
نورالدين عفير _
كشفت الوثائق الأربعين التي أفرجت عنها الحكومة الإسبانية أمس الأربعاء، بشأن أحداث سبتة المحتلة مفارقة يصعب تجاوزها. فبينما انشغل جزء من النقاش الإسباني بالبحث عن مسؤولية مغربية، كانت الوثائق الأمنية والاستخباراتية نفسها ترسم مسارا مختلفا يبدأ بتحذيرات مبكرة من آثار قرار قضائي إسباني، ويمر بإجراءات مغربية ميدانية سبقت الأزمة، وينتهي بتعدد الروايات داخل الأجهزة الإسبانية حول ما وقع وأسبابه.
ونشرت الحكومة الإسبانية تقارير واتصالات صادرة عن الشرطة الوطنية والحرس المدني والمركز الوطني للاستخبارات CNI ومركز استخبارات القوات المسلحة CIFAS.
وأفادت مصادر إعلامية اطلعت على الوثائق، أن قرار المحكمة العليا الإسبانية 814/2026، غير طريقة التعامل مع الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولة الوصول سباحة، مذكرة أن الرباط ناقشت مع مدريد انعكاسات الحكم وحذرتها مسبقا من التداعيات التي يمكن أن يفرزها، وهو ما حذا بها إلى إبراز أن المغرب وضع المشكلة بشكل استباقي أمام الجانب الإسباني قبل نحو أسبوع من الانفجار الكبير للأحداث، ولم يكن ينتظر تنبيها من مدريد حتى يدرك طبيعة الخطر.
وأبرزت المصادر ذاتها أن التقارير الاستخباراتية والأمنية التي رفعت الحكومة الإسبانية السرية عنها تكشف فجوة بين ما كان معروفا داخل مدريد وما صيغ لاحقا بشأن المغرب. فالأرقام الإسبانية نفسها تؤكد حجم هذا الجهد، حيث سجل الحرس المدني 1,429 عملية اعتراض نفذتها القوات المغربية خلال أسبوع 20 إلى 26 يوليوز. وبين الثامنة صباحا من يوم 29 ويوليوز والثامنة من صباح يوم 30 يوليوز المنصرم، اعترضت القوات المغربية 493 شخصا من أصل 1109 محاولات سباحة. ولهذا انتهى أحد تقارير الحرس المدني نفسه إلى أنه لا يمكن الحديث عن “تخل واضح عن الوظائف” من جانب السلطات المغربية.
وكشفت المصادر أن المغرب “لم يكن الطرف الذي احتاج إلى تنبيه إسباني كي يبدأ التحرك، فعندما وصلت مذكرة من الأجهزة الأمنية الإسبانية إلى الأجهزة المغربية مساء 29 يوليوز، كانت الرباط قد سبقت مدريد في التحذير من تداعيات الحكم القضائي، وكان قد أمضى أسابيع في تعزيز المراقبة واعتراض المحاولات. وحتى المذكرة الإسبانية نفسها حملت وصف “إنذار مبكر” وختمت بشكر المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للدراسات والمستندات على تعاونهما القيم والمتواصل”.
وتظهر المفارقة بصورة أوضح في تقرير مركز استخبارات القوات المسلحة CIFAS الصادر ظهر 30 يوليوز 2026. فالوثيقة تقر بأن محاولات العبور ترتبط مباشرة بالآثار التي خلفها قرار المحكمة العليا على قدرة القوات الإسبانية على التدخل، كما تسجل اعتراض القوات المغربية لنحو 500 محاولة من أصل حوالي 1100، وتعتبر “مرجحا جدا” أن السلطات المغربية “لم تكن تشجع الموجة”.
وأفادت صحيفة “العرب” أن ما تكشفه التقارير الإسبانية نفسها يوثق “التحذير والاستباق والاعتراض والتعاون”، مبينة أنه على ضوء ذلك يصبح ضروريا التمييز بين المعلومة الاستخباراتية والتقدير السياسي المبني على الاحتمال، وهو ما يفسر جزءا من التباين الواضح بين الوثائق الإسبانية نفسها.
ووضع تقارير الحرس المدني فرضية “التواطؤ المغربي” في مرتبة متأخرة ضمن السيناريوهات المحتملة، بينما اعتبر تقرير آخر أنه “من غير المرجح أن تكون الدولة المغربية قد سمحت بالعبور الجماعي أو شجعته”.
بناء على ذلك أفادت صحيفة “العرب” أن الوثائق الأربعين تعيد بذلك مركز النقاش إلى حيث كان ينبغي أن يكون منذ البداية. فالخطر كان معروفا داخل إسبانيا، والآثار القانونية للحكم كانت محل تحذير، والدعوات الرقمية كانت مرصودة، والمعلومات انتقلت بين أكثر من مؤسسة، بينما كان المغرب قد بدأ الاستجابة ميدانيا قبل وصول “الإنذار الإسباني” إليه.






