من مد التحرير إلى المد التنموي والوحدوي

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس –
حينما يخلد الشعب المغربي ذكرى عيد الاستقلال المجيد التي تصادف الثامن عشر من نونبر كل عام، فإن هذا التخليد لا يعني فحسب استحضار أمجاد الماضي ومفاخره، والاعتزاز بالتضحيات الجليلة لجيل من الرجال والنساء، التف وراء ملكه المفدى في تلاحم فريد بين الأمة ورمز وحدتها الذي ضحى بالغالي والنفيس من أجل إنهاء الوجود الاستعماري فوق أرض المملكة المغربية العريقة، ومن أجل استرجاع سيادتها الكاملة على ترابها الوطني، وإنما يعني، من بين أكبر ما يعنيه، تنزيل شعار هذا الحدث التاريخي الذي عبر عنه المغفور له جلالة الملك محمد الخامس في خطاب إعلان بزوغ فجر الحرية والاستقلال وانتهاء عهد الحجر والحماية، بالقول المأثور: “عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”، ليس تقزيما ولا تصغيرا من حدث الاستقلال في حد ذاته، ولا تهوينا من التضحيات الكبيرة التي قدمت في سبيله، وإنما إيذانا بأن حفظ مكتسبات هذا الاستقلال وتحقيق وعوده بالحرية والديموقراطية والعدالة والكرامة والعزة والمنعة والمكانة، وبناء مؤسسات الدولة الحديثة ودولة المواطنة والحق والقانون، وإقامة كل المؤسسات السيادية القوية وإنشاء الأنظمة الإدارية الوطنية والمواطنة، ومحاربة كل أشكال التخلف والجهل والإقصاء، هي معركة مستمرة لا تقل شأنا عن معركة الاستقلال، ومد تحرري وتنموي ووحدوي مستدام، بعيد المدى، ويتطلب أنفاسا طويلة وجهادا أسمى وجهدا أكبر، فلا استقلال في ظل الحرمان، ورهن مستقبل الأجيال القادمة باستهلاك تراث الأجداد، بل في تنميته وتطويره وتحسينه واستلهامه واستثماره في توطيد دعائم مغرب جديد موحد، لا يقل عظمة ونهضة وتقدما عن ماضيه الزاهر، ودولته التي امتدت حدودها من أوروبا إلى جنوب الصحراء الكبرى، وعن دول متقدمة في العصر كان المغرب يسابقها في التحضر والتمدن والقوة العسكرية والعلاقات الدولية والمعاهدات الموقعة والاعترافات المتبادلة.
ولهذا كان الاحتفال بعيد الاستقلال في المغرب، بالإضافة إلى ما يشكله من مناسبة للوفاء لدماء الشهداء ورجالات المقاومة والتحرير، مناسبة لاستعراض امتدادات شرارة هذا الجهاد الأصغر للتحرير في الجهاد الأكبر الذي لا ينقطع ولا يتوقف، من أجل تتويج نضالات التحرير وكفاحاته بثمرة النضال والكفاح من أجل استكمال تحرير الأرض بتحرير الإنسان، وإعادة بناء البيت المغربي الثابت والقوي المتين الذي ركنه من حجر وسقفه من حديد.
لقد انطلقت بالفعل ومنذ عودة جلالة المغفور له الملك محمد الخامس من منفاه الاضطراري هو وأسرته الشريفة، حاملا في يديه وثيقة الاستقلال، عمليات جهادية كبرى لإعادة بناء كل ما خربه الاستعمار، بدءا باسترجاع الممتلكات المنهوبة والأجزاء الترابية المغربية التي قصها الاستعماران الفرنسي والإسباني واقتطعاها واقتسماها، حيث تم استكمال إنهاء الاستعمار الإسباني لجزء كبير من المناطق الشمالية المغربية عام 1956، ليزحف المد التحرري لرجال المقاومة والتحرير والجيش المغربي نحو الجنوب حيث استرجعت مدينة طرفاية عام 1958 مباشرة بعد الاستقلال (1956) على يد المغفور له الملك محمد الخامس، واسترجعت بعدها تدريجيا مدينة سيدي إفني عام 1968 على يد المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، وعلى يده كذلك استرجعت الصحراء المغربية عام 1975، لتتواصل في الآن نفسه مسيرة التحرير والنماء والبناء والوحدة وإلى غاية اليوم، بقيادة جلالة الملك محمد السادس الذي اقتحم كل العقبات المحبطة، وخاض مع شعبه أكبر المعارك الوجودية في تاريخ المغرب الجديد والمرتبطة بإحلاله مكانته القيادية والريادية المستحقة بين الأمم المتقدمة، وبانتزاع الاعترافات الدولية بسيادة المغرب على أراضيه المسترجعة في الأقاليم الجنوبية، والتي توجت بالمصادقة الأخيرة لمجلس الأمن على قراره التاريخي الحاسم 2797 القاضي باعتماد المبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء تحت السيادة المغربية حلا نهائيا للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية. وإن هي إلا سنوات معدودات ويصبح المغرب بفضل هذا الإرث التاريخي من انتصارات تحرير الأرض وتحرير الإنسان، ومن مواجهة بقايا الاستعمار وفلوله وخدامه في المنطقة، نجما ساطعا في أرض وسماء إفريقيا، يستضاء به في الوحدة الإفريقية، ويهتدى به لعبور هذه القارة المكافحة حقل الألغام التي زرعها الاستعمار في طريقها، مثلما زرعها في طريق المغرب المستقل، وعرف هذا المغرب كيف ينزعها واحدة تلو الأخرى، في جهاد أكبر من جهاد الاستقلال الذي دفع المغرب ولا يزال ضريبته وثمنه من دمه ومن أرضه ومن ثرواته، بروح من الوفاء والتضحية والنفس الطويل والصبر والمثابرة والتعبئة والصمود في مواجهة المعارك الضارية المفتوحة في كل الجبهات العسكرية والسياسية والاقتصادية والحقوقية والإعلامية، بهدف ثني المغاربة عن توحيد كلمتهم وصفهم ورميتهم تحت قيادة ملكهم المفدى، فما وهنوا وما ضعفوا وما استكانوا.




