مجتمع

قانون مجلس الصحافة يجتاز اختبار النواب وبنسعيد يصفه بـ”المفصلي”

الرباط- عبد الحق العضيمي –

 

صادق مجلس النواب، في جلسة تشريعية عقدها أمس الاثنين، بالأغلبية، على مشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، بعدما حظي بتأييد 70 نائبا مقابل معارضة 25، وذلك بعد ترتيب الآثار القانونية لقرار المحكمة الدستورية الصادر بتاريخ 22 يناير 2026.

وأكد وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، أن هذا النص “يشكل محطة مفصلية في مسار تحديث المشهد الإعلامي الوطني”، وخطوة نوعية في اتجاه تعزيز دولة الحق والقانون، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وتقوية أسس الشفافية والمسؤولية.

وأوضح بنسعيد، خلال الجلسة التشريعية، أن المشروع يندرج في سياق تقييم موضوعي لتجربة أولى في مجال التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة، واصفا إياها بالتجربة الرائدة التي شكلت خطوة متقدمة في مسار التنظيم المهني، غير أنها أبانت، على مستوى الممارسة، عن بعض النقائص والفراغات القانونية، كما أفرزت مطالب مهنية بضرورة تطوير الإطار القانوني المؤطر لها.

وفي هذا السياق، أورد الوزير أنه تم إحداث لجنة مؤقتة شكلت امتدادا للمجلس الوطني السابق، وأسندت إليها مهمة تقييم أوضاع قطاع الصحافة والنشر وإعداد تصور شامل لتطوير المنظومة، مبرزا أنها قامت، طيلة مدة اشتغالها، بإجراء مشاورات واسعة مع مختلف الهيئات المهنية، وقدمت خلاصاتها في الأجل القانوني المحدد.

وانطلاقا من هذه الخلاصات، شدد المسؤول الحكومي على أن المشروع تم إعداده في انسجام تام مع روح التنظيم الذاتي للمهنة، وحرصا على تعزيز استقلاليتها وتخليق ممارستها، باعتبار أن التنظيم الذاتي يشكل الآلية الأنجع لضمان ممارسة حرية الصحافة في إطارها المسؤول، كما يكرسه الفصل 28 من الدستور.

كما سجل بنسعيد أن النص يروم تحقيق توازن دقيق بين صيانة حرية الصحافة، باعتبارها حقا دستوريا مكفولا، وبين ضرورة احترام قواعد المهنة وأخلاقياتها، مؤكدا أن “الحرية والمسؤولية ليسا متعارضين بل متكاملين، ولا يمكن تصور إعلام قوي وذي مصداقية إلا في ظل هذا التوازن”.

وأضاف أن المشروع يسعى إلى سد بعض الفراغات القانونية التي أفرزتها التجربة السابقة، من خلال التنصيص على إحداث لجنة للإشراف على العمليات الانتخابية والانتدابية، بما يضمن تدبيرها في إطار من الاستقلالية والشفافية.

وأكد الوزير أن هذا النص يؤسس لمرحلة جديدة في مسار التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة، تقوم على تعزيز استقلالية المجلس الوطني للصحافة، وتكريس دوره في تأطير المهنة بما يواكب التحولات المتسارعة التي يعرفها المجال الإعلامي، خاصة في ظل تنامي التحديات المرتبطة بالأخبار الزائفة وبروز ممارسات لا تنسجم مع أخلاقيات المهنة وقواعدها المؤطرة.

وفي السياق ذاته، أشار بنسعيد إلى أن المشروع يهدف إلى تمكين المجلس الوطني للصحافة من الاضطلاع بمهام تدبير شؤون الصحافيين والناشرين بشكل مستقل، بما يكرس موقع الصحافة الوطنية كرافعة أساسية للديمقراطية وكفاعل رئيسي في تأطير النقاش العمومي.

وفي معرض مناقشة المشروع، تباينت مواقف الفرق البرلمانية بين دعم الأغلبية وانتقادات المعارضة، حيث سجلت فرق الأغلبية أن مشروع القانون رقم 09.26 يشكل محطة مؤسساتية بارزة في مسار إصلاح قطاع الإعلام، وخطوة نوعية في اتجاه إرساء سلطة رابعة مهنية ومستقلة وقادرة على مواكبة التحولات المتسارعة.

واعتبرت الأغلبية أن مشروع هذا القانون يتجاوز كونه مجرد تأطير قانوني لفئة مهنية، ليرسم معالم مرحلة جديدة في تنظيم الحقل الإعلامي، في سياق يتسم بنضج مؤسساتي يعكس التفاعل الإيجابي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، واحترام ملاحظات المحكمة الدستورية، بما يكرس دولة الحق والقانون ويضمن انسجام القوانين مع روح الدستور.

وشددت فرق الأغلبية على أن التجربة السابقة للمجلس الوطني للصحافة، رغم طابعها الريادي، مرت بمرحلة انتقالية اتسمت بإكراهات على مستوى الحكامة وضبابية بعض الصلاحيات، إلى جانب صعوبات في مواكبة التحولات الرقمية، وهو ما يجعل المشروع الحالي، بحسبها، متجها نحو تجاوز هذه التعثرات والانتقال إلى مرحلة النجاعة والضبط المهني الصارم.

وفي السياق ذاته، أبرزت مكونات الأغلبية أن المشروع يراهن على تخليق الممارسة الصحفية، في ظل ما وصفته باتساع ولوج غير المؤهلين إلى المهنة، معتبرة أن النص يوفر آليات لتمييز الصحفي المهني عن منتحلي الصفة وصون صورة المهنة ورسالتها.

كما لفتت إلى أن المشروع يعزز مبادئ الحكامة الجيدة، من خلال إرساء تدبير مؤسساتي قائم على الشفافية والديمقراطية، وتفعيل أدوار اللجان، خاصة لجان الأخلاقيات والوساطة والتحكيم، بما يدعم التنظيم الذاتي للمهنة ويقوي استقلاليتها.

وربطت الأغلبية مضامين المشروع بضرورة تحقيق التوازن بين الحرية والمسؤولية، مؤكدة أن حرية التعبير لا تنفصل عن الضوابط الأخلاقية والقانونية، وأن بناء إعلام قوي يمر عبر ضمان هذا التلازم.

من زاوية أخرى، دافعت مكونات الأغلبية عن كون المشروع يستجيب لملاحظات المحكمة الدستورية، خاصة فيما يتعلق بضمان تمثيلية متوازنة داخل المجلس، بما يعزز التعددية المهنية ويمنع أي اختلال في التمثيل، مع فتح المجال أمام أوسع مشاركة ممكنة للهيئات المهنية.

كما أبرزت الأغلبية أن النص يوفر مدخلا لمعالجة اكراهات التجربة السابقة، سواء على المستوى التدبيري أو البنيوي، إلى جانب مواكبة التحولات التي يعرفها النموذج الاقتصادي للمقاولات الصحفية، مع التنبيه إلى أهمية دعم الصحافة الوطنية، بما فيها الصحافة الجهوية.

وفي امتداد لذلك، نبهت الأغلبية إلى أن المشروع يواكب التحديات الرقمية، خاصة ما يرتبط بالأخبار الزائفة، من خلال تمكين المجلس من آليات لضبط المحتوى الإعلامي في إطار احترام ميثاق الأخلاقيات، بما يعزز مصداقية الإعلام الوطني.

كما أكدت أن المشروع يكرس مبادئ التعددية والمناصفة، ويضع قواعد أكثر وضوحا للتمثيلية، بما من شأنه الرفع من أداء المجلس وتعزيز نجاعته في تأطير القطاع، معتبرة أنه يشكل لبنة أساسية لإرساء مجلس وطني للصحافة قوي ومستقل، قادر على رفع تحديات المرحلة وضمان إعلام مهني حر ومسؤول.

في المقابل، اعتبرت فرق ومجموعة المعارضة أن مشروع القانون، رغم أهميته في تنظيم قطاع الصحافة، يطرح إشكالات عميقة تتجاوز الجوانب التقنية، وتمس الفلسفة العامة للتنظيم الذاتي للمهنة وشروط ممارسته في إطار ديمقراطي ومستقل.

وسجلت المعارضة أن النص يأتي في سياق خاص مرتبط بترتيب الآثار القانونية لقرار المحكمة الدستورية، الذي وقف عند نقائص جوهرية في الصيغة السابقة، خاصة ما يتعلق بتركيبة المجلس وقواعد التمثيلية، معتبرة أن هذه المراجعة كان يفترض أن تشكل مناسبة لتجويد شامل للنص وتعزيز ضمانات الاستقلالية والتعددية، بدل الاكتفاء بتعديلات محدودة.

وانتقدت مكونات المعارضة المنهجية التي اعتمدت في إعداد المشروع، مبرزة أن النقاش لم يحظ بالعمق الكافي ولا بالمقاربة التشاركية المطلوبة، مشيرة إلى أن عددا من التعديلات التي تقدمت بها خلال مناقشة الصيغة الأولى لم يتم التفاعل معها، وهو ما أدى، بحسبها، إلى إعادة طرح نفس النقاش وإهدار الزمن التشريعي.

وشددت المعارضة على أن الإصلاح الحقيقي لقطاع الصحافة لا يمكن أن يتم بمنطق الأغلبية العددية، بل يقتضي حوارا وطنيا واسعا وتوافقا مهنيا ومجتمعيا، يضمن انخراط مختلف الفاعلين، محذرة من أن المصادقة على القوانين بهذه الكيفية قد يضعف مشروعيتها المجتمعية ويصعب تنزيلها ميدانيا، ويعمق أزمة الثقة بين المؤسسات والمهنيين.

وفي هذا الإطار، أبرزت المعارضة أن التنظيم الذاتي يفترض أن يقوم على استقلالية المجلس وتمثيليته المتوازنة، مع ضمان عدم تأثير أي جهة على قراراته، داعية إلى مراجعة المقتضيات المرتبطة بتركيبته وآليات التعيين وتوزيع الصلاحيات، بما يحافظ على طابعه المهني المستقل.

وسجلت مكونات المعارضة أن وجود آليات تأديبية داخل المجلس يظل أمرا ضروريا، غير أنها شددت على ضرورة إحاطتها بضمانات قوية من حيث الاستقلالية والحياد، حتى لا تتحول إلى أداة للتضييق بدل حماية المهنة وتعزيز مصداقيتها.

ونبهت أيضا إلى أن المشروع، في صيغته الحالية، لا يجيب بشكل كاف عن التحديات البنيوية التي يعرفها القطاع، سواء على مستوى الأوضاع الاجتماعية للصحافيين، أو هشاشة المقاولات الصحفية، أو التحولات المرتبطة بالإعلام الرقمي، داعية إلى مقاربة شمولية للإصلاح تتجاوز الإطار القانوني الضيق.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق