بين من يكتب التاريخ ومن يبصق في وجهه

بقلم: الأستاذ عبد الله الفردوس ــ
لم يتأهل المنتخب المغربي إلى ثمن نهائي كأس العالم 2026 في مباراة كبيرة حبست أنفاس الملايين، وهي أشبه بالموقعة العظيمة والملحمة الكبرى، فحسب، وإنما تأهلت معه تلك الروح التنافسية الرياضية السامية، وتلك القيم الجليلة في المثابرة على العمل، والصبر على الأذى، والتضحية والقتالية العالية لمنتخبنا التي خيمت على المباراة، والتي سبقتها حملات تشكيك رخيصة وتبخيس أرخص تصاعدت وتتالت منذ ربح المغرب لرهانه الرياضي الكروي الذي توج منتخبه في نصف نهائي كأس العالم 2022، كرابع دولي، وكأول منتخب عربي وإفريقي يصل إلى هذه المرتبة وهذا التصنيف وهذا المستوى غير المسبوق الذي رفع سقف طموح العديد من المنتخبات القومية العربية والإفريقية لتحقيق حلم المونديال في أبعد تقدير في ربع النهائي، وأزال من طريقها عقدة الهزيمة، ومتلازمة الفشل في الوصول إلى الأدوار المتقدمة والندية مع منتخبات كبار العالم وسادة التتويج والكؤوس في العالمين الأوروبي والأمريكي اللاتيني…
ورغم ما قدمه المغرب الرياضي قيادة ومسؤولين ومؤطرين وأطقم وناخبين ومنتخب وجماهير من رؤى ومخططات وبنى تحتية وكفاءات، لربح رهان الندية والتنافسية لصالح الكرة العربية والإفريقية، ولإلهام أجيال جديدة من المدبرين والشباب الوقاد، فإن ثقافة التبخيس والتيئيس، والكراهية والأحقاد الدفينة، والغيرة القاتلة من ثلة من أشقاء الدرب وإعلامهم البئيس والرخيص، كانت هي النظارة السوداء التي عكرت أجواء الأخوة والتضامن والمصير المشترك، وأبت إلا أن تظهر قرونها وعماها في بلاطوهات التحليل التلفزي للأشقاء، لتؤكد العداوة الثابتة للنجاح، إلى الحد الذي يضحي فيه من نحسبهم أشقاء وأصدقاء بمصالحهم المتلاقية بالضرورة مع مصالح المغرب الذي رفع دوما شعار “رابح- رابح” في الاقتصاد كما في الرياضة والأخلاق والمعاملات.
حسنا فعل إعلامنا الرسمي ومنتخبنا الرياضي الكروي في صرفه النظر عن الدخول في مناوشات وردود أفعال سيئة ومؤذية من الجدل العقيم، ورد السيئة بسيئة مثلها، والسباب بالسباب والشتم بأمثل منهما، وتجنبه الخوض في مزابل الأحقاد التي تأكل الأكباد، فوحدها الأرقام والمراتب والتصنيفات والأقدار من يتكلم في ميدان العمل والمثابرة، والثقة في سلامة التوجه، وخلوص العمل من كل ما قد يشوبه ويشينه من سلوك معيب، وحرص على الأخلاق والروح التنافسية الشريفة.
إن ما بثه المنتخب الكروي الوطني المغربي من طاقة إيجابية وسط الأجواء العربية والإفريقية المشحونة بثقافة الكراهية وبطاقة سلبية مسمومة، ومعها جزء كبير من أجواء الهيمنة الاستعمارية، والاستكبار العالمي، لقمين به أن يكون درسا بليغا لكل هؤلاء الأغبياء والحمقى والمخربين، الذين يكررون نفس ما ثبت لهم عيانا وواقعا استحالة بلوغه، وهو تحطيم معنويات فريق كروي صاعد باهر ومبهر أداء وسلوكا وخلقا، وشعب تواق لتحقيق ما عجز المثبطون، بسوء عملهم، عن تحقيقه من مكتسبات لأمتهم، وأقلها الانتصار في معركة أخلاقية ضد الكراهية والبغضاء والتخلف، وإشاعة الفرحة والأمل في غد أفضل تقلب فيه الموازين لصالح أمة وقارة ظلا في التاريخ المعاصر خارج معادلات التنمية والتحرر من عقدة الاستعمار الغاشم وثقافته في احتقار الشعوب وربطها وإلى الأبد بالضعف والهوان والتهميش من كل الاستحقاقات الإنسانية الكبرى والندية في المعاملة.
الخطوات الناجحة والمقْنِعة للمنتخب الكروي المغربي في ميدان رياضي صرف، ما هي إلا انعكاس جزئي لخطوات تنموية جبارة يخطوها المغرب الجديد، ليس ضد أي كان، بل مع الجميع من أجل ربح رهانات التنافسية والعمل المشروع الذي ترفعه السلوكات الإيجابية، والنتائج الميدانية، والالتزام التام بالقيم والمبادئ الإنسانية، واحترام قواعد اللعبة وتقدير الخصم المنافس حق تقديره، ومعرفة قدر الذات والنفس على تخطي الصعاب.
إن العالم الطيب الذي أحب المغرب في منتخبه الكروي الخلوق والصبور على المكاره وظلم ذوي القربى، وقلة النصير على الحق والقانون، يجد في هذا الفريق وبلده نموذجه المنشود في الانتصار لإنسانية جديدة تجمع ولا تفرق، وتبث طاقة جبارة للحلم بغد أفضل للسلام والتنافس الشريف.
رغم كل الأداء الجبار المبهر لمنتخبنا، سنجد في إخوان لنا بغوا علينا من سيقول إنه منتخب ضعيف انتصر بالصدفة ولو كسب كل المباريات وربح كل الرهانات، وإذا أعوزتهم حجة لتأكيد هذه الفرية، انتقلوا إلى وصف الفرق والمنتخبات الكبرى والقوية التي أقصاها منتخبنا وفاز في مواجهتها بندية، أنها فرق ضعيفة تراجعت مستوياتها السابقة، كما قيل سابقا عن المنتخبين الإسباني والبرتغالي في فوز منتخبنا عليهما في مونديال 2022، وكما قيل عن الندية التي واجه بها منتخب البرازيل في هذا المونديال، ومع ذلك ظل هؤلاء المتقولون يتهيبون من ملاقاة منتخباتهم هذه المنتخبات العريقة والكبيرة ويرجفون منها، وقد ولوها الأدبار في معارك الكرامة والعزة، وفرحوا واحتفلوا بمجرد أن منتخباتهم تجنبت مقابلة الكبار وجبنت في ميدان إثبات الذات والقدرات والكفاءة، وتمنت ملاقاة الموت لا ملاقاة البعبع الإسباني أو الأرجنتيني أو البرازيلي.
فلا نامت أعين الجبناء، والعز والفخر للشرفاء الأوفياء الذين أخرسوا بأقدام الحق الأبلج ألسنة هؤلاء الأدعياء والمغرورين الذين قال لهم لسان حال منتخبنا الوطني الأبي، ما قاله الشاعر العربي:
عَلَيَّ نَحْتَ القوافي مِن مَعادنِها وما عَلَيَّ إذا لمْ تَفْهَمِ البَقَر




