من سجلماسة إلى أبيدجان.. عثمان الفردوس يستحضر الامتداد التاريخي للصحراء المغربية ويعيد قراءة مسار المسيرة الخضراء

في مقال بعنوان «المسيرة الخضراء: من سجلماسة إلى أبيدجان، حكاية الصحراء المغربية»، يقدم عثمان الفردوس، سفير صاحب الجلالة الملك محمد السادس لدى جمهورية كوت ديفوار، قراءة تاريخية تربط قضية الصحراء المغربية بعمقها الإفريقي، مستحضرا امتداد الروابط التجارية والسياسية والاجتماعية التي جمعت المغرب ببلدان إفريقيا جنوب الصحراء، ومحطات تاريخية سبقت مرحلة الاستعمار وصولا إلى المسيرة الخضراء سنة 1975.
واستعاد عثمان الفردوس، في المقال، محطات من التاريخ المغربي والإفريقي، مسلطا الضوء على الروابط التي جمعت الصحراء المغربية بمناطق واسعة من غرب إفريقيا، مبرزا أن فهم تاريخ المنطقة لا ينبغي أن يقتصر على مرحلة الاستعمار الإسباني أو سنة 1975، بل يتطلب العودة إلى قرون من المبادلات والعلاقات التجارية والسياسية والإنسانية العابرة للصحراء.
وينطلق الفردوس في مقاله من فكرة محورية مفادها أن الصحراء لم تكن، عبر التاريخ، فضاء معزولا أو حاجزا بين شمال القارة الإفريقية وجنوبها، وإنما شكلت مجالا للتواصل والحركة والتبادل، اضطلع فيه الجمل بدور أساسي في ربط الضفتين، من خلال القوافل التجارية التي كانت تنقل الذهب والسلع والمعارف بين مراكز حضارية وتجارية، من بينها سجلماسة وتاودني وتومبوكتو وغاو وأودغست.
وفي هذا السياق، استحضر الفردوس التاريخ العريق للتجارة الصحراوية، مشيرا إلى أن طرق القوافل ظلت لقرون تربط المجال المغربي بإفريقيا جنوب الصحراء، وأن هذه الحركة لم تكن اقتصادية فحسب، بل ساهمت أيضا في انتقال الثقافات والتقاليد والروابط الاجتماعية والدينية بين شعوب المنطقة. كما توقف سفير المغرب عند تجربة موسم طانطان، الذي انطلق سنة 1963، وأدرجته منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية، باعتباره تجسيدا لاستمرار هذا الموروث الصحراوي، من خلال اجتماع القبائل الرحل والوفود القادمة من مختلف جهات المملكة وعدد من البلدان، في فضاء يستعيد مظاهر الحياة الصحراوية وتقاليدها.
وانتقل الفردوس إلى استحضار الامتداد السياسي والتاريخي للدولة المغربية جنوبا، متوقفا عند انطلاق المرابطين من المجال الصحراوي خلال القرن الحادي عشر، وتوحيدهم دولة امتدت من الأندلس إلى تخوم بلاد السودان، مرورا بمناطق وادي نون والساقية الحمراء.
ويبرز الدور الذي اضطلعت به القوافل والروابط الدينية والتجارية في تعزيز الصلات بين المغرب ومناطق غرب إفريقيا، في عودة سجلماسة إلى واجهة المبادلات التجارية خلال القرن الثالث عشر، وما ارتبط بها من حركة القوافل والحجاج، فضلا عن العلاقات التي نسجتها الدولة المغربية مع القبائل الصحراوية عبر مراحل تاريخية متعاقبة. وفي هذا الإطار، يسلط المقال الضوء على الروابط التي جمعت السلطان مولاي إسماعيل بالامتداد الصحراوي، مستحضرا أصول بعض الروابط الأسرية والاجتماعية والثقافية التي يرى الكاتب أنها تعكس عمق التداخل بين المجال المغربي والصحراء وموريتانيا، بما في ذلك انتشار اللهجة الحسانية.
ويخصص السفير حيزا مهما من مقاله لمرحلة القرن التاسع عشر، التي شهدت تصاعد التنافس الاستعماري الأوروبي على السواحل الإفريقية، مشددا على أن المغرب ظل حاضرا في تدبير شؤونه بالمناطق الجنوبية، من خلال ممارسة اختصاصاته وتدبير النزاعات المحلية وتأمين السواحل. واستحضر الكاتب في هذا السياق معاهدة سنة 1786 بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، وما تلاها من اتفاقات مع بريطانيا سنة 1856 وإسبانيا سنة 1861، بشأن حماية السفن والتعامل مع حالات الغرق على السواحل، فضلا عن النزاعات التي كانت تعرض على السلطان المغربي، ومن بينها النزاع المرتبط بمراعي الساقية الحمراء سنة 1866، والذي جرى البت فيه وفق الأعراف المحلية، كما توقف عند زيارة السلطان مولاي الحسن الأول إلى مناطق سوس ووادي نون سنة 1882، وما رافقها من إجراءات لتأمين الساحل الأطلسي الجنوبي ومنع رسو السفن الأجنبية، في سياق تزايد الأطماع الاستعمارية الأوروبية.
ويربط الفردوس هذه المرحلة بانعقاد مؤتمر برلين سنة 1884، الذي وضع قواعد جديدة لتقسيم مناطق النفوذ الاستعماري في إفريقيا، موضحا أن منطق التوسع الأوروبي لم يقتصر على السيطرة على السواحل، بل امتد إلى المناطق الداخلية وفق مفهوم “المجال الخلفي” أو ما يعرف بـ(Hinterland)، وهو ما ساهم، بحسب قراءته، في ترسيم حدود استعمارية قطعت أوصال المجال الإفريقي الذي ظل تاريخيا متصلا عبر الصحراء.
وفي امتداد لهذا التحليل، ذكر الفردوس بداية بالوجود الاستعماري الإسباني بالساقية الحمراء ووادي الذهب سنة 1884، وإعلان إسبانيا فرض حمايتها على المنطقة تحت تسمية «ريو دي أورو»، مشيرا إلى أن هذه التطورات تزامنت مع استمرار حضور السلطان مولاي الحسن الأول في المناطق الجنوبية، وتجديد عدد من شيوخ الصحراء وعلمائها وأعيانها البيعة له.
واستعاد المقال، بعد ذلك، سنة 1975 باعتبارها محطة مفصلية في مسار القضية، متوقفا عند الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 16 أكتوبر من السنة نفسها بشأن الصحراء الإسبانية، مع الإشارة إلى أن المحكمة أقرت بوجود روابط قانونية للولاء بين سلطان المغرب وبعض القبائل التي كانت تقطن الإقليم، وهي النقطة التي يضعها في صلب قراءته لمفهوم البيعة باعتباره رابطة تاريخية وسياسية في التقاليد المغربية، تجمع العاهل بشعبه، كما لفت إلى أن المغرب اختار قاضيا إيفواريا خاصا للمشاركة في بت المحكمة، في إشارة إلى الروابط التي تجمع المملكة بكوت ديفوار، مستحضرا في هذا السياق اسم القاضي ألفونس بون، الذي شغل عضوية المحكمة بصفة قاض خاص.
وأبرز الفردوس أن مسار إنهاء الاستعمار تزامن مع دعوة الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله صراع إلى تنظيم المسيرة الخضراء، في السادس من نونبر 1975، بمشاركة 350 ألف متطوع ومتطوعة، حملوا المصاحف والأعلام الوطنية، في مسيرة سلمية شكلت محطة بارزة في تاريخ المغرب المعاصر.
ويورد المقال معطيات مرتبطة بالتحضيرات اللوجستية للمسيرة، من بينها تسخير عشرات القطارات وأكثر من 7800 شاحنة لنقل المشاركين نحو طرفاية، قبل انطلاق المسيرة، إلى جانب الاتفاق الذي أعقبها في مدريد، والذي نص على مغادرة إسبانيا للإقليم قبل 28 فبراير 1976، وتسليم إدارته.
ولم يغفل السفير الإشارة إلى القرار 3458 للجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي أخذ علما باتفاق مدريد، كما استحضر القانون الذي أقره فيليكس هوفويه بوانيي، رئيس كوت ديفوار الأسبق، سنة 1946، لإلغاء العمل القسري، معتبرا أن تجربة التحرر من الاستعمار تشكل إحدى الخلفيات التي تساعد على فهم التقاطعات التاريخية بين المغرب وكوت ديفوار.
وفي ربطه بين الماضي والحاضر، توقف السفير المغربي عند عودة المملكة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، والتطورات الدبلوماسية التي أعقبت ذلك، بما فيها افتتاح القنصلية العامة لكوت ديفوار بمدينة العيون سنة 2020، وهي خطوة يقدمها باعتبارها مؤشرا على استمرار الروابط الإفريقية وعلى إعادة بناء جسور التواصل التي تأثرت بالحدود التي رسمتها المرحلة الاستعمارية.
واختتم الفردوس مقاله باستحضار صورة القوافل القديمة التي كانت تربط سجلماسة بتومبوكتو وأبيدجان، مقابل حركة الطلبة الأفارقة الذين يتوافدون اليوم على الجامعات المغربية، معتبرا أن الطريق التاريخي الذي ربط شمال إفريقيا بجنوبها يواصل امتداده بأشكال جديدة، قوامها التعليم والتعاون والتبادل الإنساني. ووضع الكاتب هذا الامتداد في سياق استمرارية تاريخية، معتبرا أن الملك محمد السادس يواصل مسارا ارتبط بأجيال من ملوك المغرب، وفي مقدمتهم السلطان مولاي الحسن الأول، الذي ينقل عنه المقال عبارة “أجدادي جاؤوا من الصحراء، وإليها سأعود”، في إشارة إلى الروابط التاريخية التي يسعى الكاتب إلى إبرازها بين المغرب ومجاله الصحراوي.
وبذلك، يقدم مقال عثمان الفردوس المسيرة الخضراء ضمن سردية تاريخية أوسع من حدث سنة 1975، تستحضر الصحراء باعتبارها فضاء للتواصل بين المغرب وإفريقيا، وتربط بين الذاكرة التاريخية والتحولات السياسية والدبلوماسية المعاصرة، وصولا إلى أفق جديد من التعاون المغربي الإفريقي.






