دوليسياسة

توتر العلاقات بين واشنطن ومدريد يعيد جدل نقل قاعدة “روتا” العسكرية إلى المغرب

مصطفى قسيوي –

بعد توتر العلاقات بين البلدين إثر رفض مدريد استخدام قواعدها العسكرية في مهام مرتبطة بضربات أمريكية على إيران، مما دفع الرئيس الأمريكي إلى التهديد بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا، عاد الجدل مجددا في الأوساط الإسبانية حول مستقبل قاعدة “روتا” العسكرية الأمريكية، بعد ورود تقارير سابقة ألمحت إلى احتمالية اتخاذ إدارة دونالد ترامب قرارا بنقل هذه القاعدة من إسبانيا إلى بلد آخر، مع الإشارة إلى المغرب كخيار محتمل لما يوفره من خصائص جغرافية مماثلة لتلك التي تتمتع بها القاعدة الإسبانية.

وحسب صحيفة “إل إسبانيول”، فقد أثار قرار حكومة مدريد رفض استعمال قاعدتي “روتا” البحرية و”مورون” الجوية لدعم العملية العسكرية الأمريكية ضد إيران جدلا واسعا في الأوساط السياسية والعسكرية، وسط تحذيرات من تداعيات القرار على العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة.

وأضافت الصحيفة ذاتها، أن مراقبين اعتبروا أن الخطوة الإسبانية، التي بررت بكون العملية “خارج ميثاق الأمم المتحدة”، قد تعيد رسم توازنات الشراكات الاستراتيجية في غرب المتوسط لصالح المغرب، حيث يرى محللون أن المستفيد الأكبر من هذا التحول قد يكون المغرب، الذي ينظر إليه داخل دوائر القرار الأمريكي كشريك موثوق ومستقر في شمال إفريقيا، وتطرح في هذا السياق فرضية تعزيز التعاون العسكري المغربي- الأمريكي بشكل أوسع، خاصة في ظل العلاقات المتينة بين المملكة وأمريكا خلال السنوات الأخيرة، سواء في مجال الدفاع أو مكافحة الإرهاب أو التنسيق الاستخباراتي.

وتشير بعض التقديرات إلى أن البنتاغون شرع فعليا في مراجعة خياراته بالمنطقة، وسط حديث عن احتمال نقل جزء من الأنشطة اللوجستية والتدريبات العسكرية إلى القواعد المغربية على المدى المتوسط، في سيناريو قد يعيد رسم خريطة التحالفات العسكرية في غرب البحر الأبيض المتوسط.

وتعكس هذه التطورات مرحلة جديدة من إعادة التموضع الجيوسياسي في المنطقة، إذ تبحث واشنطن عن حلفاء أكثر التزاما واستقرارا، بينما تجد مدريد نفسها أمام اختبار دقيق لموازنة علاقاتها الأوروبية مع التزاماتها الأطلسية.

وسجل المصدر الإعلامي ذاته، أن قرار اسبانيا منع استعمال قاعدتي “روتا” البحرية و”مورون” الجوية دفع واشنطن إلى سحب عدد من طائرات التزود بالوقود من القاعدتين نحو قواعد بديلة في أوروبا، في مؤشر على فتور غير مسبوق في التنسيق الدفاعي بين البلدين، كما وجهت انتقادات لمدريد من دول غربية اعتبرت أن تموضعها الجديد يضعها خارج الإجماع الأوروبي الداعم للتحركات الأمريكية في المنطقة، وهو ما زاد من حدة النقاش الداخلي بشأن كلفة هذا الخيار سياسيا وأمنيا.

وفي هذا السياق، تذهب بعض التقديرات، وفق المصدر ذاته، إلى أن استمرار التباعد بين مدريد وواشنطن قد يفتح الباب أمام إعادة النظر في تموقع بعض المنشآت العسكرية الأمريكية في المنطقة، بما في ذلك احتمال نقل جزء من أنشطة قاعدة “روتا” إلى التراب المغربي على المدى المتوسط، ورغم أن هذا السيناريو يبقى معقدا من الناحية اللوجستية والسياسية، إلا أن مجرد تداوله يعكس حجم التحول في موازين الثقة بين الحلفاء التقليديين.

كما اعتبرت الصحيفة الإسبانية، أن هذا التطور يكشف عن مرحلة إعادة تموضع جيوسياسي في غرب المتوسط، حيث قد يعزز المغرب مكانته كشريك استراتيجي أول للولايات المتحدة في المنطقة، بينما تواجه إسبانيا تحدي الحفاظ على وزنها داخل التحالفات الغربية، وبين اعتبارات الشرعية الدولية وحسابات المصالح الاستراتيجية، تبدو خريطة التحالفات مرشحة لمزيد من التحول في الأشهر المقبلة، مما دفع بمنظمات الأعمال الإسبانية، ممثلة في الاتحاد العام لمقاولات إسبانيا والمنظمة الإسبانية للمقاولات الصغيرة وجمعية العاملين لحسابهم الخاص، إلى توجيه نداء عاجل إلى الحكومة لمطالبتها بـ”تصحيح المسار” بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي، محذرة من انعكاسات التوتر على التبادل التجاري مع “شريك أساسي” مثل الولايات المتحدة الأمريكية . وكانت وكالة “رويترز” كشفت ، نقلا عن مصادر دبلوماسية ، أن الإدارة الأمريكية تدرس بجدية إمكانية نقل قواعدها الجوية والبحرية المتمركزة في جنوب إسبانيا نحو المغرب، في خطوة تعكس تحولا استراتيجيا واسع النطاق في رؤية واشنطن تجاه منطقة شمال إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء، مشيرة إلى أن هذا التوجه يعكس ثقة متزايدة في الدور المحوري الذي يلعبه المغرب كحليف مستقر وشريك أمني موثوق في منطقة تتسم باضطرابات مزمنة، حيث تراهن الولايات المتحدة على المغرب على مستويين متوازيين، الأول يتعلق بالخلاف القائم مع إسبانيا داخل حلف شمال الأطلسي بشأن تقاسم أعباء الإنفاق الدفاعي، والثاني يتصل بدراسة نقل مقر القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا (أفريكوم) من مدينة شتوتغارت الألمانية إلى مدينة القنيطرة المغربية، التي تحتضن بنية تحتية عسكرية متقدمة وتمتاز بقربها الإستراتيجي من العمق الإفريقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق