قضايا وآراء

الإنزال الإجباري للعصابة من برج المراقبة

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس –

تم يوم الأحد الفارط، وبنجاح كبير، إنزال العصابة الحاكمة في الجزائر قسرا من برجها العاجي الذي اعتادت أن تصعد إليه وتفر، كلما اشتد النقاش حول المسؤوليات والالتزامات بإنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، فقد ألفت العصابة التملص التام من مسؤولياتها عن افتعال النزاع وعن بحث حله، بدعوى أنها ليست طرفا فيه ولا علاقة لها به إلا من باب الجوار والمراقبة والملاحظة، حتى تأكد للمجتمع الدولي برمته زيف هذه الدعوى، بعد ضبط الجزائر خائضة وغائصة من أخمص قدميها إلى صلعتها في وحل النزاع الذي اختلقته ورعته وغذته ومدته بكل أسباب البقاء والتوسع عبر أذرعها التي أنشأتها من مادة مختلطة تجمع بين شذاذ الآفاق، والفارين من العدالة أو الحروب والمجاعات في بلدانهم، وعصابات الجريمة المنظمة وتجار البشر والممنوعات، وبعض الصحراويين المغاربة المغرر بهم، تحت مسمى اللاجئين…

لم يتم فحسب إنزال العصابة من برج المراقبة بالقوة والإكراه، بل تم في الوقت نفسه إجلاسها مرغمة إلى طاولة المباحثات والمفاوضات التي طالما فرت منها، منذ الإقرار الأممي بصيغة الموائد المستديرة بهدف التوصل إلى حل سياسي نهائي ومستديم للنزاع المفتعل، والتي انسحبت من جولاتها المبرمجة بعد جولتي 2018 و2019 بجنيف، بعد أن تبينت منها انفضاحها كطرف أساسي في النزاع، والتساقط التدريجي لأقنعتها. واليوم وبعد أن كرس قرار مجلس الأمن الدولي 2797 الجزائر كطرف رئيس في النزاع، واعتمد مخطط الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية كأساس ومرجعية للتفاوض بشأن الحل السياسي للنزاع المفتعل، وفتح أمام المجتمع الدولي طريقا عمليا وإجرائيا، وضمن الإطار والخيار المعتمد لتحريك ملف النزاع نحو الإغلاق النهائي، عمدت الجزائر في الوقت بدل الضائع إلى معاودة محاولاتها للتحلل من جديد من مسؤولياتها والتزاماتها بإنهاء ما بدأته من عدوان في هذا الملف المختلق جملة وتفصيلا، غير أن التحولات الجيوسياسية الدولية والإقليمية التي لم تقرأها العصابة جيدا، فضلا عن استهانتها القصوى بقرار مجلس الأمن الدولي الأخير والحاسم، وضعت العصابة الجزائرية في قلب النزاع وصدارته، ومن ثمة المناداة عليها كطرف مباشر للجلوس مع الطرف المغربي وجها لوجه، بحضور كل من موريتانيا وممثلي المشروع الانفصالي، في أولى مباحثات تنزيل الحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية المغربية، والتي جرت أطوارها بمقر السفارة الأمريكية بمدريد، يوم الأحد الماضي، الأمر الذي لم يترك للعصابة أي هامش للمناورة، بعد إجلاسها صاغرة إلى طاولة المفاوضات، خاوية الوفاض من أي اقتراح أو مبادرة، وممنوعة من عزف ألحانها النشاز حول الاستفتاء المقبور وتقرير المصير المعسول.

ولعل العصابة وهي تنخرط، شاءت أو أبت، في خطة طريق مدريد لتنزيل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، تستحضر بمرارة نصب عينيها، كيف ستخبر مواطنيها بهذا الحدث الجلل، وكيف ستدبر هذه الصدمة، وتخفف من آثارها السلبية على صورتها المهزوزة أصلا أمام شعب أثخنته، وبغباء منقطع النظير وحتى آخر لحظة، بالشعارات الكاذبة والخادعة عن انتصاراتها الديبلوماسية في قضيتها الوطنية الأولى وهي تقسيم المغرب، وخلق كيانات انفصالية فوق ترابه الوطني.

وإذا كان الوقت لم يعد يسمح للعصابة بأكثر من فرصة ضيقة لتسوية أكاذيبها بالأرض، بعد أن كان لديها متسع كبير من الوقت لإنقاذ ماء وجهها، أهدرته في المزايدات وتصديق أكاذيبها وغطرستها، فإن الجولة الثانية والأخيرة لتوقيع اتفاق إطار حول تنزيل الحكم الذاتي بالصحراء المغربية، ستتكفل بالقضاء على آخر مقاومة للحل، وآخر مزايدة ومتاجرة بمأساة المحتجزين بتندوف، لتفتح المخيمات على مصراعيها أمام اللجنة التقنية المشتركة والمختلطة من أجل فرز المغاربة من أصول صحراوية، عن غيرهم من المستقطبين للمشروع الانفصالي من دول الجوار، وحينها سيتقرر مصير المحتجزين المرشحين للعودة إلى وطنهم وديارهم، عن مصير غيرهم من المرتزقة واللقطاء وشذاذ الآفاق المرشحين لاستعادة هوياتهم الحقيقية واستعادة بلدانهم لهم. بقي سؤال على العصابة الحاكمة في الجزائر أن تجيب عنه أمام امتحان التاريخ وأمام شعبها: من صدقت نيته، وتحقق خبره وتوقعه، ورجحت موثوقيته، صفاقتكم طيلة شهور من الغرور، وصف فيها رئيسكم وحثالتكم الدبلوماسية وإعلامكم مخطط الحكم الذاتي بأنه خرافة و”حجاية” ولا حدث، ومجرد زوبعة في فنجان، وبضع صفحات إنشائية ليس تحتها عمل أو مشروع قابل للحياة والتطبيق، ووصف قرار مجلس الأمن الدولي الأخير بأنه غير ملزم وغير حصري، ويحمل خيارات أخرى محتملة ومتعددة، غير الحكم الذاتي، لطرحها ومناقشتها، أم حكمة المغرب في مبادرته التي زكاها العالم بأسره ورحب بوعودها ونتائجها المتوافقة مع الشرعية الدولية، وأربعون صفحة موثقة ومفصلة من مخطط الحكم الذاتي التي عرضت على العصابة نسختها، وهي بصدد قراءتها كحقيقة فاقئة لعينيها، قبل أن ينادى عليها للمرة الثانية بعد شهرين أو ثلاثة أشهر على أبعد تقدير، للجلوس إلى طاولة التوقيع على الاتفاق الإطار من أجل المشاركة في تنزيل الحكم الذاتي، باعتبارها طرفا رئيسيا ومباشرا في النزاع كما في الحل. فأين الخرافة واللاحدث الذي لم يعد يسمع به أحد، إن لم يكن هو المشروع الانفصالي نفسه الذي ذهب أدراج الرياح، وتحرك مع رمال الصحراء في اتجاه الشرق لتذوق منه الفئة الباغية بعض ما عملته أيديها طيلة نصف قرن من العدوان على المغرب أرضا وشعبا ودولة، واستهدافه في وحدته الترابية، بالدسائس والمؤامرات الغادرة والإساءات البالغة، التي لا تستحيي العصابة من احتسابها في ميزان حسناتها ومفاخرها التي تسوقها لشعبها في زمن الهزائم والتراجعات والانتكاسات والانكسارات، على أنها من جملة الانتصارات العظيمة، والمنجزات الباهرة، والبطولات الماحقات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق