مجتمع

طنجة.. تنظيم ملتقى “الأخوة الإنسانية” للديانات الثلاث

رشيد عبود:

في لحظة رمزية وروحية عميقة يتقاطع فيها التاريخ مع الحاضر، وتلتقي فيها الذاكرة الوطنية مع النداء الإنساني الكوني، وتجسد أسمى قيم التعايش والتفاهم بين الثقافات والأديان، احتضنت مدينة طنجة، مساء السبت المنصرم، فعاليات ملتقى الأخوة الإنسانية والإفطار الرمضاني المشترك، بمبادرة من “مؤسسة أدام للأخوة الإنسانية”، وبمشاركة عدد من القيادات الدينية والفكرية والفاعلين المدنيين المنتمين إلى الديانات السماوية الثلاث.

وقد تزامن تنظيم هذا الملتقى مع إحياء اليوم الدولي لمناهضة كراهية الإسلام، وفي أجواء شهر رمضان المبارك، شهر الرحمة والتسامح والتضامن، حيث استحضر المشاركون بكل تقدير وإجلال ذكرى بطل الحرية والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس، الذي جسد في أحلك لحظات التاريخ موقفا إنسانيا خالدا حين دافع عن كرامة الإنسان دون تمييز، مؤكدا أن حماية الإنسان هي أسمى القيم التي ينبغي أن تتوحد حولها الإنسانية.

كما عبر المشاركون عن اعتزازهم بالدور التاريخي والحضاري الذي تضطلع به إمارة المؤمنين في المغرب، تحت القيادة الحكيمة لأمير المؤمنين الملك محمد السادس في ترسيخ نموذج إسلامي معتدل يقوم على الوسطية والعدل والرحمة، ويجعل من الحوار بين الأديان والتعايش بين الشعوب ركيزة أساسية للأمن الروحي والسلم المجتمعي.

وشكل هذا الملتقى – حسب البيان الختامي – لحظة إنسانية جامعة، تجلت فيها روح الأخوة بين أتباع الديانات والثقافات المختلفة، من خلال لقاءات رمزية عميقة المعاني كزيارة الكنيس اليهودي، وغرس أشجار ترمز للأديان السماوية الثلاث، ورفع الدعاء المشترك من أجل الإنسانية، والاجتماع في فضاء روحي جامع داخل الكنيسة الكاثوليكية، اين ارتفع أذان المغرب في مشهد يجسد معنى التلاقي الإنساني والاحترام المتبادل.

وأكد المشاركون في هذا الملتقى، وهم يستحضرون حجم التحديات التي يواجهها العالم اليوم من حروب وصراعات وخطابات كراهية وانقسامات، أن الإنسانية تقف أمام مفترق طرق تاريخي، إما أن تنتصر لقيم العدالة والرحمة والتعاون، وإما أن تنجرف نحو مزيد من الصراعات التي تهدد مستقبل البشرية.ومن هذا المنطلق، أوضح المشاركون، أن الأديان السماوية لم تكن يوما سببا للصراع، بل كانت عبر التاريخ منارات للهداية ومصادر للرحمة والعدل والسلام، وأن أي توظيف للدين في نشر الكراهية أو العنف إنما يمثل انحرافا عن رسالته الحقيقية وخيانة لقيمه السامية.

كما جدد المشاركون في بينهم الختامي دائما، التزامهم الراسخ بنشر ثقافة الحوار بين الأديان والحضارات، والعمل المشترك من أجل تعزيز قيم التسامح والتعايش، ومواجهة كل أشكال التعصب والكراهية والتمييز الديني أو العرقي، وفي مقدمتها ظاهرة الإسلاموفوبيا التي تمثل خطرا على السلم العالمي ووحدة الأسرة الإنسانية.

وإذ يرفع المشاركون من طنجة، بوابة المغرب وإفريقيا وملتقى الحضارات، هذا النداء إلى ضمير العالم، فإنهم يدعون إلى وقف الحروب والصراعات التي تحصد أرواح الأبرياء وتدمر مستقبل الشعوب، وإلى جعل العدالة أساسا للعلاقات الدولية، لأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على الظلم، وإلى حماية المدنيين وصون كرامة الإنسان في كل مكان، وإلى تعزيز ثقافة الحوار والتفاهم بين الشعوب بدل خطاب الصدام والكراهية، وإلى دعم المبادرات الروحية والإنسانية التي تجمع بين الأديان في خدمة السلام العالمي.

كما أعلن المشاركون خلال هذا الملتقى، اعتماد “ميثاق طنجة للأخوة الإنسانية والسلام” بوصفه وثيقة أخلاقية وروحية مفتوحة أمام القيادات الدينية والفكرية والمؤسسات الدولية، لتكون إطارا مرجعيا لتعزيز ثقافة الأخوة الإنسانية والحوار بين الشعوب.إن الرسالة التي تنطلق اليوم من طنجة ليست مجرد كلمات تُقال في مناسبة عابرة، بل هي دعوة صادقة إلى ضمير الإنسانية جمعاء، كي تنتصر للإنسان قبل السلاح، وللعدل قبل القوة، وللرحمة قبل الصراع.

واختتم بيان المشاركين بالتأكيد على أن القوة الحقيقية للأمم لا تكمن في ترساناتها العسكرية، بل في قدرتها على حماية الإنسان، وعظمة الحضارات لا تقاس بانتصاراتها في الحروب، بل بقدرتها على منع الحروب قبل اندلاعها، مجددين التزامهم بأن يجعلوا من الأخوة الإنسانية لغة مشتركة بين الشعوب، ومن العدالة أساسا للسلام، ومن الحوار طريقاً لمستقبل البشرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق