بعد فيضانات غير مسبوقة اختبرت السدود.. الحكومة تعلن عبور المرحلة الأصعب

الرباط- عبد الحق العضيمي /
أعلنت الحكومة تجاوز المرحلة الأصعب من موجة الفيضانات التي عرفتها المملكة خلال الأسابيع الماضية، مؤكدة أن الضغط غير المسبوق الذي تعرضت له السدود تم تدبيره باستباقية، مع تسجيل واردات مائية قياسية بلغت 11.7 مليار متر مكعب في أقل من شهرين، في وقت تجاوز فيه التفريغ الاستباقي 4.2 مليارات متر مكعب.
جاء ذلك على لسان وزير التجهيز والماء، نزار بركة، خلال الندوة الصحفية التي أعقبت اجتماع مجلس الحكومة أمس الأربعاء.
وقال بركة إن “بلادنا عاشت وضعية استثنائية على مستوى الأحوال الجوية، خصوصا ببعض المناطق التي تضررت كثيرا”، في إشارة إلى أقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان، مضيفا أنه “يمكن اعتبار أننا دخلنا نهاية المرحلة الصعبة التي مررنا منها”.
وأوضح أن النشرات الإنذارية ما تزال قائمة ابتداء من يوم غد الجمعة، خاصة على مستوى حوض اللوكوس، حيث يرتقب تسجيل تساقطات مطرية ما بين 40 و60 ملم، إضافة إلى رياح قوية بعدد من المناطق، مشيرا إلى أن الأجواء ستتحسن بشكل كبير ابتداء من يوم الأحد المقبل، وهو ما سيمكن من القيام بالتقييم النهائي للأوضاع واتخاذ التدابير اللازمة.
وردا على الانتقادات التي طالته بشأن غيابه وضعف تواصله، شدد الوزير على أن الوزارة كانت حاضرة بقوة خلال هذه المرحلة، مبرزا أن مختلف المسؤولين قدموا معطيات دقيقة للرأي العام، معتبرا أن الأمر كان “محطة للخبراء لطمأنة المواطنين وإعطائهم المعلومة حول التطورات الجوية”.
وتابع بالقول إن “الهدف كان تقديم خطاب لا يخضع لأي تقييم سياسي، لأن هدفنا هو أن تكون المعلومة موضوعية وألا تعطى لها أي تأويلات”.
وأضاف بركة أن التدخلات الميدانية تمت بتوجيهات ملكية سامية، حيث أعطى جلالة الملك تعليماته لتعبئة القوات المسلحة الملكية، إلى جانب السلطات المحلية والأمنية والوقاية المدنية ومختلف القطاعات الوزارية المعنية، مشددا على أن الهدف الأسمى كان حماية أرواح المواطنين وضمان سلامتهم، وهو الأساس الذي حكم جميع التدخلات خلال هذه المرحلة.
وبلغة الأرقام، أفاد بركة بأنه منذ فاتح شتنبر إلى غاية أول أمس بلغ معدل التساقطات المطرية 150 ملم، أي بزيادة 35 في المائة مقارنة مع المعدل السنوي المسجل منذ تسعينيات القرن الماضي. وأورد أن الكميات المسجلة تضاعفت ثلاث مرات مقارنة بالسنة الماضية، في مؤشر واضح على الطابع الاستثنائي للموسم الحالي.
ولم تقتصر الوضعية على الأمطار فقط، بل شملت أيضا التساقطات الثلجية، التي بلغت فيها المساحة المغطاة رقما قياسيا وصل إلى 55 ألفا و495 كيلومترا مربعا، قبل أن تستقر حاليا في حدود 23 ألفا و186 كيلومترا مربعا، مؤكدا أنه منذ بداية التساقطات الثلجية لم تنخفض المساحة المغطاة عن 20 ألف كيلومتر مربع، مع سمك للغطاء الثلجي يتراوح ما بين متر ومترين.
وأوضح أن ذوبان هذه الكتل الثلجية شكل بدوره موردا إضافيا للواردات المائية، إلى جانب الحمولات الناتجة عن التساقطات المطرية.
واستطرد أن هذه الوضعية الاستثنائية تتجلى أيضا في حجم الواردات المائية المسجلة، مشيرا إلى أنها بلغت منذ فاتح شتنبر 12 مليارا و170 مليون متر مكعب، منها 11 مليارا و700 مليون متر مكعب سجلت فقط منذ 12 دجنبر إلى اليوم، أي في أقل من شهرين.
وأبرز المسوؤل الحكومي أن مجموع 11 مليارا و700 مليون متر مكعب المسجلة في هذه الفترة يفوق ما تم تسجيله خلال السنة الماضية بأكملها (2024-2025)، التي لم تتجاوز 9 مليارات و800 مليون متر مكعب، كما يفوق بكثير مستويات سنوات سابقة، من بينها 2018 التي سجلت 4 مليارات و800 مليون متر مكعب، و2019-2020 بـ3 مليارات و300 مليون متر مكعب، و2021-2022 التي لم تتجاوز مليارا و900 مليون متر مكعب، ما يعني أن البلاد ضاعفت متوسط سبع سنوات كاملة في ظرف شهرين فقط.
وتابع أنه ما بين 28 يناير إلى يوم أول أمس دخلت 6 مليارات و500 مليون متر مكعب، أي أكثر مما دخل السنة الماضية بأكملها، وضعف ما سجل خلال 2023-2024.
وبفعل هذه الواردات، يضيف بركة، بلغت نسبة ملء السدود على الصعيد الوطني 69.4 في المائة، أي ما يعادل 11 مليارا و600 مليون متر مكعب مخزنة حاليا، لافتا إلى أن 8 أحواض مائية من أصل 10 تجاوزت نسبة 45 في المائة من الملء، من بينها اللوكوس بـ93 في المائة، والسبو بـ91 في المائة، وأبي رقراق بـ92 في المائة، والملوية بـ57 في المائة، وتانسيفت بـ82 في المائة، وسوس ماسة بـ45 في المائة، وكير زيز غريس بـ59 في المائة، ودرعة وادنون بـ33 في المائة.
وبحسب الوزير، فإن هذا المستوى من التخزين يوفر ما بين سنة إلى ثلاث سنوات من الماء الصالح للشرب، مع استمرار مساهمة ذوبان الثلوج في تعزيز المخزون خلال الأسابيع المقبلة. كما سجل أن 31 سدا تجاوزت نسبة الملء فيها 80 في المائة، فيما بلغ عدد السدود التي وصلت إلى 100 في المائة وتم تفريغ فائضها 11 سدا.
وفيما يتعلق بعمليات التفريغ، أوضح وزير التجهيز والماء أنه تم تصريف 4 مليارات و200 مليون متر مكعب في إطار التفريغ الاستباقي، منها ملياران في حوض سبو، ومليار و400 مليون في اللوكوس، و660 مليون متر مكعب في أبي رقراق، أي ما مجموعه 4 مليارات متر مكعب في هذه المناطق وحدها.
أما بخصوص سد واد المخازن، الذي تبلغ سعته الإجمالية 672 مليون متر مكعب، فقال بركة إنه استقبل مليارا و462 مليون متر مكعب، وهو ما يفوق سعته بأكثر من الضعف، مشيرا إلى أنه “حتى لو تم تفريغه مرتين كان سيبقى هناك فائض”، في إشارة إلى حجم الضغط الاستثنائي الذي عرفه.
وزاد شارحا أن حمولة السد بلغت يوم 28 يناير 3200 متر مكعب في الثانية، وهو مستوى مرتفع جدا، مشيرا إلى أن الصبيب الذي تم إخراجه بلغ في أقصاه 810 أمتار مكعبة في الثانية، وهو ما انعكس على ارتفاع منسوب المياه ببعض المناطق السفلى.
وأضاف أن يوم 9 فبراير شكل محطة صعبة، إذ كان من المتوقع أن تبلغ الحمولة 3200 متر مكعب في الثانية، غير أنها استقرت في حدود 2200 متر مكعب في الثانية، مع حفاظها على مستوى يتراوح بين 1200 و1300 متر مكعب في الثانية لمدة 24 ساعة، ما شكل ضغطا كبيرا على السد.
وأكد المسؤول الحكومي أن وجود السدود حال دون تدفقات مهولة نحو المناطق السفلى، قائلا إنه “لولا وجود هذه السدود لضبط المياه، لكانت كميات تفوق مليارا و100 مليون متر مكعب قد اجتاحت المناطق”، مشيرا إلى أن التدبير كان استباقيا، وأن عمليات الإخلاء انطلقت قبل يومين من ذروة التدفقات، بتوجيهات ملكية سامية، مع تعبئة القوات المسلحة الملكية والسلطات المحلية والأمنية والوقاية المدنية. كما شدد على أن ما تحقق لم يكن صدفة، بل نتيجة تتبع مستمر وتنسيق محكم، مبرزا أن الأضرار، رغم تسجيلها، ظلت محدودة مقارنة بحجم التدفقات. وأكد بركة أيضا أن تدبير هذه الظرفية تم في إطار تصور واضح، دون وجود أي صراع، قائلا إن “الحكومة اشتغلت كفريق واحد بتوجيهات ملكية سامية، وبهدف أول وأخير هو سلامة المواطنين وتقليص الأضرار”.






