مجتمع

طنجة.. تنظيم لقاء جهوي حول العدالة المنصفة “مسارات في أفق تمكين ولوج النساء والفتيات للعدالة”

رشيد عبود:

تخليدا لليوم العالمي للمرأة الذي يصادف يوم 8 مارس من كل سنة، نظمت اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان لجهة طنجة تطوان الحسيمة، لقاء جهويا موسعا حول العدالة المنصفة “مسارات في أفق تمكين ولوج النساء والفتيات للعدالة”، الخميس المنصرم، بمدينة طنجة.

وفي كلمة تأطيرية، أكدت رئيسة اللجنة الجهوية سلمى الطود، على أن هذا اللقاء، يندرج في إطار النهوض بحقوق النساء والفتيات، وتمكينهن من المساواة الكاملة والشاملة تماشيا مع أهداف التنمية المستدامة في أفق 2030، ولاسيما الأهداف ذات الصلة بتحقيق المساواة بين الجنسين، والحد من أوجه التمييز المبني على النوع، وبتعزيز فعالية المؤسسات وإخضاعها للمساءلة، بما فيها مؤسسة القضاء، وباستدامة مجتمعات سلمية ودامجة للجميع.

وأشارت الطود، إلى أن عدم المساواة أمام العدالة يفتح الباب للإفلات من العقاب، مما دفع بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان سابقا، إلى تنظيم عدة حمالات تحسيسية وتشجيع الناجيات من العنف على التبليغ أمام القضاء، لاسيما وأن المجلس لاحظ من خلال الدراسات واستجماعه للمعطيات الميدانية، استمرار تواجد عدم التكافئ أمام العدالة بين النساء والرجال، مما ينعش شعور الإحباط والقلق النفسي، وعدم تحقيق الانتصاف.

وتابعت الرئيسة بالقول، بأن لجنة وضع المرأة التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، ركزت على العدالة المنصفة في دورتها السبعين، وحثت الدول الأعضاء على التركيز على وصول النساء والفتيات إلى النتائج الموضوعية المتمحورة حول عدم التمييز والمساواة كحقين أساسيين.

وإن أشادت ذات المداخلة بما أحرزه المغرب من نتائج إيجابية في الحقل الحقوقي كالوفاء بالتزاماته الدولية في مجال حقوق النساء، وبالمقتضيات الدستورية التي تقر بسمو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها على القوانين الوطنية، ورفع بعض التحفظات عن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، غير أنها سطرت كذلك، على أن التقييم للوضع الحقوقي الوطني الراهن، يكشف عن عدم القدرة على تفعيل منظومة الملاءمة الشاملة للقوانين الوطنية مع الاتفاقيات الدولية ومع الدستور، وخير مثال على ذلك هو التأخر في إصدار نسخة معدلة من مدونة الأسرة .

ولم تفوت الطود الفرصة للتذكير بأهمية قانون مناهضة العنف ضد النساء رقم 13-103، رغم محدوديته التي أبانت عنها الممارسة. من جانب آخر، أشارت المتدخلة إلى استمرار بعض العوائق القانونية والاجتماعية والاقتصادية التي تحول دون تحقيق فعلي للمساواة وعلى سبيل المثال لا للحصر، غياب تفسير للاغتصاب الزوجي، تزويج الطفلات، تمييز في قانون الجنسية بين النساء والرجال، غياب تشريع يفرض المساواة في الأجر عن العمل ذي القيمة المتساوية.

هذا، وعرفت أشغال هذا اللقاء تقديم ثلاث مداخلات علمية، تمحورت الأولى حول الإطار القانوني والتحديات القانونية لولوج النساء والفتيات للعدالة، من تقديم السيدة عائشة أشهبار، أستاذة القانون بالمعهد الوطني للعمل الاجتماعي بطنجة وباحثة في قضايا النوع الاجتماعي.

أوردت فيها المرجعيات الأساسية في مجال ولوج النساء والفتيات للعدالة في القانون الدولي الذي يؤكد على ضرورة توافر أربع مداخيل أساسية ألا وهي المساواة القانونية وضمان الحق في التقاضي، والحماية من العنف من خلال تفعيل آليات الإنصاف للنساء الضحايا، وتذليل العوائق بالقضاء على التمييز القانوني، ثم تعزيز مشاركة النساء كفاعلات داخل منظومة العدالة. وفي المحور المتعلق بالإطار القانوني الوطني ذي الصلة بولوج النساء والفتيات للعدالة، ذكرت الأستاذة أشهبار ببعض بنود الدستور، وبالقانون 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي، والقانون 14-27 المتعلق بمكافحة الاتجار في البشر، والقانون رقم 23-03 بتغيير وتتميم القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، وقانون مناهضة العنف ضد النساء 13-103.واختتمت المتحدثة مداخلتها، بتسليط الضوء على التحديات ذات الصلة بتطبيق القوانين الوطنية المعمول بها والفجوات التي تبرز من خلال الممارسة، متسائلة عن دور هذا الزخم القانوني إن لم يحقق نجاعة فعلية على أرض الواقع. كما تناول المداخلة الثانية، أنس سعدون، المستشار بديوان رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان والأستاذ بالمعهد العالي للقضاء تحت عنوان “المساطر القضائية بين محدودية إنصاف النساء وسبل تجاوز عوائق الولوج إلى العدالة”، والتي استهلها بتعريف مصطلحي “العدالة المنصفة” و”الولوج إلى العدالة”، مضيفا أن التمكين من ولوجها (العدالة) يستلزم تحقيق بعض الشروط، منها وضوح النص القانوني، نشر المعلومات القانونية، الإشعار بالحقوق، المساعدة القضائية وفق نطاق واسع، إزاحة العوائق اللغوية، وتبسيط لغة صياغة الأحكام القضائية، تقديم المشورة القانونية بشكل ممأسس ومجاني، الرفع من جودة استقبال المتقاضين، وتعزيز استعمال الرقمنة لحل إشكاليات الاختصاص المحلي. وأفاد سعدون، بأن الإصلاحات المنجزة إلى حدود اليوم بالمغرب مازالت غير كافية لتيسير الولوج إلى العدالة وخاصة عند الفئات الهشة، وفقا لما أكدته تقارير صادرة عن هيئات وطنية وبرلمانية ومدنية.

وبعد سرده لجملة من الإشكاليات القضائية التي تعيق تحقيق العدالة المنصفة، بسط سعدون مجموعة من الاقتراحات والحلول الضرورية، على رأسها الاستمرار في ورش الإصلاحات التشريعية من أجل قوانين أكثر إنصافا وملاءمتها مع الاتفاقيات الدولية، تعميم المعلومة القانونية وتبسيطها، استثمار إمكانيات تكنولوجيا المعلومات من أجل إزاحة العراقيل التي تحول دون وصول الفئات الهشة للعدالة، دعم المجتمع المدني، تبسيط المساعدة القضائية، إحداث الشباك الوحيد، مراجعة قانون محاربة العنف ضد النساء، إلخ.

من جانبها، تطرقت أسماء بنعدادة، باحثة بشعبة علم الاجتماع بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، متخصصة في الدراسات النسائية، لإشكالية تحول الموروث الثقافي إلى عائق نحو الولوج إلى العدالة، حالة الفتيات والنساء بالمغرب.

وأوضحت المتدخلة، بأن الموروث الثقافي هو جزء حي وفعال من التراث، ويشكل جزء من الهوية الوطنية والشخصية الجماعية ويشمل الموروثات المادية والثقافية وكل ما أخذ من السلف وتقيد به الناس فأثر في حاضرهم وشكل هويتهم، وبالتالي يستمد منه المجتمع أفكاره، تقاليده، ومعتقاداته وعاداته وقيمه.

كما أوضحت بنعدادة، بأن الموروث الثقافي يرتبط أحيانا بظواهر يمكن أن تكون عائقا نحو تحرر الفتيات والنساء، غير أن بعض هذه الظواهر الضارة لايمكن تغييرها من خلال القوانين فقط، بل بتغيير ثقافي عميق للذهنيات والعقليات.

وأضافت المتدخلة ذاتها، بأن الموروث الثقافي يمكن أن يكون عائقا لولوج النساء والفتيات للعدالة بسبب مجموعة من العوامل كالثقافة الأبوية والهيمنة الذكورية، وتثبيت الصور النمطية والتقسيم الجنسي للأدوار وفرض قيود تربوية وسلوكية، والخصوصية الأسرية التي تحد من التبليغ عن العنف بذريعة أن كل ما يقع بالأسرة هو شأن داخلي.

كما ذكرت المتحدثة، بمجموعة من العوائق المعرقلة لولوج النساء والفتيات للعدالة كالهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، ضعف الثقافة القانونية، ضعف الثقة في العدالة، الخوف من الوصم الاجتماعي، والعوائق اللغوية والمجالية.

هذا، وشكل اللقاء الذي عرف حضور تمثيلية وازنة للمؤسسات الحكومية المعنية، والقضائية، والأمنية، إلى جانب خبراء قانونيين، ومحاميين وحقوقيين وأساتذة جامعيين، وجمعيات المجتمع المدني المتخصصة مجال النساء والطفولة والإعاقة وإعلاميين، (شكل)، مناسبة لإثراء النقاش حول المكتسبات والإنجازات في مجال ولوج النساء والفتيات للعدالة، والإسهام في اقتراح حلول عملية وواقعية ببذل المزيد من الجهود في مواجهة التحديات المشار إليها، والمضي قدما نحو تحقيق عدالة فعلية منصفة للنساء والفتيات والفئات الهشة، من أجل تمكينهن من التمتع بحقوقهن وبتنمية مستدامة وشاملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق