قضايا وآراء

التفاصيل ولا شيء غير التفاصيل

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس ــ

راهنت العصابة الحاكمة في الجزائر، ولا تزال تراهن على عنصر الزمن وعلى إمكانية حدوث مفاجآت تقلب الموازين لصالح أطروحتها الانفصالية بخصوص نزاع الصحراء، ونزول معجزات من السماء في آخر لحظات وضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق الإطار الذي ستسفر عنه مفاوضات الحل السياسي لنزاع الصحراء، برعاية أمريكية وتحت مظلة المنتظم الأممي. ومما يرشح من خطاب العصابة وإعلامها وأزلامها وأبواقها وحثالتها الديبلوماسية يوميا بشأن مساعيها للتحايل على الضغوط الأمريكية المتواصلة بهدف التعاون على إغلاق هذا الملف، بحثها الدائم عن أية قشة تتمسك بها للهروب من المفاوضات والتحلل من الالتزامات، ولتتجنب ما أمكن الانخراط في مسار التسوية الذي انطلق مع تصويت مجلس الأمن الدولي على القرار التاريخي 2797 والقاضي ببدء أطراف النزاع الأربعة ووفق أجندة زمنية ومرجعيات محددة بدقة، في مباحثات تنزيل مقترح الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية المغربية تحت السيادة المغربية. نذكر على سبيل المثال ما تمني به العصابة نفسها من توقع حدث دولي كبير يؤخر أو يؤجل أو يجمد أو يعطل التقدم الحاصل في مسار حل النزاع، فمع الحرب الإيرانية الأمريكية والحرب الإيرانية على دول الخليج العربي، وإغلاق مضيق هرمز وحصاره، تتوقع العصابة أن تعيد الولايات المتحدة الأمريكية وكذا المنتظم الأممي والمجتمع الدولي ترتيب الأولويات الدولية، بما يبعد ملف نزاع الصحراء عن مركز الاهتمام، ويعيده إلى مربعه الأول والقديم، ومن ثمة تأخير البت فيه إلى أجل غير مسمى، في انتظار حدوث تغييرات في الإدارة الأمريكية تبعد الرئيس ترامب بأي سبب إما بفشل سياسي في إدارة الحرب على إيران، أو بوفاة تتنفس بها العصابة الصعداء.   

غير أن العصابة تتفاجأ يوميا بما يسفه أحلامها وأمانيها، ويحولها إلى كوابيس ومخاطر تقلب عليها المواجع وتصيبها في مقتل، إذ رغم كل المستجدات التي فتحت بؤر توتر جديدة ومتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط وفي أمريكا اللاتينية وفي أوروبا وفي إفريقيا، فإن الزخم الذي يعرفه مسار الحل السياسي لنزاع الصحراء لم يتوقف عن التقدم خطوات هائلة ووفق الأجندة المحددة له وبناء على مرجعية قرار مجلس الأمن الأخير. فخلال الأسبوع الفارط شهد مجلس الأمن برمجة لجلسة إحاطة للمجلس بتطورات ومستجدات تنزيل القرار، أشاد خلالها المبعوث الشخصي للأمين العام الأممي بوجود “زخم حقيقي” في مسار التسوية الذي اعتبره فرصة غير مسبوقة في اتجاه الحسم، وأشار من ضمن ما أشار إليه إلى قرب التوصل لاتفاق إطار لتنزيل النسخة المفصلة من الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب، الأمر الذي يعني، وخلافا لأماني العصابة الحاكمة في الجزائر ودعاياتها الكاذبة، أن النقاش الآن ومستقبلا يجري في تفاصيل الحل وفي تدقيقات وتحسينات لنسخة الحكم الذاتي المعروضة، وليس في مبدأ الحل أو في قبوله من رفضه.

الزخم الذي تحدث عنه ديميستورا، في هذه الظرفية الدولية الدقيقة التي اندلعت فيها الحرب في الخليج والشرق الأوسط، لا يتعلق فحسب بتطورات المفاوضات، بل وأيضا بزخم زيارات مبعوثين أمريكيين وقادة عسكريين إلى المنطقة، وتحديدا الزيارات المتلاحقة والمكثفة إلى الجزائر، للضغط على العصابة لإبداء مزيد من التعاون واحترام مسارات الحل، والدخول في تفاصيل فتح مخيمات الاحتجاز بتندوف وتفكيكها، وإحصاء ساكنتها، ومناقشة أوضاع الرهائن وتقرير مصيرهم. ومن الزخم أيضا في الملف، والداعم لمخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، سحب ما تبقى من الدول المغرر بها اعترافاتها السابقة بجمهورية بوليساريو الوهمية، وإعلان دعمها الكامل للوحدة الترابية للمغرب، وفتح صفحة جديدة من الوضوح والتعاون في علاقاتها مع المغرب.

تعتقد العصابة الحاكمة في الجزائر أن من شأن إخراج ورقة الساحل وأعمالها الإرهابية فيه، أن تصرف النظر عن ملف الصحراء، وتلوح بها في وجه أمريكا والدول الداعمة للوحدة الترابية للمغرب، موحية أنها لم تفقد السيطرة في المنطقة وأنها قوة نافذة وضاربة، وعامل وازن في الوساطة والسمسرة والتجارة والمساومة القارية، متصورة أن ابتزاز العالم بالورقة الإرهابية والانفصالية في مالي، يمكنه أن يخفف الضغط الأمريكي عليها في ملف الصحراء ويعرقل في آن تسريع التوجه إلى الحل المقرر والمحتوم.

تحاول العصابة الحاكمة في الجزائر السير على النهج الإيراني الفاشل في ابتزاز دول العالم بورقة إغلاق المعابر والمضايق والممرات، لزعزعة استقرار أسواق النفط والتضييق على الدول وجرها إلى مخططاتها العدوانية، فما كان إلا أن انقلبت عليها هذه الورقة بضرب الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية وقطع شرايين الحياة عنها، وتكبيد الاقتصاد الإيراني خسائر تزيد عن 500 مليون دولار يوميا، وتحويل الابتزاز إلى طوق خانق للمبتزين ودافع لهم نحو الاستسلام للإملاءات الأمريكية. نفس الأمر يحصل اليوم مع قطع طريق السلام والاستقرار والتنمية على دولة مالي، وفتح العصابة الجزائرية لواجهة أخرى للصراع والنزاع في المنطقة، بتوظيف ورقة الضغط الإرهابية والانفصالية في دولة مالي، والفرح بالهجمات العدوانية على دولة جارة و”شقيقة”، والشماتة في الأحداث الدموية والتخريبية الخطيرة التي تهدد وحدتها الترابية وأمنها واستقرارها، قبل أن تستدرك العصابة، أول أمس الإثنين، خطابها العدواني بخطاب آخر نفاقي وغادر يؤكد بالحرف كذبا وادعاء وتملقا “الموقف الجزائري الواضح والثابت الداعم لوحدة مالي أرضا وشعبا ومؤسسات”؟؟؟ ولا يسعنا أمام هذا التصريح الذي أدلى به وزير خارجية العصابة الحاكمة في الجزائر بعد فوات الأوان، عن حرص العصابة على وحدة أراضي دول الجوار التي عملت على تقسيمها وتمزيقها ورعاية الانفصال والإرهاب فيها، وعن دعمها لوحدة الشعب المالي الذي تدخلت في شؤونه الداخلية وحرضت مختلف مكوناته الثقافية والعرقية والقبلية على العداء والخصومة والقطيعة والاحتراب، وعن دعم مؤسسات الدولة المالية التي وصفت قياداتها ورموزها وإداراتها بالتافهين والأجلاف والجرذان، إلا إدانة هروب العصابة الدائم من تحمل مسؤولياتها السياسية والأخلاقية عن الحرائق والفتن التي تشعلها في المنطقة المغاربية والساحلية التي سمتها الحثالة الديبلوماسية الجزائرية بـ”فضائنا الساحلي”.

وبالمقابل، فإن هذه الحركات التضليلية والتشتيتية للانتباه الداخلي والخارجي عن ما تواجهه العصابة أمام المجتمع الدولي من عزل وضغط في ملف الصحراء المغربية خاصة، لن تزيد هذا الملف إلا استعجالا لتنزيل حله، ووضعا للعصابة وجها لوجه أمام تفاصيل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية التي تتهرب من مناقشتها، وتهرب النقاش إلى مالي والتشاد والنيجر و”فضائنا الساحلي” الذي ضربت به الطوق على نفسها، ولن تجني من قيادتها للأعمال التنسيقية بين الانفصال والإرهاب في المنطقة، إلا ارتدادا للسموم إلى جسمها، وخرابا لبيتها الداخلي وجريمة في حق شعبها، وتصنيفا لدولتها كراعية وحاضنة للإرهاب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق