قضايا وآراء

الدرجة الصفر في الدبلوماسية

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس –

لم تعد العلاقات الخارجية لنظام العصابة الحاكمة في الجزائر تتحدد انطلاقا من مواقف الدول من قضية الصحراء المغربية، بل تطورت محددات هذه العلاقات في إطار متحور متلازمة تبون شنقريحة، بكل ما فاقمه اجتماعهما المشؤوم من سعار وتوسع في الكراهية والعداء، إلى درجة قياس علاقاتها وصداقاتها وتحالفاتها معها، بموقفها من المغرب جملة وتفصيلا، فأي دولة تتقارب مع المغرب تصنف في منطق العصابة على أنها دولة معادية للجزائر، ومهددة لسيادتها، وأي حليف للجزائر اختار ربط العلاقة مع المغرب وتوسيع صداقته معه يعتبر خائنا، ويسجل خطرا في الإعلام والصحافة الموالية للعصابة، وتعد علاقاته مع المغرب سببا كافيا للهجوم عليه صباح مساء، والتهديد بقطع العلاقات معه ومناصبته العداء، وشن حملات إعلامية مشينة ومغرضة ضده، ولو كان شريكا للجزائر، تربطه صلات ومصالح بها.

لم تعد قضية الصحراء، فحسب، نقطة ارتكاز في السياسة الخارجية الجزائرية وفي تصنيف الدول إلى موالية ومعادية للجزائر، بل صار المغرب كله أرضا وشعبا وحضارة ودولة هو نقطة الارتكاز في الرضى أو السخط، أو توقيع اتفاق أو فسخه، فإذا كان الموقف العدائي الأخير للعصابة من فرنسا وإسبانيا بنيا في ديبلوماسيتها الصفر، على أساس إعلان الدولتين تأييدهما للوحدة الترابية للمغرب ودعمهما لمقترح الحكم الذاتي للصحراء في إطار السيادة المغربية، فإن الموقف الأخير للعصابة وأبواقها الإعلامية العاوية، وأزلامها المسعورة من التقارب المغربي الموريتاني والسوري، يكشف عن حقد دفين يتجاوز الموقف المحدود المناهض لمغربية الصحراء، إلى موقف جذري حاقد وعدائي من المغرب كله. فلا موريتانيا ولا سوريا أبدتا موقفا واضحا ذا أهمية تذكر بخصوص الصحراء المغربية، أو يمكن وصفه بالتحول الكبير والدال، على غرار ما وصف به التحول الإسباني والفرنسي الواضحين والوازنين في دعمهما لمغربية الصحراء. كل ما في الأمر أن دولتي موريتانيا وسوريا اختارتا مزيدا من التعاون والتقارب مع المغرب، بحكم الجوار أو بحكم المصالح المشتركة، وقبل ذلك بحكم قراراتهما السيادية التي لا يحق لأي كان أن يمليها عليهما، خصوصا إذا كان هذا المملي المتطاول فاشلا في الحفاظ على علاقات مميزة ومتطورة ومتوازنة مع البلدين، وفاقدا للمصداقية، بل في الحالة السورية على سبيل المثال، كان معاديا للشعب السوري وثورته وقيادته الجديدة، وحليفا لنظام البراميل الذي قتل وشرد وهجر ملايين السوريين، ومع ذلك التزمت سوريا الجديدة بعدم فتح ملف التورط الجزائري في دماء السوريين حتى النخاع وإلى آخر دقيقة من أنفاس النظام البائد، والتزمت بالحفاظ على علاقاتها المتوازنة مع جميع الدول العربية، مَن أيّد منها نظام بشار ووقف ضد شعبه، كالجزائر، ومن قاطعه ولفظه وثبت على دعمه لحق الشعب السوري في الحرية والديمقراطية والأمن والسلام والتنمية، كالمغرب.

كان يكفي أن يزور وزير خارجية الجمهورية العربية السورية بلادنا للإعلان عن جديد إعادة فتح السفارة السورية بالرباط واستئناف العلاقات الديبلوماسية بين البلدين بعد زوال النظام الذي تسبب في قطعها، والإعلان أيضا عن حزمة من اتفاقيات التعاون، وتقاسم عبارات الاحترام المتبادل للوحدة الترابية للبلدين الشقيقين، لتثور ثائرة الدولة الحاقدة بجوارنا، وتطلق أبواقها الإعلامية لسب سوريا الجديدة، ووصف قادتها وساستها الجدد بأبشع النعوت، ليس لأنهم فتحوا قنصلية في الصحراء المغربية، بل لأنهم أعادوا فتح السفارة السورية في المملكة، ومن ثمة إعادة إطلاق خدماتها الديبلوماسية والقنصلية، العالقة سابقا، لصالح الشعبين والبلدين، فأين المشكل في هذا الزخم الديبلوماسي المغربي السوري غير الموجه ضد أي كان، والذي لم يتفوه فيه وزير ولا سفير ولا غفير بما من شأنه أن يستنفر حُمُر القطيع الجزائري للعن سوريا والسوريين، وتخوينهم، واعتبارهم من حملة الرايات السود الذين غدروا الجزائر النصير الدائم والمقيم والثابت لحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وقد تحدثت بعض الأخبار عن تطور وتحور هذا الهجوم السافر على زيارة الديبلوماسية السورية للمغرب، إلى أعمال عدائية وترويعية ضد المقيمين السوريين في الجزائر.

الشيء نفسه يمكن قوله عن التحركات الدائمة للعصابة الحاكمة في الجزائر للضغط على موريتانيا وتهديدها المبطن كلما تقاربت مع المغرب، أو تلاقت رؤاهما ومصالحهما في الجوار لتأمين مبادلات أو طرق ومعابر، أو تنسيق لعمليات تدخل، وتزداد حدة السعار كلما توجه البلدان إلى المستقبل مخلفين وراءهما مساعي العصابة لتوتير الأجواء وتوريط المنطقة في الحروب والنزاعات والكراهيات المفتعلة والتهديدات في كل الاتجاهات. وآخر هذه التهديدات ما تعرضت له قبل أيام وزيرة موريتانية سابقة من هجوم بئيس لأزلام نظام العصابة، فقط لأنها قالت كلمة عادية طيبة في حق المغرب دولة وملكا وشعبا، مفادها أن المغرب ليس مجرد جار لموريتانيا تربطهما حدود مشتركة فحسب، بل “وطن أخوّة راسخة”، ونموذج ملهم على جميع الأصعدة، مع دعوات بدوام علاقات حسن الجوار والصداقة الموريتانية المغربية.

لقد صارت العصابة مع توالي الانتصار لحل الحكم الذاتي للصحراء تحت السيادة المغربية، تحسب كل صيحة عليها، وتحسب مجرد النطق باسم المغرب أو سماع كلمة خير عنه عدوانا على سيادتها، ومساسا بأمنها القومي وبهيبتها المفقودة أصلا، واستفزازا لها، مثلها في ذلك مثل الثور الهائج الذي يستفزه مصارع الثيران بمجرد قطعة ثوب أحمر تشعل غرائزه وتلهب مشاعر غضبه وتفقده توازنه وأعصابه، وتوقعه في زلات ومطبات، تكون للعالمين فرجة وللناظرين فسحة، حتى يعلم الناس مَثَلُ القوم الذين حشرنا الله معهم في الجوار. هذا في الوقت الذي تؤكد فيه الرؤية الديبلوماسية الملكية المغربية السامية والحكيمة أنها لا تضع إطلاقا علاقات الجزائر بالدول الشقيقة والصديقة والشريكة للمغرب ضمن محكات ومعايير التقارب أو التباعد المغربي معها، احتراما للقرارات السيادية الحرة للدول، واحتراما أيضا لمصالحها المشتركة مع نظيراتها، معتبرة في الآن نفسه أن تعزيز روابط الصداقة والتعاون بين الدول يدخل ضمن ثوابت السياسة الخارجية المغربية ورؤيتها لمسار السلام والتنمية وتقوية العلاقات الدولية والشراكات الاستراتيجية المنتجة والمثمرة، دعما للاستقرار والأمن الدوليين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق