المجلس الأعلى للتربية يرسم شروط إنجاح الخريطة الجامعية الجديدة ويحذر

الرباط- عبد الحق العضيمي –
اعتبر المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، أن نجاح مشروع مراجعة هيكلة الخريطة الجامعية العمومية يظل رهينا بتوفير جملة من المستلزمات، يأتي على رأسها وضع خطة لمواكبة الجامعات المحدثة، خصوصا منها التي لا تتوفر على عرض تكويني متنوع يرقى إلى عرض جامعي حقيقي، إلى جانب تسطير برنامج لتنمية الخدمات المواكبة، من أحياء جامعية، ومرافق رياضية وثقافية وفنية وترفيهية وخدماتية، تجعل من الجامعة فضاء ذا جاذبية، وحاضنا لحياة جامعية حقيقية.
وأكد المجلس، في رأيه حول مشروع “مراجعة هيكلة الخريطة الجامعية العمومية المغربية: المرتكزات والرؤية ومنهجية التنزيل”، أن هذا المشروع، الذي جاء بتدابير تسعى إلى معالجة مشكلة الاكتظاظ وإعمال العدالة المجالية عبر تقسيم عدد من الجامعات العمومية الكبرى، يمثل مكونا من بين مكونات أخرى لازمة لتحقيق الإصلاح الشامل المنشود لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي.
وشدد المجلس، في الرأي الذي أعده استجابة لطلب من رئيس الحكومة بتاريخ 6 أبريل 2026، على أن مراجعة الخريطة الجامعية العمومية، القائمة على مقاربة جزئية تنحصر في تقسيم عدد من الجامعات العمومية الكبرى، لا تكفي لتأسيس إصلاح شامل لمنظومة التعليم العالي، ما لم يتم إدراجها ضمن تصور أوسع يعالج كل أسباب الاختلالات القائمة.
وأوضح المجلس أن نجاح هذا التدبير نفسه، والمتمثل في مراجعة الخريطة الجامعية العمومية، يظل رهينا بتوفير جملة من المستلزمات تكفل تحقيق أهدافها المعلنة، محددا إياها في وضع خطة لمواكبة الجامعات المحدثة، خصوصا منها التي لا تتوفر على عرض تكويني متنوع يرقى إلى عرض جامعي حقيقي.
وأضاف المجلس أن هذه المستلزمات تشمل أيضا تسطير برنامج لتنمية الخدمات المواكبة، من أحياء جامعية، ومرافق رياضية وثقافية وفنية وترفيهية وخدماتية، تجعل من الجامعة فضاء ذا جاذبية، وحاضنا لحياة جامعية حقيقية.
كما دعا المجلس إلى توسيع التقسيم المقترح لتقليص حجم بعض الجامعات الكبرى التي ظل عدد طلبتها يتعدى، بفارق كبير، متوسط العدد المنشود، المحدد في حوالي أربعين ألف طالب، حسب الوثيقة المذكورة.
ومن بين المستلزمات التي أوردها المجلس كذلك إصدار النصوص القانونية اللازمة لتنفيذ مشروع الخريطة الجامعية المقترحة، الذي يمتد تنفيذه ما بين سنتي 2026 و2028، وإضفاء الطابع الإلزامي عليه.
وتتضمن الوثيقة المحالة على المجلس تصورا يروم مراجعة خريطة الجامعات العمومية المغربية، من خلال إرساء توزيع أفضل للعرض الجامعي عبر التراب الوطني، يسهم في حل مشكل الاكتظاظ في الجامعات العمومية، وجعل العرض التكويني متجددا، وأكثر ملاءمة مع متطلبات التنمية الوطنية والترابية.
وفي هذا السياق، تتضمن الوثيقة إعادة هيكلة الخريطة الجامعية، وفق مقاربة تقوم على محورين متكاملين، هما إعادة تنظيم الجامعات الكبرى، عبر تقسيمها إلى عدة جامعات، بهدف تخفيف الاكتظاظ، وتحسين التدبير، وتحقيق الإنصاف المجالي، وإحداث مؤسسات جامعية جديدة، واقتراح عرض تكويني يستجيب للحاجيات الوطنية والجهوية، ويواكب التحولات المرتبطة بالمهن والتخصصات المستقبلية.
وتستهدف المراجعة المقترحة تقسيم كل من جامعة ابن زهر بأكادير إلى 5 جامعات، وجامعة عبد المالك السعدي بتطوان إلى 3 جامعات، وجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء إلى 3 جامعات، وجامعة محمد الخامس بالرباط إلى 3 جامعات، وجامعة القاضي عياض بمراكش إلى 3 جامعات، وجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس إلى جامعتين، وجامعة مولاي إسماعيل بمكناس إلى جامعتين، وجامعة محمد الأول بوجدة إلى جامعتين.
في حين تبقي وثيقة المشروع على كل من جامعة شعيب الدكالي بالجديدة، وجامعة الحسن الأول بسطات، وجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، وجامعة مولاي سليمان ببني ملال، بدون تقسيم أو تغيير؛ مما سيمكن من الانتقال من 12 إلى 27 جامعة عمومية.
وسجل المجلس الطابع الإيجابي لما يحمله التوجه المتعلق بتقسيم الجامعات العمومية الكبرى من غايات وتدابير، في مقدمتها السعي إلى تكريس الإنصاف المجالي في توزيع العرض الجامعي العمومي، من خلال توزيع مجالي أفضل للجامعات العمومية، وتمكين المجال الترابي من أدوات تسهم في التنمية الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، من خلال جامعات فعالة ومتجذرة في محيطها الترابي.
كما أشار المجلس إلى العمل على التخفيف من الاكتظاظ داخل الجامعات العمومية، وهو ما من شأنه أن يساعد على تجويد حكامتها، فضلا عن الإسهام في تقريب الخدمات الجامعية من المواطنين، وربطها أكثر بحاجيات المجالات الترابية، والإسهام المحتمل في خلق نوع من التنافسية الإيجابية بين الجامعات العمومية، بشكل يحفزها على تحسين أدائها باستمرار.
ووقف المجلس أيضا عند كون الوثيقة، في مقدمتها، تعكس وعيا بالتحديات المرتبطة بالتحولات الاقتصادية، وسوق الشغل، وتأهيل الرأسمال البشري، غير أن هذا التأطير يظل في حدود الخطاب، دون أن يجد امتدادا منهجيا واضحا داخل باقي مكونات الوثيقة، التي تركز أساسا على البعد المجالي.
واعتبر أن استعمال الوثيقة مفهوم “المخطط المديري” باعتباره إطارا مرجعيا مؤطرا لإعادة هيكلة التعليم العالي لا يرقى إلى اعتماد مقاربة استراتيجية لهيكلة التعليم العالي، وتظل مقتصرة على مقاربة مجالية محضة لإعادة توزيع العرض الجامعي.
كما نبه إلى أن الوثيقة تؤكد أن الاكتظاظ يؤثر على جودة التكوين وظروف التعلم، كما تحدد أهدافا نوعية مثل تحسين جودة التكوين، وتقليص الهدر، وتعزيز قابلية التشغيل، وهو تشخيص يحيل على أبعاد متعددة ومتداخلة؛ بيداغوجية، وتنظيمية، وهيكلية، غير أن الحل المقترح اقتصر على إعادة تنظيم الخريطة الجامعية العمومية.
وأعاد المجلس التأكيد على أن المخطط المديري يشكل الأداة الاستراتيجية المركزية لتأطير مختلف التدخلات المرتبطة بالإصلاح، بما يضمن انسجامها وتكاملها وتدرجها في الزمن، ويمكن من تعزيز الربط مع دينامية الجهوية المتقدمة عبر مواءمة اختيارات إعادة هيكلة التعليم العالي مع خصوصيات المجالات الترابية، ومن ثم، ضمان انسجامها مع أولويات التنمية الجهوية.
وأكد المجلس في رأيه، أن التحول المنشود لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي يفرض اعتماد مقاربة شمولية متعددة الأبعاد، تقوم على إعادة هيكلة المنظومة، وتعزيز النموذج البيداغوجي، وإرساء حكامة ناجعة، وتكريس التكامل بين مختلف المسارات والتكوينات وبرامج البحث.
وفي هذا السياق، يرى المجلس أن المخطط المديري للتعليم العالي يعد مدخلا أساسيا لإعادة تأطير هذا المشروع ضمن رؤية إصلاحية شاملة ومندمجة، بما يتيح الانتقال من تدخالات مجزأة إلى رؤية مندمجة ومؤطرة.
وفيما يتعلق بالانتقال التدريجي من الولوج المفتوح إلى الولوج المحدود، كما ورد في وثيقة مشروع هيكلة الخريطة الجامعية العمومية، يرى المجلس أن صورة سلبية قد ترسخت عن المسالك ذات الاستقطاب المفتوح، بشكل أضر بها، وأصبح ينظر إليها باعتبارها نظاما غير ذي قيمة، وخيارا أخيرا يلجأ إليه الطلبة ممن لم يتمكنوا من الالتحاق بالمؤسسات ذات الاستقطاب المحدود.
وشدد المجلس على أن هذه المسالك ذات الاستقطاب المفتوح تسهم بشكل وازن في تكوين النخبة الفكرية والعلمية لبلادنا، لذلك أصبح من الضروري تثمين كل مسالك التكوين بجميع المؤسسات، والعمل على تنويع العرض التكويني الجامعي بما يمكن كل طالب من متابعة التكوين الملائم لإمكاناته، ولاختياراته.






