
الرباط- عبد الحق العضيمي
رصد تقرير لمركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، بعنوان “خمس سنوات من النموذج التنموي الجديد: ماذا تحقق وما الذي تعثر؟”، حصيلة متباينة لمسار تنزيل النموذج التنموي الجديد، مسجلا تقدما في عدد من الأوراش الاجتماعية والاقتصادية التي أطلقت خلال السنوات الخمس الماضية، مقابل استمرار اختلالات بنيوية وتحديات هيكلية اعتبرها من أبرز المعيقات التي ما تزال تؤثر على وتيرة النمو والتشغيل وجودة الخدمات العمومية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وأوضح التقرير، أن الدولة انتقلت، عقب إطلاق النموذج التنموي الجديد باعتباره خارطة طريق استراتيجية لمغرب المستقبل، إلى تنزيل مجموعة من الأوراش الكبرى التي اعتبرت مدخلا أساسيا لبلوغ الأهداف التي رسمها هذا النموذج، لا سيما في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية. وأبرز أن هذه المرحلة شكلت اختبارا فعليا لمدى قدرة السياسات العمومية على ترجمة التوصيات والتوجهات الاستراتيجية إلى إجراءات عملية تنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين.
الحماية الاجتماعية في صدارة المكتسبات
وفي استعراضه لأبرز ما تحقق خلال السنوات الخمس الماضية، اعتبر التقرير أن ورش الحماية الاجتماعية والدعم المباشر يمثل أحد أهم الإصلاحات التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، بالنظر إلى المكانة المركزية التي خصه بها النموذج التنموي الجديد باعتباره آلية لتقليص الفوارق الاجتماعية وتعزيز الكرامة الإنسانية وتوسيع الاستفادة من الحقوق الاجتماعية الأساسية.
وسجل التقرير تقدما مهما على مستوى تعميم التغطية الصحية الإجبارية، مشيرا إلى أن عدد المستفيدين من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض ارتفع إلى أكثر من 32 مليون مستفيد خلال سنة 2025، أي ما يعادل حوالي 88 في المائة من مجموع سكان المملكة، مقابل نحو 42 في المائة فقط قبل إطلاق ورش التعميم.
وأضاف المصدر ذاته أن نظام “أمو تضامن” أصبح يغطي ما يقارب 11 مليون مستفيد من الفئات الهشة، وهو ما يعكس، بحسب التقرير، التحول الكبير الذي عرفته منظومة الحماية الاجتماعية خلال فترة وجيزة.
كما أفاد التقرير بأن برنامج الدعم الاجتماعي المباشر شهد توسعا ملحوظا منذ انطلاقه في دجنبر 2023، حيث بلغ عدد المستفيدين خلال سنة 2025 حوالي 12,5 مليون مستفيد موزعين على ما يقارب 3,9 إلى 4 ملايين أسرة بمختلف جهات المملكة، من بينهم حوالي 5,5 ملايين طفل وأكثر من 1,3 مليون شخص تفوق أعمارهم 60 سنة.
وأوضح التقرير أن قيمة الاعتمادات المالية التي تم صرفها في إطار هذا البرنامج بلغت حوالي 40,5 مليار درهم، مبرزا أن هذا النظام يستهدف تحسين القدرة الشرائية للأسر الهشة وتقليص آثار الفقر والهشاشة الاجتماعية، من خلال تقديم دعم مالي مباشر يختلف حسب تركيبة الأسرة ووضعيتها الاجتماعية، مع تحديد حد أدنى للدعم في 500 درهم شهريا للأسر المستفيدة.
غير أن التقرير سجل، في المقابل، استمرار تحديات مرتبطة بفعالية الولوج الفعلي إلى الخدمات الصحية وجودة التكفل، موضحا أن عدد المستفيدين الفعليين من التغطية الصحية لم يتجاوز 25,6 مليون شخص عند متم سنة 2024، أي ما يعادل نسبة تغطية فعلية في حدود 70 في المائة، رغم ارتفاع أعداد المسجلين في النظام.
وأضاف أن تحديات التمويل والاستدامة المالية وتحسين جودة الخدمات الصحية والاجتماعية ما تزال من بين أبرز الإكراهات المطروحة أمام استكمال تنزيل هذا الورش بالشكل الذي يحقق الأهداف التي راهن عليها النموذج التنموي الجديد في مجال العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق وتعزيز الدولة الاجتماعية.
الاستثمار والبنيات التحتية.. والرهان على النمو
وبموازاة هذا الورش الاجتماعي، سجل التقرير أن الاستثمار ظل أحد المحاور المركزية التي راهن عليها النموذج التنموي الجديد لتحقيق النمو الاقتصادي وخلق فرص الشغل وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وأوضح التقرير أن الدولة عملت على رفع حجم الاستثمار العمومي بشكل غير مسبوق، حيث بلغت ميزانية الاستثمار العمومي المبرمجة برسم سنة 2026 حوالي 380 مليار درهم، وهو ما يعكس توجه الدولة نحو جعل الاستثمار رافعة أساسية لتحريك الاقتصاد الوطني ومواصلة إنجاز المشاريع الاستراتيجية الكبرى.
وأورد أن هذا التوجه شمل تعزيز الاستثمارات في قطاعات النقل والطاقات المتجددة والماء والصناعة والرقمنة والبنيات التحتية الاجتماعية، بما ينسجم مع أهداف النموذج التنموي الجديد الرامية إلى بناء اقتصاد أكثر تنافسية وقدرة على الصمود.
وفي السياق ذاته، توقف التقرير عند الميثاق الجديد للاستثمار باعتباره أحد أهم الإصلاحات الاقتصادية المرتبطة بتنزيل النموذج التنموي الجديد، موضحا أنه جاء استجابة للتوجيهات الملكية الرامية إلى إحداث نقلة نوعية في جاذبية المغرب الاستثمارية وتحسين مناخ الأعمال.
وأشار التقرير إلى أن هذا الميثاق يهدف إلى توجيه الاستثمار نحو القطاعات ذات الأولوية وتقليص الفوارق المجالية وتحفيز خلق فرص الشغل القارة وجذب الاستثمارات الوطنية والأجنبية، من خلال آليات دعم جديدة ومنح استثمارية يمكن أن تصل إلى 30 في المائة من قيمة الاستثمار بالنسبة لبعض المشاريع.
وأفاد التقرير بأن هذه الدينامية أفرزت نتائج مهمة على مستوى تعبئة الاستثمارات، حيث صادقت اللجنة الوطنية للاستثمارات، منذ بداية الولاية الحكومية، على 381 مشروعا استثماريا بقيمة إجمالية بلغت 581 مليار درهم، وهي مشاريع يرتقب أن تساهم في إحداث أكثر من 245 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر.
كما سجل التقرير ارتفاع مداخيل الاستثمار الأجنبي المباشر من حوالي 32 مليار درهم سنة 2021 إلى أكثر من 56 مليار درهم سنة 2025، معتبرا أن هذه المعطيات تعكس تحسن ثقة المستثمرين في الاقتصاد المغربي وقدرته على استقطاب رؤوس الأموال الدولية.
وأضاف التقرير أن الدولة واصلت، في هذا الإطار، تطوير البنيات التحتية الاستراتيجية، خاصة في مجالات النقل واللوجستيك والطاقات المتجددة والمناطق الصناعية، مشيرا إلى إطلاق برنامج استثماري لتطوير قطاع السكك الحديدية بقيمة تصل إلى 96 مليار درهم في أفق سنة 2030، إلى جانب مشاريع كبرى مرتبطة بالموانئ والطرق والمطارات والاستعدادات الخاصة بكأس العالم 2030.
التعليم والصحة.. إصلاحات متواصلة ومؤشرات مقلقة
وعلى مستوى القطاعات الاجتماعية التي اعتبرها النموذج التنموي الجديد مدخلا لتأهيل الرأسمال البشري، توقف التقرير عند حصيلة الإصلاحات المنجزة في مجالي الصحة والتعليم.
ولفت التقرير إلى أن قطاع الصحة عرف مجموعة من الإصلاحات المرتبطة أساسا بتنزيل ورش الحماية الاجتماعية وإعادة هيكلة المنظومة الصحية الوطنية، حيث تم توسيع قاعدة المستفيدين من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض لتشمل أكثر من 32 مليون مستفيد خلال سنة 2025، كما تم إطلاق إصلاحات مؤسساتية شملت إحداث المجموعات الصحية الترابية والهيئة العليا للصحة والوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية.
وتابع أن هذه الإصلاحات استهدفت تحسين الحكامة والرفع من جودة الخدمات الصحية وتعزيز الولوج إلى العلاج وتقليص الفوارق الصحية بين الفئات والمجالات الترابية، رغم استمرار تحديات مرتبطة بالموارد البشرية والبنيات الاستشفائية وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
أما في قطاع التعليم والتكوين، فأفاد التقرير بأن الدولة راهنت على تنزيل خارطة الطريق 2022-2026 لإصلاح المدرسة العمومية، مع التركيز على تعميم التعليم الأولي وتحسين التعلمات الأساسية وتطوير نموذج “مدارس الريادة”.
وسجل التقرير أن نسبة تعميم التعليم الأولي بلغت حوالي 84 في المائة خلال سنة 2025، ليستفيد منه ما يناهز 950 ألف طفل، فيما شهد مشروع “مدارس الريادة” توسعا متسارعا، حيث انتقل عدد المؤسسات المعنية من 626 مؤسسة خلال الموسم الدراسي 2023-2024 إلى حوالي 2626 مؤسسة خلال الموسم الدراسي 2025-2026، بما يتيح استفادة ما يقارب 1,3 مليون تلميذة وتلميذ.
وأضاف التقرير أن برامج التكوين المهني عرفت بدورها تعزيزا وربطا أكبر بحاجيات سوق الشغل، من خلال توسيع مسالك التكوين في المهن الجديدة والقطاعات الواعدة.
غير أن التقرير اعتبر أن نتائج الإصلاحات ما تزال دون مستوى الطموحات التي حددها النموذج التنموي الجديد، مشيرا إلى أن نتائج برنامج التقييم الدولي للتلاميذ “PISA 2022” أظهرت استمرار تموقع المغرب ضمن المراتب المتأخرة عالميا، إذ احتل المرتبة 71 في الرياضيات، والمرتبة 79 في القراءة، والمرتبة 76 في العلوم من أصل 81 دولة مشاركة.
كما أشار التقرير إلى أن حوالي 81 في المائة من التلاميذ المغاربة لم يتمكنوا من بلوغ الحد الأدنى من الكفايات الأساسية في القراءة، في حين لم تتجاوز نسبة التلاميذ الذين بلغوا المستوى الأدنى المطلوب في الرياضيات 18 في المائة.
وسجل التقرير كذلك استمرار الهدر المدرسي بمستويات مرتفعة، حيث يناهز عدد المنقطعين عن الدراسة سنويا حوالي 280 ألف تلميذ وتلميذة، فيما تجاوز العدد 294 ألف حالة خلال الموسم الدراسي 2022-2023.
نمو دون الأهداف المرسومة
ورغم هذه المكتسبات المسجلة في عدد من الأوراش الاجتماعية والاقتصادية، اعتبر التقرير أن حصيلة التنزيل تكشف في المقابل عن استمرار مجموعة من الاختلالات البنيوية التي حدت من قدرة الإصلاحات على تحقيق الأثر المنتظر على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.
وأبرز أن تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة وقادرة على إحداث تحول هيكلي في الاقتصاد الوطني ظل دون مستوى الطموحات التي رسمها النموذج التنموي الجديد، مبرزا أن هذا الأخير راهن على تحقيق متوسط نمو سنوي يفوق 6 في المائة خلال السنوات الأولى من التنزيل، باعتباره الشرط الأساسي لخلق الثروة وفرص الشغل وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وبحسب التقرير، فإن الاقتصاد الوطني واصل تسجيل معدلات نمو متوسطة تراوحت خلال السنوات الأخيرة بين 3 و4 في المائة، متأثرا بعوامل داخلية وخارجية متعددة، وفي مقدمتها توالي سنوات الجفاف وتباطؤ الاقتصاد العالمي واستمرار تداعيات الأزمات الدولية.
وأضاف التقرير أن محدودية النمو المسجل لا ترتبط فقط بهذه الإكراهات الظرفية، بل تعكس أيضا استمرار عدد من الاختلالات البنيوية المرتبطة بضعف الإنتاجية ومحدودية مساهمة بعض القطاعات في خلق القيمة المضافة، وهو ما جعل الاقتصاد المغربي غير قادر على تحقيق الإقلاع الاقتصادي الذي راهن عليه النموذج التنموي الجديد.
وأوضح المصدر ذاته، أن هذا الوضع انعكس بشكل مباشر على سوق الشغل، حيث ظلت البطالة واحدة من أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة، إذ بلغ معدل البطالة خلال سنة 2025 حوالي 13 في المائة، مع وجود أكثر من 1,6 مليون عاطل عن العمل.
كما سجل التقرير أن البطالة تظل أكثر حدة في صفوف الشباب، حيث تتجاوز ثلث الفئة العمرية ما بين 15 و24 سنة، فيما تسجل مستويات مرتفعة في صفوف خريجي الجامعات والمعاهد العليا، وهو ما يعكس ضعف قدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب الكفاءات المؤهلة وتحويل الاستثمار والتكوين إلى فرص إدماج مهني حقيقية ومستدامة.
وأكد التقرير أن الإشكال لا يرتبط فقط بعدد مناصب الشغل المحدثة، بل يمتد أيضا إلى طبيعة هذه المناصب وجودتها ومردوديتها الاقتصادية، مبرزا أن جزءا مهما من فرص الشغل المحدثة يظل متمركزا في قطاعات منخفضة الإنتاجية وضعيفة القيمة المضافة أو في أنشطة موسمية وهشة لا توفر الاستقرار المهني ولا تضمن دخلا كافيا للأجراء.
فوارق مجالية مستمرة رغم تراجع الفقر
وعلى مستوى العدالة الاجتماعية والمجالية، أكد التقرير أن الفوارق الاجتماعية والمجالية ما تزال من أبرز التحديات التي تواجه مسار التنمية بالمغرب، رغم المجهودات المبذولة في مجال الحماية الاجتماعية والدعم المباشر وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية.
وأوضح التقرير، أن الحسابات الجهوية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط تظهر أن ثلاث جهات فقط، هي الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة وطنجة-تطوان-الحسيمة، تستحوذ على حوالي 58,5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي الوطني.
وأضاف التقرير أن جهة الدار البيضاء- سطات لوحدها تنتج أكثر من 32 في المائة من الثروة الوطنية، مقابل نسب ضعيفة في عدد من الجهات الأخرى، وهو ما يعكس استمرار تمركز النشاط الاقتصادي والاستثمارات والبنيات التحتية في عدد محدود من الأقطاب الحضرية والساحلية.
كما أبرز التقرير أن التقدم المحقق على مستوى محاربة الفقر لا يخفي استمرار جيوب واسعة للهشاشة، خاصة بالعالم القروي، موضحا أن معدل الفقر متعدد الأبعاد تراجع من 11,9 في المائة سنة 2014 إلى 6,8 في المائة سنة 2024، كما انخفض عدد الأشخاص المعنيين من حوالي أربعة ملايين إلى 2,5 مليون شخص.
وزاد التقرير أن حوالي 72 في المائة من الفقراء ما يزالون يتمركزون في الوسط القروي، وأن 70 في المائة منهم يتمركزون في خمس جهات فقط، وهو ما يعكس استمرار اختلالات عميقة في توزيع ثمار التنمية. كما أشار إلى أن نسبة الأمية ما تزال تناهز 24,8 في المائة، مع تسجيل معدلات أعلى في العالم القروي وفي صفوف النساء، بينما تتجاوز بطالة الشباب 37 في المائة، وهو ما يعكس استمرار صعوبات الإدماج الاقتصادي والاجتماعي لفئات واسعة من المجتمع.
الريع والاحتكار يضعان العدالة الاقتصادية على المحك
وفي معرض رصده للاختلالات التي ما تزال تعيق تحقيق أهداف النموذج التنموي الجديد، توقف التقرير عند ما وصفه باستمرار مظاهر الريع والاحتكار وضعف العدالة الاقتصادية وتكافؤ الفرص، رغم أن النموذج جعل من المنافسة الشريفة ومحاربة اقتصاد الريع إحدى الركائز الأساسية لبناء اقتصاد أكثر عدالة ونجاعة.
وأوضح التقرير أن السنوات الأخيرة عرفت تنامي عدد من الممارسات التي تعيق تحقيق هذه الأهداف، حيث تزايد الإحساس لدى فئات واسعة من المواطنين بأن ثمار النمو والاستثمار لا تتوزع بشكل متوازن، وأن جزءا مهما من الفرص الاقتصادية ما يزال يتمركز لدى عدد محدود من الفاعلين الاقتصاديين المستفيدين من مواقع مهيمنة في قطاعات استراتيجية.
وأورد أن موجات ارتفاع الأسعار التي عرفها المغرب، خاصة خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2025، أعادت طرح سؤال العدالة الاقتصادية ومدى استفادة مختلف الفئات من الثروة الوطنية، في مقابل استمرار تآكل القدرة الشرائية واتساع الشعور بوجود تفاوت في الاستفادة من فرص التنمية.
واعتبر التقرير أن قطاع المحروقات يمثل أحد أبرز الأمثلة التي أعادت إلى الواجهة النقاش حول المنافسة والاحتكار، حيث سجلت أسعار المحروقات مستويات مرتفعة رغم تراجع الأسعار في الأسواق الدولية خلال عدد من الفترات، وهو ما دفع مجلس المنافسة إلى فتح تحقيقات معمقة بشأن ممارسات عدد من الشركات العاملة في القطاع.
وأشار التقرير إلى أن مجلس المنافسة خلص إلى وجود ممارسات منافية لقواعد المنافسة الحرة ترتبط بتبادل المعلومات والتنسيق غير المشروع بين بعض الفاعلين، مما ترتب عنه فرض غرامات مالية مهمة في إطار مسطرة التسوية.
ورغم أهمية هذه الخطوة في تكريس دور مؤسسات الحكامة الاقتصادية، سجل التقرير استمرار الجدل حول مدى فعالية السوق في ضمان المنافسة الحقيقية وحماية المستهلك من الممارسات الاحتكارية، خاصة في ظل التركيز الكبير الذي يعرفه القطاع وهيمنة عدد محدود من الشركات على جزء مهم من السوق الوطنية.
ضعف تعبئة الرأسمال البشري يحد من الإقلاع التنموي
وعلى مستوى الرأسمال البشري، اعتبر التقرير أن المغرب ما يزال يواجه تحديات كبيرة في تعبئة موارده البشرية بالشكل الذي يسمح بتحقيق التحول الاقتصادي والاجتماعي المنشود.
وأوضح التقرير أن النموذج التنموي الجديد راهن على جعل الإنسان محور التنمية ووسيلتها وغايتها، غير أن عددا من المؤشرات تكشف استمرار اختلالات عميقة في سوق الشغل ومنظومة التكوين وإعداد الكفاءات.
وسجل أن معدل النشاط الاقتصادي لم يتجاوز خلال سنة 2025 حوالي 43 في المائة، وهو من بين أضعف المعدلات إقليميا ودوليا بالنسبة لدولة تسعى إلى تسريع وتيرة النمو والتنمية.
وأضاف المصدر ذاته، أن هذا المؤشر يعني أن أكثر من نصف السكان في سن العمل يوجدون خارج سوق الشغل، سواء بسبب البطالة أو عدم البحث عن العمل أو الإحباط الناتج عن محدودية الفرص المتاحة.
كما أبرز أن ضعف مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي يظل من أبرز مظاهر هدر الرأسمال البشري، حيث لا تزال نسبة مشاركتهن في حدود 19 في المائة، وهي نسبة بعيدة عن المستويات المسجلة في الاقتصادات الصاعدة.
وتتجلى هذه الإشكالية، بحسب التقرير، بشكل أكبر في ارتفاع عدد الشباب المنتمين إلى فئة “NEETs”، أي الشباب الذين لا يشتغلون ولا يتابعون الدراسة أو التكوين، حيث تشير معطيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أن عددهم يناهز مليون ونصف مليون شاب وشابة.
وأوضح التقرير أن هذه الفئة تمثل أكثر من ربع الشباب المغاربة، مع نسب أعلى بكثير في صفوف الفتيات، وهو ما يشكل تحديا تنمويا واجتماعيا حقيقيا بالنظر إلى ما يعنيه من وجود مئات الآلاف من الشباب خارج دوائر الإنتاج والتكوين والتأهيل.
ونبه إلى أن استمرار ارتفاع عدد هؤلاء الشباب يعكس وجود فجوة بين مخرجات التعليم والتكوين من جهة وحاجيات سوق الشغل من جهة أخرى، وهو ما يطرح تحديات حقيقية أمام السياسات العمومية الموجهة للتشغيل والإدماج المهني.
توصيات بالانتقال من اقتصاد النمو إلى اقتصاد التشغيل
واعتبر مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، أن حصيلة تنزيل النموذج التنموي الجديد، رغم ما راكمته من مكتسبات مهمة في مجالات الحماية الاجتماعية والاستثمار والبنيات التحتية والإصلاحات المؤسساتية، تؤكد أن تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي رسمها النموذج ما يزال رهينا بالقدرة على معالجة الاختلالات البنيوية التي برزت خلال مرحلة التنزيل، خاصة تلك المرتبطة بالتشغيل وجودة الرأسمال البشري والحكامة والعدالة الاجتماعية والمجالية.
وأوضح أن التجربة أظهرت أن نجاح النموذج التنموي لا يتوقف فقط على حجم الموارد المالية المرصودة أو عدد المشاريع المنجزة، بل يرتبط أساسا بمدى قدرة السياسات العمومية على تحسين حياة المواطنين وتقليص الفوارق وتعزيز الثقة في المؤسسات، مؤكدا أن المرحلة المقبلة تقتضي اعتماد إصلاحات أكثر جرأة وعمقا، قادرة على إعادة توجيه بوصلة التنمية نحو الإنسان والعدالة الاجتماعية والإنتاجية الاقتصادية.
وفي هذا الإطار دعا التقرير إلى الانتقال من “اقتصاد النمو” إلى “اقتصاد التشغيل”، من خلال جعل خلق فرص الشغل المؤشر الأول لتقييم نجاح السياسات العمومية، وإخضاع جميع الاستثمارات والبرامج العمومية لاختبار أثرها المباشر على التشغيل قبل المصادقة عليها، مع إعطاء الأولوية للقطاعات القادرة على إحداث فرص عمل واسعة ومستدامة.
كما أوصى التقرير بإقرار ميثاق وطني للتشغيل ملزم للحكومة والقطاع الخاص، يقوم على تحديد أهداف كمية دقيقة لخفض البطالة، وربط التحفيزات والإعفاءات الممنوحة للمقاولات بعدد مناصب الشغل المحدثة وجودتها واستدامتها.
وعلى مستوى الرأسمال البشري، شدد التقرير على ضرورة إحداث “ثورة حقيقية” في التعليم بدل الاكتفاء بالإصلاحات الجزئية، عبر إعادة بناء المدرسة العمومية على أساس الجودة والإنصاف والكفاءة، وربط تمويل المؤسسات التعليمية بنتائجها الفعلية في التعلمات وتقليص الهدر المدرسي.
كما دعا إلى تحويل البحث العلمي والابتكار إلى أولوية سيادية، من خلال رفع الإنفاق الموجه للبحث العلمي إلى مستويات الدول الصاعدة، وربط الجامعات مباشرة بمنظومة الإنتاج والاستثمار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وفي المجال الاجتماعي، حث التقرير على إعادة الاعتبار للمستشفى العمومي باعتباره ركيزة الدولة الاجتماعية، من خلال توجيه استثمارات استثنائية لتأهيل المستشفيات العمومية وتحسين جودة خدماتها، بما يضمن عدم تحول ورش التغطية الصحية إلى آلية لتمويل القطاع الخاص فقط. كما أوصى بإطلاق مخطط استعجالي لجذب الكفاءات الصحية والتربوية والحفاظ عليها، عبر تحسين الأجور وظروف العمل والمسارات المهنية، والحد من نزيف هجرة الكفاءات الذي يهدد مستقبل الرأسمال البشري الوطني.
وفيما يتعلق بالشباب، دعا التقرير إلى إطلاق برنامج وطني لتمكين الشباب اقتصاديا واجتماعيا، يقوم على الانتقال من منطق الدعم الظرفي إلى منطق الإدماج الحقيقي عبر التشغيل والمقاولة والتمويل والتكوين والمشاركة في القرار العمومي.
وأكد أن بناء طبقة وسطى قوية يظل أحد الشروط الأساسية للاستقرار والتنمية، داعيا إلى مراجعة السياسة الضريبية وتخفيف العبء الجبائي على الأجراء والطبقة المتوسطة وتحسين قدرتها الشرائية وحمايتها من آثار التضخم.
وفيما يخص الحكامة الترابية، أوصى التقرير باعتماد عدالة مجالية فعلية في توزيع الاستثمار العمومي، من خلال توجيه الجزء الأكبر من الاستثمارات الجديدة نحو الجهات والأقاليم الأقل استفادة، وربط توزيع الموارد بمؤشرات الهشاشة والفقر والبطالة.
وعلى المستوى المؤسساتي، أوصى التقرير بإعادة الاعتبار للسياسة والوساطة الديمقراطية من خلال تقوية الأحزاب والنقابات وهيئات المجتمع المدني حتى تستعيد دورها في التأطير والتعبئة ونقل انتظارات المواطنين إلى المؤسسات.
وفي الجانب الاقتصادي، شدد التقرير على ضرورة تفكيك آليات الريع وإعادة توجيه الموارد العمومية نحو التنمية والإنتاجية، من خلال مراجعة مختلف أشكال الامتيازات والدعم التي لا تحقق منفعة عامة، وربط أي دعم عمومي بمؤشرات واضحة للأثر الاقتصادي والاجتماعي.
كما أوصى التقرير بتفكيك وضعيات الاحتكار والتركيز الاقتصادي عبر تعزيز صلاحيات مجلس المنافسة وإخضاع القطاعات الاستراتيجية لمراقبة صارمة تضمن المنافسة الشريفة وتحمي المستهلك. ودعا كذلك إلى جعل المقاولة الصغرى والمتوسطة في قلب النموذج الاقتصادي الجديد، عبر إعادة توجيه التمويلات العمومية والصفقات والاستثمارات نحو المقاولات المنتجة للقيمة المضافة والشغل، بدل التركيز المفرط على الفاعلين الكبار.






