
مصطفى قسيوي –
وصفت الصحافة الفرنسية الوضع الدبلوماسي للنظام الجزائري، بأنه “في عزلة خانقة” بعد تعرضه لـ”صفعتين متتاليتين” من فرنسا والمغرب، أضعفتا موقف الجزائر الإقليمي ودبلوماسيتها التقليدية.
وفي مقال تحليلي تحت عنوان “الجزائر: هذا الانتكاس المزدوج الذي يعمق عزلتها أكثر من أي وقت مضى”، ذكرت مجلة “ليكسبريس” الفرنسية، أن أولى هذه الصفعات التي تلقاها النظام الجزائري جاءت من باريس، إثر تبني الجمعية الوطنية الفرنسية في 30 أكتوبر، بمبادرة من حزب التجمع الوطني، قرارا يدعو إلى مراجعة اتفاق 1968 المنظم للهجرة بين فرنسا والجزائر، والذي يمنح امتيازات خاصة للمهاجرين الجزائريين، وقد تمت المصادقة على نص القرار بشكل مفاجئ، في سابقة هي الأولى من نوعها بالنسبة لمقترح صادر عن حزب مارين لوبن.
وأضافت المجلة الفرنسية، أن الصفعة الثانية للجزائر جاءت من نيويورك، بعد أن صادق مجلس الأمن الدولي على القرار الذي يكرس مبادرة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء كحل سياسي واقعي ودائم، وهو ما اعتبرته المجلة “انتصارا دبلوماسيا باهرا للمغرب، وهزيمة مدوية للجزائر التي تدعم جبهة البوليساريو منذ نصف قرن”.
وسجل المصدر ذاته، أن هذه التطورات “تكشف حجم العزلة التي يعيشها النظام الجزائري، الغارق في صراعات داخلية ومتمسك بعقيدة عدم الانحياز البائدة”، مشيرا إلى أن “الجزائر، التي خسرت دعم أغلب جيرانها ولم تعد تحظى سوى بعلاقة شكلية مع تونس، فقدت بوصلتها الدبلوماسية “.
ونقلت المجلة عن الباحث ريكاردو فابيني، قوله إن “الجزائر ترفض بناء تحالفات حقيقية، ولذلك تجد نفسها عاجزة عن كسب الدعم عندما تحتاج إليه”، مشيرا إلى أن روسيا، الحليف التقليدي للجزائر وأكبر مزود لها بالسلاح، “لم تكلف نفسها حتى عناء استخدام حق النقض “الفيتو” ضد القرار الأممي المؤيد للمغرب.
من جهتها، قالت صحيفة “لوبوان” الفرنسية، إنه بعد خمسين سنة من الأخذ والرد، ومن مفاوضات ماراثونية في كواليس الأمم المتحدة، كسب المغرب معركة دبلوماسية غير مسبوقة حين صادق مجلس الأمن الدولي، يوم الجمعة 31 أكتوبر 2025، على قرار تاريخي يزكي بشكل رسمي مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب سنة 2007، كحل واقعي ونهائي لنزاع الصحراء المغربية، حيث شكل القرار، الذي حظي بموافقة 11 عضوا من أصل 15 دون أي معارضة، لحظة فارقة في مسار هذا الملف الذي طال أمده، ورسخ موقع المغرب كفاعل إقليمي يتمتع برؤية واضحة وحكمة استراتيجية.
وأكد التقرير، أن هذا القرار يمثل تتويجا لما وصفته الصحيفة بـ “دبلوماسية الصائغ” التي قادها المغرب على مدى عقود، بدقة وصبر وتوازن، حيث تمكنت المملكة من بناء شبكة متينة من التحالفات السياسية والاقتصادية، جعلت من مقترحها الواقعي قاعدة إجماع داخل مجلس الأمن، مدعوما من قوى وازنة مثل الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة، بينما اختارت روسيا والصين الامتناع عن التصويت، في موقف يعكس، حسب الخبراء، تغير موازين القوى لصالح المغرب في المحافل الأممية.
وأضافت الصحيفة الفرنسية، أن هذا النجاح الدبلوماسي لا ينفصل عن رؤية جلالة الملك محمد السادس، الذي جعل من الدفاع عن الوحدة الترابية أولوية استراتيجية للسياسة الخارجية المغربية، فمنذ خطابه الشهير في الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، أكد جلالة الملك أن المغرب لا يتفاوض حول صحرائه، بل حول سبل التعاون والتنمية المشتركة في إطار الحكم الذاتي، باعتباره حلا واقعيا ومنسجما مع الشرعية الدولية.
وسجل المصدر ذاته، أنه بينما يبدو هذا الموقف الحازم، المقرون بحضور اقتصادي متزايد للمملكة في إفريقيا، قد ساهم في تعزيز مصداقية المقاربة المغربية داخل المنتظم الدولي، فإنه شكل، على الجانب الآخر، صدمة للجزائر، التي رفض وفدها الدائم في الأمم المتحدة المشاركة في التصويت، معتبرا، على لسان السفير الجزائري عمر بن جامع، أن النص “لا يعكس كفاية مبادئ الأمم المتحدة في ما يخص قضايا تصفية الاستعمار”.
وأوضح محللون، أن هذه المقاربة الجزائرية التقليدية، فقدت الكثير من زخمها بعد أن تبين للمجتمع الدولي أن مقترح الحكم الذاتي هو الحل الوحيد القابل للتطبيق، في ظل المتغيرات الجيوسياسية الإقليمية، وتراجع خطاب الانفصال في إفريقيا.
كما يجمع المراقبون على أن لحظة التصويت الأخيرة في نيويورك كانت ثمرة خمسين سنة من الدبلوماسية الهادئة، القائمة على الإقناع بدل الصدام، وعلى بناء الشراكات بدل التحالفات الظرفية، فيما عبر عدد من المحللين الأوروبيين عن قناعتهم بأن المغرب لم ينتصر فقط في معركة دبلوماسية، بل في معركة الشرعية والمصداقية، بعدما استطاع أن يحول قضية الصحراء من نزاع سياسي إلى مشروع تنموي مندمج، يفتح آفاق التعاون الإقليمي بدل الانقسام.
وفي السياق ذاته، أشارت الصحيفة إلى أن قضية الصحراء المغربية دخلت مرحلة جديدة، حيث لم يعد الحكم الذاتي مجرد مقترح مغربي، بل أصبح، فعليا، إطارا دوليا للحل السياسي النهائي. ولفت المصدر الإعلامي ذاته إلى أن المملكة رسمت نهاية فصل وبداية آخر في تاريخ نزاع عمر نصف قرن، وهذا الفصل كتبته بحبر الصبر والدبلوماسية المتزنة، وأغلقته بتوقيع أممي يؤكد أن الشرعية لا تمنح، بل تكتسب بالعمل المتواصل والرؤية الاستراتيجية.






