مجتمع

مذكرة ترصد صعوبة العيش بالمناطق الجبلية

نورالدين عفير

أكدت مذكرة موجهة إلى رئيس الحكومة، أن نسبة الفقر متعدد الأبعاد في بعض المناطق الجبلية، تتجاوز 14 في المائة، مقابل 6.8 في المائة على الصعيد الوطني.

وأكد الائتلاف المدني من أجل الجبل في المذكرة التي توصل موقع “الأمة 24” بنسخة منها، أنه طبقا للتوجيهات الملكية السامية الواردة في خطاب جلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى 26 لعيد العرش، بادر إلى توجيه مذكرة إلى رئيس الحكومة اعتبرت أن “إنصاف الجبل ورش استعجالي لتصحيح التفاوتات وتحقيق العدالة المجالية”.

ولإبراز الوضع العام بالمناطق الجبلية، ركز الائتلاف المدني على معطيات أصدرتها مؤسسات رسمية (المندوبية السامية للتخطيط، إحصاء 2024، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والتقارير البرلمانية حول تقييم السياسات العمومية)، مشيرا إلى أن أكثر من 35 في المائة من ساكنة الجبال تعاني من صعوبة في الولوج إلى الخدمات الصحية الأساسية، و97 في المائة من المستشفيات بالنظام الصحي العمومي تتوطن بالوسط الحضري، و98 في المائة من التجهيزات الطبية بالقطاع العام تتركز بالمدن الكبرى “الرباط – الدار البيضاء – فاس – طنجة”.

وكشفت المذكرة، أن جل الأقاليم والجماعات الجبلية تعرف خصاصا مهولا في الخدمات الصحية، ضاربة المثال بإقليم تاونات الذي يتذيل الترتيب في عدد الأسرة “1.3 لكل 10 آلاف نسمة، والأطباء 1.33 لكل 10 آلاف نسمة، والممرضين 5.8 لكل 10 آلاف نسمة”.

واستحضرت المذكرة مستويات الهدر المدرسي، ونسب الأمية المرتفعة التي تفوق 47 في المائة، مقابل 32 في المائة وطنيا، مع نقص حاد في البنية التحتية الطرقية والرقمية مما يكرس عزلة العديد من القرى، مشيرة إلى أن هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى نزيف مستمر في الهجرة القسرية نحو المراكز الحضرية بسبب غياب فرص العيش الكريم.

وأكد المصدر ذاته، أن تقرير سابق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أظهر أن المناطق الجبلية تجسد نموذجا للتهميش رغم كونها ركيزة إستراتيجية للموارد المائية (70 في المائة من المخزون المائي)، والثروة الغابوية (62 في المائة)، والتنوع البيولوجي، والإرث الثقافي.

أما التقييم البرلماني لبرنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية (2017–2023)، ففضلا عن تثمينه المجهود المبذول، إلا أنه سجل وجود قصور في الحكامة والتنسيق القطاعي، وضعف الأثر الفعلي لهذه الاستثمارات واستدامتها، لغياب رؤية شمولية وقانون إطار ملزم.

واستحضر الائتلاف المدني من أجل الجبل، مقتطفات من خطاب العرش لسنة 2025، مبرزا أن جلالة الملك محمد السادس وقف على واقع الاختلالات المجالية والاجتماعية، مؤكدا أنه “لا مكان اليوم ولا غدا لمغرب يسير بسرعتين”، داعيا إلى “إحداث نقلة حقيقية في التأهيل الشامل للمجالات الترابية، وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية، والانتقال من المقاربات التقليدية للتنمية الاجتماعية إلى مقاربة للتنمية المجالية المندمجة”.

وعلى ضوء المعطيات الرقمية، اعتبرت المذكرة أن تفاقم الفوارق المجالية والاجتماعية يهدد تماسك المناطق الجبلية، مع الإشارة إلى ارتفاع كلفة معالجة العجز التنموي اجتماعيا واقتصاديا كلما تأخرت التدخلات، حيث تؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى تسريع وتيرة الهجرة القروية وتفريغ الجبال من ساكنتها، وفقدان الثقة في المؤسسات وتقويض ركائز النموذج التنموي الجديد.

ولتجاوز الوضعية المذكورة، تقدم الائتلاف المدني من أجل الجبل، بالعديد من المطالب منها اعتماد إطار قانوني ملزم، والتسريع بإصدار قانون إطار خاص بالمناطق الجبلية، يكون مرجعا استراتيجيا لتوجيه السياسات العمومية وضمان العدالة المجالية، واعتماد سياسات عمومية ملائمة للخصوصيات المجالية، من خلال مقاربة ترابية مندمجة تضمن الانتقال من التدخلات التقليدية إلى برامج جهوية شاملة ترتكز على تحسين الخدمات الأساسية (الصحة، التعليم، النقل، الماء)، وفك العزلة الترابية والرقمية، ودعم الاقتصاد المحلي والتشغيل للحد من الهجرة القسرية، مع اعتماد سياسة بيئية ومائية استباقية تراعي هشاشة الجبال.

وتجسدت الآلية المقترحة للتنفيذ في إحداث هيئة وطنية بصلاحيات عليا لتنمية المجالات الجبلية تحت إشراف رئاسة الحكومة، تضم ممثلي الوزارات، الجماعات الترابية، والخبراء والهيئات المدنية، مع التركيز على عقد مناظرة وطنية حول العدالة المجالية وتنمية الجبل قبل نهاية 2025 للتشاور حول مكونات القانون الإطار وتعبئة الموارد المالية والبشرية، قصد استفادة المناطق الجبلية من عائد ثرواتها ومن مزايا العدالة الجبائية.

وتمثلت آلية التنفيذ أيضا في وضع خطة حكومية محددة الأهداف والمؤشرات، تشمل نسب فك العزلة الطرقية خلال 5 سنوات، ونسب التغطية الصحية والحماية الاجتماعية في المناطق الجبلية، ونسب توسيع التزويد بالماء الشروب، ونسب الاستثمارات العمومية والخصوصية المستهدفة، ونسب توسيع شبكة الاتصال والخدمات الإلكترونية. وأبرزت المذكرة، أن إنصاف الجبل لم يعد خيارا محبذا، بل ضرورة وطنية وإستراتيجية لضمان التنمية المتوازنة، معتبرة أن تنزيل الرؤية الملكية السامية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إرادة حكومية قوية، مصحوبة باعتماد إطار قانوني واضح وسياسة عمومية ملائمة، وخطة تنفيذية ذات أثر ملموس في المدى القريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق