طنجة.. تحذير من تدهور مخزون الأسماك بالمتوسط

- رشيد عبود :
دق خبراء المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري بطنجة، ناقوس الخطر بشأن الوضع البيئي والبيولوجي لمصايد البحر الأبيض المتوسط، محذرين من مؤشرات علمية تؤكد تزايد الضغوط التي تواجه الثروة السمكية، وفي مقدمتها الاستنزاف المتسارع لبعض الأنواع التجارية والتغيرات المناخية التي باتت تعيد تشكيل المنظومة البحرية بالمنطقة.
واستند تقرير الخبراء، الذي تم تقديمه على هامش أشغال الدورة العادية الثانية للجمعية العامة لغرفة الصيد البحري المتوسطية برسم سنة 2026، المنعقدة الجمعة، 26 يونيو المنصرم، بمقر الغرفة بطنجة، إلى معطيات ميدانية حديثة رسمت صورة دقيقة للوضع الراهن للمصايد المتوسطية، مبرزا أن البحر الأبيض المتوسط، رغم محدودية مساحته مقارنة بالمحيطات العالمية، يحتضن تنوعا بيولوجيا استثنائيا يضم آلاف الأنواع الحيوانية والنباتية، غير أن هذا الغنى الطبيعي يقابله ضعف في وفرة المخزونات السمكية، ما يجعل المنظومة البحرية أكثر هشاشة أمام الضغوط الطبيعية والبشرية المتزايدة.
وأكد المصدر ذاته، أن الحفاظ على الثروة السمكية، أصبح مرتبطا بحماية الموائل البحرية الحساسة التي تشكل خزانات طبيعية لتكاثر وتجدد العديد من الأنواع، وفي مقدمتها الشعاب المرجانية والكهوف البحرية، موضحا أن هذه النظم البيئية تعرضت خلال السنوات الأخيرة لأضرار متزايدة بفعل بعض ممارسات الصيد غير الملائمة، خاصة بالمناطق التي تؤوي سمك البوراسي والأسماك القاعية، بما يهدد قدرة المخزون السمكي على التجدد مستقبلاً.
وسجل التقرير، تراجعا مقلقا في مخزونات الأسماك السطحية الصغيرة، وعلى رأسها السردين والشطون، نتيجة الإرتفاع غير المسبوق في درجات حرارة مياه البحر، التي تراوحت في بعض مناطق البحر الأبيض المتوسط بين 28 و30 درجة مئوية، وهي مستويات تتجاوز الحدود البيئية الملائمة لهذه الأنواع.
كما أدى هذا الوضع المقلق، إلى هجرة جزء من المخزون نحو الأعماق وتراجع أعداده بشكل ملحوظ، فضلا عن انخفاض أحجام الأسماك بنسبة تتراوح بين 20 و30 %، بسبب تراجع مستويات الأكسجين في المياه، وما يخلفه ذلك من تأثير مباشر على النمو البيولوجي للكائنات البحرية.
وتطرق التقرير أيضا، للوضعية الحرجة التي بلغها مخزون سمك البوراسي، حيث أكدت المؤشرات العلمية تسجيل مستويات غير مسبوقة من الاستنزاف، ما دفع اللجنة العلمية المختصة إلى التوصية بتخفيض الحصة السنوية المسموح بصيدها خلال سنة 2027، إلى 4.2 أطنان فقط، مقابل 40 طنا في السابق، بهدف تمكين المخزون من استعادة توازنه البيولوجي وتفادي خطر الانهيار.
ونبه التقرير، إلى تصاعد تأثير الأنواع البحرية الغازية، وفي مقدمتها الطحلب الأحمر الذي أصبح يشكل عائقا أمام عمليات الصيد ،عبر تغطيته للشباك ومزاحمته للأنواع المحلية، إلى جانب تفاقم ظاهرة “شباك الأشباح” التي تواصل استنزاف الأحياء البحرية بعد فقدانها في قاع البحر، فضلا عن تنامي الأضرار التي يتسبب فيها السلطعون الأزرق لمعدات الصيد، بما يزيد من الأعباء الاقتصادية التي يتحملها المهنيون.
وخلص التقرير، بالتأكيد على أن مستقبل المصايد المتوسطية يقتضي اعتماد نموذج جديد للتدبير يوازن بين متطلبات المحافظة على الموارد البحرية وضمان استدامة النشاط الإقتصادي والإجتماعي لقطاع الصيد البحري.
كما تمت الدعوة في هذا الإطار، إلى اعتماد فترات راحة بيولوجية مؤقتة بالنسبة لمراكب الصيد بالجر ”باريخا“، بهدف تخفيف الضغط على المخزون السمكي، مع مراجعة مخططات تهيئة المصايد بشكل دوري لتواكب التحولات المناخية والبيئية المتسارعة.
من جانبهم، شدد المهنيون، على ضرورة الانتقال من منطق البحث عن وفرة الكميات إلى تثمين جودة المنتوج ورفع قيمته المضافة، مع دراسة تجارب دولية تعتمد برامج المغادرة الطوعية لبعض وحدات الصيد مقابل تعويضات مالية، بما يساهم في تحقيق توازن مستدام بين قدرات أسطول الصيد الوطني وحجم الموارد البحرية المتاحة، ويعزز فرص الحفاظ على الثروة السمكية لفائدة الأجيال المقبلة.






