طنجة.. تجاوز المتوسط الوطني للإصابة بـ”السل” بالشمال

رشيد عبود:
لا زال مرض السل يعتبر تحديا صحيا عموميا حقيقيا في المغرب، حيث تسجل سنويا حوالي 30 إلى 35 ألف حالة جديدة، بمعدل إصابة مرتفع يصل إلى 94 حالة لكل 100 ألف نسمة، وينتشر بشكل أكبر في المناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية العالية، علما أن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية توفر التشخيص والعلاج مجانا في المراكز الصحية، مع التركيز على الكشف المبكر للحد من 9 وفيات يوميا.
وبالنسبة لمعدلات داء السل بجهة طنجة تطوان الحسيمة التي يبلغ تعداد ساكنتها 4,030,222 نسمة، فإنها تتجاوز المتوسط الوطني وسط ضغط بنيوي متزايد، حيث سجلت معدل إصابة بهذا المرض بلغ 122 حالة لكل 100 ألف نسمة خلال سنة 2025، متجاوزة المعدل الوطني البالغ 91 حالة لكل 100 ألف نسمة، اذ تندرج هذه المعطيات ضمن إجمالي وطني يقدر بحوالي 33 ألفا و800 حالة، وفق الإحصائيات الرسمية المحدثة.
ويفرض هذا الوضع الوبائي المقلق، عبئا على البنيات الاستشفائية بالجهة الشمالية، التي تسجل ضعفا في الكثافة السريرية بمعدل 0.68 سرير لكل ألف نسمة، وهو مؤشر يقل على المعدل الوطني المرجعي، بحيث يتزامن هذا المعطى مع ضغط ديمغرافي متصاعد في مدينة طنجة التي يتجاوز عدد سكانها 1.2 مليون نسمة، في انتظار دخول المركز الاستشفائي الجامعي حيز الخدمة لتخفيف الضغط الحالي على مستشفيات القرب.
هذا، وترتبط مستويات انتشار السل في أقاليم الجهة بعوامل بنيوية وسوسيو-اقتصادية متباينة، إذ ترجح المعطيات الميدانية أن الفقر والهشاشة والاكتظاظ، إلى جانب ضعف التهوية في بعض الأنسجة الحضرية، تسهم وبشكل كبير في تسهيل انتقال العدوى، كما تعتبر هشاشة السكن الكثيف عاملا مساهما في استمرار بؤر المرض، وليس سببا وحيدا، خاصة في ظل وجود تجمعات عمالية وصناعية كبرى بالمدينة.
من جهتها، تؤكد وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، ضمن استراتيجيتها المحدثة، على ضرورة تبني مقاربة متعددة العوامل للسيطرة على مسار المرض، كما تشير التوجيهات الرسمية إلى أن احتواء الوضع الوبائي في قطب حضري كطنجة يتطلب، إلى جانب التكفل الطبي، تدخلا مندمجا لمعالجة المحددات الاجتماعية للصحة، بالتنسيق مع القطاعات المسؤولة عن تحسين ظروف السكن والعمل.
ويشكل السل الرئوي القابل للانتقال المباشر عبر الهواء عند السعال أو العطس، الغالبية العظمى من الإصابات المسجلة محليا، وتوفر شبكة مؤسسات الرعاية الصحية الأولية ومراكز تشخيص وعلاج الأمراض التنفسية التابعة للمديرية الجهوية للصحة بروتوكولات العلاج بصفة مجانية.
ويستند المسار العلاجي، إلى التناول اليومي للمضادات الحيوية لمدة 6 أشهر، تحت إشراف طبي مباشر، لضمان امتثال المرضى وتفادي الانقطاع عن الأدوية، كما يعد التخلي عن مسار العلاج قبل انقضاء مدته المحددة، من أبرز التحديات الميدانية التي تواجه السلطات الصحية في الجهة، بحيث يؤدي عدم إتمام البروتوكول العلاجي إلى ظهور سلالات من السل مقاومة للأدوية، مما يتطلب فترات علاج أطول تتراوح بين 9، و24 شهرا، كما تفرض هذه الحالات المقاومة تكلفة مالية مضاعفة وضغطا استشفائيا أكبر، نظرا للحاجة إلى أدوية من الخط الثاني، فضلا عن متابعة سريرية دقيقة.
وفي سياق الجهود التشخيصية المعتمدة، تستعين المختبرات المرجعية بالجهة بتقنيات الفحص الجزيئي السريع للكشف المبكر عن الإصابات المؤكدة، وتسمح هذه المعدات المخبرية برصد الحمض النووي لعصيات السل، وتحديد مدى مقاومتها للعقاقير الأساسية في غضون ساعات قليلة، إذ يساهم هذا التشخيص السريع في كسر سلاسل انتقال العدوى داخل المجمعات السكنية والمهنية المغلقة، وكدا تسريع بدء التدخل العلاجي.
إلى ذلك، فقد تم تصنيف جهة طنجة تطوان الحسيمة ضمن الجهات الثلاث الأكثر تسجيلا لحالات السل في المغرب، إلى جانب جهتي الدار البيضاء سطات، والرباط سلا القنيطرة، ويرتبط هذا التمركز الجغرافي للمرض بعدة إكراهات وبالحركية الاقتصادية والهجرة الداخلية المكثفة نحو هذه الأقطاب الحضرية الكبرى، مما يفرز توسعا مستمرا في الأحياء المحيطية التي تعاني من نقص في التجهيزات الأساسية وتشهد كثافة سكانية مرتفعة.
ولمواكبة الفئات الهشة المصابة بالمرض، تتدخل برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بشراكة مع جمعيات المجتمع المدني، لتوفير الدعم الغذائي والاجتماعي، بحيث تهدف هذه التدخلات الموازية، إلى مساعدة المرضى على تحمل الآثار الجانبية للأدوية القوية، وتحفيزهم على استكمال المسار العلاجي بالكامل، كما تسهم هذه المقاربة الاجتماعية في تحسين مؤشرات الشفاء، وتقليص معدلات الانقطاع، التزاما بأهداف الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى القضاء على السل بحلول 2030.
وفي سياق متصل، تواصل السلطات المحلية، بالموازاة مع التدخلات الطبية المحضة، تنفيذ برامج فعلية لإعادة هيكلة الأحياء ناقصة التجهيز وتحسين ظروف العيش للمواطنين، وتعد هذه الخطوات الميدانية جزءا من التدابير الوقائية غير المباشرة للحد من انتشار الأمراض المرتبطة بالهشاشة، وتتطابق هذه الإجراءات مع توصيات منظمة الصحة العالمية التي تعتبر القضاء على الفقر وتحسين بيئة السكن شرطين أساسيين لمحاصرة الوباء عالميا.
ويظل مرض السل في المغرب تحديا صحيا عموميا بارزا، حيث تسجل سنويا حوالي 30 إلى 35 ألف حالة جديدة، بمعدل إصابة مرتفع يصل إلى 94 حالة لكل 100 ألف نسمة، وينتشر بشكل أكبر في المناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية العالية، بحيث توفر وزارة الصحة التشخيص والعلاج مجانا في المراكز الصحية، مع التركيز على الكشف المبكر للحد من 9 وفيات يوميا.
ومن أبرز المعطيات المرتبطة بمعدل الاصابة بالسل في المغرب، تسجل تقديرات منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة نحو 96 حالة سل يوميا، ويشكل السل خارج الرئتين نسبة عالية جدا تقارب 53% من الحالات الجديدة المسجلة في 2025-2026.
وعن الفئات المتضررة، فإن مرض السل يتركز بشكل خاص في الأحياء الهامشية والمناطق الفقيرة ذات الكثافة السكانية العالية، كما يودي المرض بحياة حوالي 3300 شخص سنويا (بمعدل 9 وفيات يوميا).
وللحد من انتشار مرض السل، اعتمدت عدة إجراءات وقائية، أهما إطلاق المخطط الاستراتيجي الوطني (2024-2030) لتعزيز العلاج الوقائي والكشف المبكر، بالإضافة إلى المجانية المتعلقة بجميع خدمات التشخيص والعلاج في المستوصفات والمراكز الصحية التابعة لوزارة الصحة والحماية الإجتماعية.






