دوليوطني

المغرب واليابان.. قيم مشتركة لتحقيق السلام والأمن العالمي

لطيفة نفيل – 

تتسم العلاقات المغربية-اليابانية بالمتانة والتعاون الوثيق وهو ما تستمده من عمق أواصر الصداقة القائمة بين الأسرة الملكية المغربية والعائلة الإمبراطورية اليابانية مع تركيز متزايد على الشراكات الاقتصادية والإستراتيجية، بحيث تعد اليابان الشريك التجاري السابع للمغرب في القارة الآسيوية، كما أن حجم المبادلات التجارية بين البلدين تتجاوز 700 مليون دولار، وهو ما يعني أن اليابان تعد مستثمرا مهما في المملكة المغربية حيث تنشط نحو 71 شركة يابانية في قطاع السيارات والطاقة موفرة بذلك آلاف فرص الشغل وسط إشادة يابانية بجهود المغرب التنموية والسياسية في المناطق الجنوبية للمملكة المغربية، وهي العلاقات القائمة بين البلدين والتي تعتبر جزءا من توجه المغرب نحو تنويع شركائه الاقتصاديين والاعتماد على القوى الاسيوية الصاعدة، وسينكب الملف التالي على تفصيل اسس محاور العلاقات المغربية اليابانية وذلك من خلال إلقاء الضوء على جوانب التعاون الاقتصادي والاستثماري والعلاقات الدبلوماسية المتميزة وكذا الشراكات في مجالات مختلفة الى جانب تقديم مستجدات التبادل الثقافي والأكاديمي.

الحوار التالي مع محمد الحجيرة دكتور في القانون العام والعلوم السياسية، ورئيس لجنة مراقبة المالية والحكامة بالبرلمان، خريج المعهد العالي للادارة بالرباط، يبرز بالتفصيل عمق التعاون الاستراتيجي المغربي الياباني من وجهة نظر البرلمان المغربي والرؤية الملكية التي يسير عليها ممثلو الأمة:

ـ تعد العلاقات المغربية اليابانية من العلاقات الإستراتيجية المثينة في نظركم دكتور احجيرة ماهي الأسس التي بنيت عليها هذه العلاقة؟

ـ العلاقات المغربية اليابانية من العلاقات الإستراتيجية المثينة التي تأسست على الاحترام المتبادل والثقة والتعاون طويل الأمد، وتمكنت عبر عقود من التطور الهادئ والمتدرج لتصبح نموذجًا لشراكة متوازنة تجمع بين البعد السياسي الرصين، والتعاون الاقتصادي المثمر، والانخراط المشترك في قضايا التنمية والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي. فمنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين سنة 1956، حرص المغرب واليابان على ترسيخ قنوات تواصل مؤسساتية منتظمة، قائمة على الحوار البناء وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهو ما أضفى على هذه العلاقة طابعًا خاصًا يتسم بالاستمرارية والبراغماتية.

ـ الادارة اليابانية تتشبت بتمتين علاقتها الاقتصادية مع المملكة المغربية في نظركم ما السر في ذلك؟

ـ تدرك اليابان المكانة الجيوستراتيجية للمغرب باعتباره بوابة طبيعية نحو إفريقيا وملتقى للفضاءين الإفريقي والأوروبي، في حين ينظر المغرب إلى اليابان باعتبارها قوة اقتصادية وتكنولوجية كبرى في آسيا وشريكًا موثوقًا في دعم مشاريع التنمية.هذا التقاطع في المصالح عزز حضور البلدين في المحافل الدولية، خاصة في القضايا المرتبطة بالتنمية المستدامة، ومكافحة التغير المناخي، ودعم الاستقرار والسلم الدوليين، حيث يتقاسمان رؤية تقوم على تغليب الحلول التوافقية وتعزيز دور المؤسسات متعددة الأطراف. وفي هذا السياق، يشكل انخراط المغرب المنتظم في مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية في إفريقيا (TICAD) محطة أساسية في مسار التعاون، إذ يوفر هذا الإطار منصة استراتيجية لتنسيق الجهود بين اليابان والدول الإفريقية، ويمنح المغرب فرصة لعرض تجربته التنموية وجلب الاستثمارات وتعزيز الشراكات الثلاثية. وعلى المستوى الاقتصادي، شهدت العلاقات الثنائية دينامية متنامية، خاصة خلال العقدين الأخيرين، مع تزايد اهتمام الشركات اليابانية بالاستثمار في المغرب، مستفيدة من الاستقرار السياسي، وتحسن مناخ الأعمال، وتطور البنية التحتية، وموقع المملكة الاستراتيجي القريب من الأسواق الأوروبية والإفريقية. وقد برز هذا التعاون بشكل واضح في قطاع صناعة السيارات ومكوناتها، حيث استقرت شركات يابانية متخصصة في تصنيع الأسلاك الكهربائية والتجهيزات الصناعية داخل مناطق صناعية مغربية، مساهمة في خلق فرص الشغل ونقل الخبرة التقنية وتعزيز سلاسل القيمة المحلية.

ـ ماهي المجالات التي تشهد أقوى مؤشرات التعاون مع البلدين؟

ـ تشمل المبادلات التجارية بين البلدين صادرات مغربية من الفوسفاط ومشتقاته والمنتجات البحرية وبعض المنتجات الفلاحية، مقابل واردات من السيارات والمعدات الصناعية والتكنولوجيا المتقدمة، وهو ما يعكس تكاملًا نسبيًا في البنية الاقتصادية للطرفين، وإن كان يظل في حاجة إلى مزيد من التنويع والتوازن. وإلى جانب البعد الاستثماري، يحتل التعاون التنموي مكانة محورية في العلاقات المغربية اليابانية، من خلال الدور الذي تضطلع به الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (JICA)، والتي ساهمت في تمويل وإنجاز عدد من المشاريع الحيوية في مجالات البنية التحتية والماء والصحة والتكوين المهني وإدارة المخاطر والكوارث. ويعكس هذا التعاون فلسفة يابانية تقوم على دعم القدرات المحلية وبناء الكفاءات، بدل الاقتصار على تقديم المساعدات الظرفية، وهو ما ينسجم مع الرؤية المغربية الرامية إلى تحقيق تنمية شاملة ومستدامة ترتكز على تثمين الرأسمال البشري وتعزيز الحكامة الجيدة. كما يشكل قطاع الطاقة والانتقال نحو الاقتصاد الأخضر مجالًا واعدًا لتعميق الشراكة بين البلدين، في ظل التوجه المغربي نحو تعزيز الطاقات المتجددة وتنويع مصادر التزود بالطاقة، وسعي اليابان إلى توسيع مجالات التعاون الدولي في تقنيات النجاعة الطاقية والهيدروجين النظيف وتخزين الطاقة.

ـ في نظركم دكتور هل ستكون استفاذة المغرب بحجم هذه العلاقات الثنائية وخاصة في تعزيز مجال الصناعات الثقيلة؟

ـ اليابان راكمت خبرة متقدمة في الابتكار الصناعي والتكنولوجي، والمغرب قطع أشواطا مهمة في تطوير مشاريع كبرى في مجال الطاقة الشمسية والريحية، مما يفتح آفاقًا للتعاون في البحث والتطوير ونقل التكنولوجيا والاستثمار في مشاريع مستقبلية منخفضة الكربون. ومن شأن هذا التقارب أن يعزز مكانة المغرب كمركز إقليمي للطاقة النظيفة، وأن يتيح لليابان توسيع حضورها في القارة الإفريقية عبر شراكات مستدامة. أما على المستوى الثقافي والإنساني، فإن العلاقات بين الشعبين تعرف اهتمامًا متزايدًا، وإن كان لا يزال دون الإمكانات المتاحة، حيث تحظى الثقافة اليابانية بإقبال متنامٍ في المغرب، خاصة في مجالات اللغة والفنون والتكنولوجيا وثقافة العمل القائمة على الانضباط والجودة، فيما يسعى المغرب إلى التعريف بمؤهلاته الثقافية والحضارية لدى الرأي العام الياباني. ويمكن للجامعات ومراكز البحث في البلدين أن تلعب دورًا أكبر في توسيع برامج التبادل الأكاديمي وإطلاق مشاريع بحثية مشتركة، بما يعزز جسور التواصل بين النخب العلمية والفكرية. كما أن تطوير السياحة المتبادلة يشكل بدوره مجالًا واعدًا، خصوصًا في ظل اهتمام السياح اليابانيين بالوجهات ذات العمق التاريخي والثقافي، وما يزخر به المغرب من تنوع حضاري وطبيعي. وعلى الصعيد الجيوسياسي، تتسم العلاقة المغربية اليابانية بطابع متزن بعيد عن الاصطفافات الحادة، إذ يحرص الطرفان على الحفاظ على استقلالية قرارهما الوطني، مع الانفتاح على الشراكات المتعددة والمتوازنة. ويمنح هذا التموقع للبلدين هامشًا واسعًا للتعاون في قضايا الأمن البحري، وسلاسل الإمداد، وتعزيز الاستقرار في مناطق ذات أهمية استراتيجية، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي.

ـ يشهد العالم حاليا اعادة رسم ممنهج للخارطة الاقتصادية والسياسية للعالم هل يقدم التعاون بين البلدين قيمة مضافة لاقتصاد المغرب دوليا؟

ـ إن الرهانات العالمية الراهنة، المرتبطة بإعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية، والتحول الرقمي، والانتقال الطاقي، تفرض على الدول البحث عن شراكات قائمة على التكامل وتبادل المصالح، وهو ما يجعل من العلاقات المغربية اليابانية أرضية صلبة لبناء تعاون أكثر عمقًا في المستقبل. غير أن تطوير هذه الشراكة إلى مستوى أعلى يتطلب توسيع قاعدة الفاعلين المنخرطين فيها، سواء من القطاع الخاص أو المؤسسات البحثية أو المجتمع المدني، وتعزيز آليات التشاور الاستراتيجي المنتظم، وإطلاق مبادرات مشتركة ذات بعد إقليمي، خاصة في إفريقيا، حيث يمكن للمغرب واليابان أن ينسقا جهودهما في مشاريع تنموية ثلاثية تعود بالنفع على الأطراف كافة. كما يظل من الضروري العمل على تقليص الفجوة المعلوماتية بين الفاعلين الاقتصاديين في البلدين، وتبسيط المساطر، وتحفيز الاستثمار المتبادل، بما يعكس الإمكانات الحقيقية للعلاقة. إن قراءة متأنية لمسار العلاقات المغربية اليابانية تُظهر أنها علاقة تراكمية، بنيت على الثقة والاستمرارية، ولم تتأثر بتقلبات ظرفية، وهو ما يمنحها مقومات التحول إلى شراكة استراتيجية متكاملة، خاصة إذا ما تم استثمار نقاط القوة لدى الطرفين وتوجيهها نحو مشاريع ذات قيمة مضافة عالية. وفي عالم يتجه نحو مزيد من التنافس على الموارد والتكنولوجيا والأسواق، فإن الرهان على شراكات بعيدة عن التوترات الإيديولوجية، وقائمة على المصالح المتبادلة والاحترام، يشكل خيارًا عقلانيًا ينسجم مع توجهات البلدين. ومن هذا المنطلق، فإن المستقبل يحمل فرصًا واسعة لتعميق التعاون المغربي الياباني في مجالات الصناعة المتقدمة، والتحول الرقمي، والأمن الغذائي، والطاقة النظيفة، وتطوير البنية التحتية الذكية، بما يسهم في تعزيز التنمية المستدامة ويكرس موقع المغرب واليابان كشريكين فاعلين في صياغة معالم مرحلة دولية جديدة قوامها التوازن والتكامل والتضامن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق