دوليسياسة

قانون تجريم الاستعمار يعيد العلاقات الفرنسية الجزائرية إلى دائرة التوتر

مصطفى قسيوي –

دخلت العلاقات الفرنسية الجزائرية، مجددا، إلى دائرة التوتر، بعد مصادقة البرلمان الجزائري بالإجماع على قانون تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر، والمطالبة باعتذار رسمي وتعويضات عن الحقبة الاستعمارية، وهو ما اعتبرته باريس “مبادرة عدائية” من شأنها تقويض الجهود الرامية إلى إعادة بناء جسور الحوار بين البلدين.

واعتبرت وزارة الخارجية القانون تصعيدا غير منسجم مع ما تصفه بـ”العمل الهادئ” على ملف الذاكرة، وهو الملف الذي ظل لعقود إحدى أعقد العقد في العلاقة الثنائية، رغم محاولات متقطعة لتطويقه بإجراءات رمزية أو مبادرات تاريخية مشتركة.

وتخشى الدبلوماسية الفرنسية أن يؤدي اعتماد هذا القانون إلى نسف ما تبقى من قنوات الحوار، خاصة في ظل حساسية الظرف السياسي والإقليمي، حيث تظل ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب رهينة حدّ أدنى من التنسيق بين البلدين.

وفي هذا السياق، حرصت باريس على الجمع بين التعبير عن الانزعاج والتأكيد، في الوقت ذاته، على رغبتها في مواصلة “حوار صارم” مع الجزائر، في محاولة واضحة لتفادي القطيعة الكاملة، دون تقديم أي التزام بخصوص مطلب الاعتذار أو التعويض.

في المقابل، ينظر داخل الأوساط الفرنسية إلى القانون الجزائري باعتباره خطوة ذات طابع سيادي داخلي، لكنها تحمل رسائل خارجية مباشرة، خصوصا أنها تنقل ملف الذاكرة من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى التشريع الملزم، ولو رمزيا، كما أن تضمين النص أحكاما جزائية تجرم تمجيد الاستعمار أو إنكار طابعه الإجرامي يثير مخاوف إضافية في فرنسا، سواء على مستوى حرية التعبير أو على صعيد التعاون الأكاديمي والتاريخي بين الجامعات ومراكز البحث في البلدين.

وفي هذا الإطار، حذر رجل الأعمال الفرنسي الجزائري والمفوض الفرنسي السابق للتنوع، يزيد سابق، من انزلاق العلاقات الجزائرية الفرنسية نحو ما وصفه بنقطة اللاعودة، في ظل تصاعد التوتر السياسي والدبلوماسي بين البلدين، داعيا إلى إشراك رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق دومينيك دو فيلبان في مسعى عاجل لإعادة فتح قنوات الحوار واحتواء الأزمة.

واعتبر سابق أن العلاقة الثنائية باتت تدار بمنطق “العقاب السياسي”، حيث تتحول ملفات الذاكرة، التأشيرات، الهجرة، الأمن، وأوضاع مزدوجي الجنسية إلى أدوات ضغط متبادلة

وقال يزيد سابق في تصريحات لموقع “كل شيء عن الجزائر” تعليقا على القانون الجزائري الأخير الذي يجرم الاستعمار الفرنسي، والذي اعتبره محطة مفصلية قد تحول علاقة “صعبة ولكن قابلة للإدارة” إلى علاقة عقابية قائمة على منطق الردود المتبادلة والتصعيد،محذرا من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى حادث دبلوماسي أو أمني يتم توظيفه سياسيا من الجانبين، بما يجعل أي مبادرة تهدئة لاحقة شبه مستحيلة.

ومن جهته، اتهم السفير الفرنسي السابق لدى الجزائر كزافييه دريانكور، الرئيس عبد المجيد تبون والنظام الجزائري بالسعي لـ”إرباك اللعبة السياسية داخل فرنسا وإحداث انقسام بين اليسار واليمين”، وهو يؤكد أن هذا الأخير لا يستهدف بسن قانون تجريم الاستعمار الفرنسي مجرد “تصفية حساب مع الماضي”، محذرا من أن النص الجديد “سيفجر خلافات حادة في الداخل الفرنسي” في وقت تشهد فيه العلاقات الثنائية واحدة من أكثر مراحلها توترا منذ عقود.

وقال دريانكور في مداخلة على إذاعة “أوروبا 1” إن أحد أهداف الرئيس الجزائري هو “إرباك اللعبة السياسية في فرنسا” مضيفا: “هو يعلم جيدا أن هذا القانون سيحدث انقسامات في فرنسا جزء من اليسار واليسار المتطرف سيقول: الجزائر على حق تماما في الاحتجاج على جرائم الاستعمار في المقابل، سيستنكر جزء من اليمين واليمين المتطرف هذا النص ويعتبره استفزازا غير مقبول”. واعتبر السفير الفرنسي، أن الذاكرة الاستعمارية ستتحول إلى نوع من “الوقود السياسي” داخل الجزائر، حيث يشير إلى ما سبق أن سماه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بـ”الريع الذاكرتي” خطاب معاد لفرنسا يسمح للنظام بتأمين تعبئة داخلية في سياق اجتماعي واقتصادي هش يطبعه الركود الاقتصادي وارتفاع البطالة وهشاشة الأفق لدى قطاعات واسعة من الشباب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق