باهتا وشاردا ومضغوطا، وإن كانت الكلمة التقييمية العلمية للمباراة من شأن المتخصصين والمحللين التقنيين الرياضيين، الذين نجد عندهم بعض الجواب أهمه أن المنتخب الوطني المغربي وصل إلى هذه المباراة السادسة له في مونديال 2026 منهكا ومثقلا بحمل نفسي وانهيار بدني ثقيل، فضلا عن ما خلفه وراءه من لاعبين أساسيين مصابين، تَركوا فراغا في الهجومات والتسديدات والتمريرات، لم يعوضه بدلاء لا يرقون إلى مباراة قمة عالمية كهذه، ومنهم أزيد من ستة لاعبين يشاركون لأول مرة في تظاهرة دولية من حجم كأس العالم، الذي خبره لاعبوا المنتخب الفرنسي عقودا من الزمن.
الحقيقة المرة التي ينبغي أن نقولها بصدد تقييم هذه المباراة، وبعيدا عن الترويج البئيس للتبريرات الخرافية والأسطورية من مثل المؤامرة والتواطؤ والخيانة والكولسة التي اعتادت منظومات رياضية عربية وإفريقية على تسويقها لجماهيرها لامتصاص غضبها، أو لإفلات مسؤولين من المحاسبة ومن كلفة تحمل المسؤولية وإصلاح الأعطاب والأخطاء، هو أن منتخبنا في هذه المباراة لم يكن في أحسن حال، ولم يتهيأ جيدا لمواجهة منتخب فرنسا، وأن الحملات الإعلامية المكثفة والطاغية قد أثرت في صفائه الذهني وتماسكه النفسي وشتتت تركيزه، سواء تلك الحملات النافخة في المنتخب إلى حد الأسطرة، والتي رفعته أعلى عليين لتنزل به بعد إلى أسفل سافلين، أو الحملات المضادة لها التي سخرت من المنتخب وتحاملت عليه، وزورت معطيات وأرقاما عنه وعن لاعبيه وناخبه، يتعلق عدد منها بالضرب في هويته وانتمائه الوطني والحضاري، ولم تترك هذه الحملات والتحريضات شاذة ولا فاذة من التبخيسات والتشويهات إلا وأثارتها في مسيرة المنتخب، بدءا بإحياء الملف القضائي الفرنسي ضد حكيمي في هذه المناسبة، مرورا بالغمز في ظروف التحاق بوعدي، وبانتماء عيسى ديوب من جهة الأب، والاستغلال البشع لتصريحات والد اللاعب نائل العيناوي… مرورا بدخول عدد من أشقائنا العرب والأفارقة على الخط، في إعلامهم الرسمي خاصة، لتذكيرنا كل مرة وفي كل انتصار، أننا نلعب بـ 11 لاعبا ولدوا جميعهم خارج المغرب، مع أنهم مغاربة، ومنهم من لعب في أندية مغربية، اختاروا الانحياز إلى وطنهم، ولا يمكن المزايدة على وطنيتهم، فضلا عن تجاهل كون عدد بارز وناجح وعالمي منهم، من إنتاج مغربي صرف لأكاديمية محمد السادس لكرة القدم، وللأندية الرياضية الوطنية، ولم يُقل مثل هذا الغمز واللمز في حق أي منتخب مونديالي يضم قوميات وذوي أصول عرقية، أو مجنسين لا تجمعهم أصول ولا فصول ولا حتى فروع ولا هوية مع منتخبهم المونديالي، بل لا تربطهم بجنسية منتخبهم أية صلة لا من جهة الأب ولا من جهة الأم ولا حتى من جهة اللغة أو الثقافة أو حتى الدين، وقد اضطرتنا مثل هذه الحملات المضللة والمغرضة التي حرضت ضد لاعبينا، واستهدفت التشكيك في اختياراتهم وانتمائهم، إلى مناقشة هذه التفاهة والرد عليها، وتحصين منتخبنا من انعكاساتها السلبية وخطورتها على نفسيات اللاعبين. فما أكثر المجادلات والمرافعات والردود في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وفي ميدان اللعب أيضا لدحض هذه الافتراءات وغيرها، التي انفجرت كلها دفعة واحدة على إثر مباراة المغرب فرنسا، وبدأت بالفعل في إخراج ثمارها الخبيثة، وتحقيق أغراضها المبيتة. ومن الغريب أن يصدقها قطاع واسع من جماهيرنا الرياضية، وبسطاء العامة، وللأسف الشديد بعض محللينا، الذين سقطوا في نظرية المؤامرة والخيانة والسمسرة و”بيع الماتش”، لتفسير ما وقع من تراجع في الأداء، وأثار مفعول الضغوط، وضعف الإعداد النفسي والذهني والتقني للاعبين لهذه المباراة الحاسمة، مشوهين بذلك مشوارا ناجحا وموفقا لمنتخب وطني صاعد طالما شرفنا وشكل مصدر فخرنا أمام العالم، والذي حقق إلى غاية المباراة السادسة الإقصائية في رصيده العالمي المعتبر، أربعة انتصارات وتعادلا واحدا، وحصادا غير مسبوق إفريقيا وعربيا من عشرة أهداف في شباك كل من البرازيل واسكوتلندا وهايتي وهولندا وكندا.
سنترك الأرقام والتصنيفات العالمية تتحدث عن هذا المنتخب الصاعد والواعد، ولنعد إلى جماهيرنا التي دعمت هؤلاء الشبان الحالمين معنا بالانتصار لمشروعنا الكروي الرائع، ونقول إن السقطة مع المنتخب الفرنسي العريق والعملاق المرشح بالتتويج بدون منازع في هذه البطولة، ليست إلا تمرينا عسيرا في هذا المسار الشاق والمشوق الذي اجتهدت منظومتنا الكروية ومشروعنا الرياضي الملكي في وضعه على سكته الصحيحة، ومن العيب أن نخربه ونحن في بداية الطريق الصحيح الذي قطعناه حثيثا إلى المونديال في وقت قياسي، استغرق من منتخبات عتيدة مدة أطول في البناء والتعهد والإصلاح والتقويم، وسبقتنا للخروج مبكرا من هذه البطولة.
للجميع أجر الاجتهاد وبقي أجر الإصابة في هذا الاجتهاد ينتظر التحقق، وقطعا إذا خلصت النوايا وسددت الخطوات، وأصلحت العثرات، وتعلمنا من الأخطاء، سنجني ثمرات النصر ونضمن المرور إلى دور أعلى من الدور الذي توقفنا عنده في هذه البطولة، فقد كان حلم التقدم والزحف قريبا، أفسدته تفاصيل ستكشف عنها التقييمات الرياضية النزيهة والموضوعية لأهل الاختصاص، بعد أن تهدأ العواطف والمشاعر المختلطة والقلوب المكلومة والخرجات المصدومة غير المحسوبة العواقب. وحسبنا من جلد الذات وإنكار أداء منتخبنا في مواجهة الآلة الكاسحة للمنتخب الفرنسي، أن منتخبنا الوطني لم يكن بالصورة القاتمة والمشوهة والمخزية التي تحاول بعض الجهات الظلامية الحاقدة أن تسوقها عنه إعلاميا وسياسيا، ليس ضد المنتخب الوطني المغربي، بل ضد المغرب دولة وأمة وشعبا وحضارة، والحال أن منتخبنا الوطني في السراء والضراء والمنشط والمكره، عنوان الشرف والشهامة والفخر والعزة والأخلاق الرياضية العالية بشهادة العالم المتحضر والأشقاء الطيبين الذين صنع أسود الأطلس فرحتهم، طيلة أزيد من شهر من مقاومتهم وصمودهم أمام أعتى الفرق والمنتخبات المونديالية العريقة، فأقصوها، وحفزوا حلمهم القومي والوطني لكسر قيود المستحيل العربي والإسلامي والإفريقي في بلوغ أطوار نصف أو ربع نهائي كأس العالم، وها قد كررنا أمامهم تجربة هذا الزحف والعبور، وامتحنا بنجاح قدرتهم وقدرتنا على مقارعة الكبار والمنتصرين الأبديين، وحجزنا مقعدنا في الصفوف الأولى المتقدمة، ولن يضرنا مستقبلا من خذلنا، كما لن تضرنا أخطاؤنا وكبواتنا العابرة، إن تعلمنا منها واعتبرنا.
يكفي أن لدينا حكماء وعقلاء في الميادين السياسية والثقافية والإعلامية والرياضية وضمن جماهيرنا الكروية العريضة، يمتلكون شجاعة لا نظير لها في محيطنا العربي والإفريقي للاعتراف بالأخطاء ومكامن الخلل، ولوم أنفسنا، وتقبل الهزيمة بكل روح رياضية، واحترام النتيجة المنطقية التي توقفت بنا عند حدود ربع النهائي، بدل البحث عن شماعة المؤامرة الخارجية وتكالب الأمم علينا لتعليق الأخطاء، دون أن تعني فضيلة الاعتراف نهاية حلم مشروع وقائم بالتتويج، يتأكد من محفل رياضي إلى آخر أنه ممكن التحقق، بالبناء الدائم لقدراتنا، وتعزيز ثقتنا في منجزنا الرياضي، ودعم منتخبنا العالمي في السراء والضراء وحين البأس، بدل التنكر له وإطلاق الإشاعات الباطلة والتشكيكات الظالمة في وجهه، وضرب مكتسباته الباهرة بجرة قلم وانفعال طائش.

