قضايا وآراء

انطلاق عمليات التفصيل والتوسيع

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس –

ما كاد يمر الأسبوع الثاني على تصويت مجلس الأمن الدولي على قراره التاريخي النهائي بشأن الحل السياسي للنزاع المفتعل حول الصحراء، والقاضي باعتماد مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية أرضية لإطلاق مفاوضات بين أطراف النزاع، وكذا على الخطاب الملكي السامي بالمناسبة، حتى كان المغرب قد تهيأ بكل الجدية والمصداقية للوفاء بالتزاماته الدولية لتقديم الصيغة التفصيلية المقترحة لحكم ذاتي حقيقي، تسلم للمنتظم الدولي لاتخاذها أساسا لمفاوضات الحل النهائي. فمباشرة بعد الخطاب الملكي السامي على إثر التصويت الإيجابي والحاسم لمجلس الأمن على مرجعية الحكم الذاتي، أعطى جلالته تعليماته السامية لانطلاق عمليات تدقيق وتفصيل وتحيين مبادرة الحكم الذاتي، المتوجة بإنتاج الصيغة المتقدمة والمكتملة التي يترقبها المنتظم الأممي لاستئناف تفعيل مفاوضات الحل السياسي على أساس هذا المخطط المفصل المنسجم مع ميثاق الأمم المتحدة والشرعية الدولية، ومع معايير القانون الدولي المتعلقة بأنظمة الحكم الذاتي وصيغه.

بدأ الأسبوع الثاني ما بعد 31 أكتوبر بدعوة زعماء الأحزاب السياسية لتقديم تصورات ومقترحات تنظيماتهم بشأن تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي، وذلك خلال اجتماع معهم بالديوان الملكي بتعليمات من جلالة الملك، ترأسه مستشارون لجلالته وحضره إلى جانبهم وزيرا الداخلية والخارجية، إعمالا من جلالته للمقاربة التشاركية والتشاورية الواسعة المعتادة في القضايا الكبرى والمصيرية للبلاد.

 ومن المرتقب انفتاح المشاورات على كل القوى الحية والنخب الفكرية والقانونية في البلاد والتي بإمكانها أن تقدم قيمة مضافة لتجويد الصيغة المغربية للحكم الذاتي، والانتقال بها إلى نموذج إقليمي ودولي رائد في نزع فتائل النزعات الانفصالية، وحماية الوحدة الترابية والوطنية للدول والشعوب.

تجري كذلك على الصعيد الوطني نقاشات عمومية وملتقيات للتداول بشأن مقترح الحكم الذاتي، ومعارض لتباري الأفكار والاجتهادات في تقديم توجيهات وملاحظات ومعطيات ونتائج دراسات ومقارنات، تشمل علماء اجتماع وأنتربولوجيين ورجال القانون والعلاقات الدولية وخبراء واختصاصيين في مجال التدبير الترابي وغيرهم. وبالنظر إلى ما راكمه المغرب من تجارب تشريعية وقانونية وحقوقية وتواصلية متطورة ناجحة في تدبير الحكم وتدبير الاختلاف والتعددية، فإن المنتظر من النسخة المغربية للحكم الذاتي أن تعكس بالفعل هذا النجاح المغربي، وهذا الذكاء الجماعي الأصيل الذي تدار به ملفات القضايا المصيرية الكبرى للبلاد، وهي النسخة التي لا يمكن للمنتظم الأممي إلا أن يدعمها ويباركها ويضمها إلى ترسانته القانونية وقراراته المعتمدة بشأن تطوير مبدأ تقرير المصير الوارد في ميثاقه.

يتوقع من الصيغة المغربية للحكم الذاتي أن تجمع بين أمرين مميزين؛ أولهما الوفاء بالشرط التاريخي والثقافي والاجتماعي لجهة الحكم في الصحراء، والتي تتميز بارتباطها التاريخي العميق بالوجود المغربي دولة وشعبا وحضارة ولغة ودينا وروحا، ومن ثمة يقضي هذا الشرط بإنتاج تصورات تحافظ لجهة الحكم الذاتي على هذه الروابط الوطنية العميقة والعريقة والممتدة من شمال المملكة إلى جنوب الصحراء، والتي تشكل الشخصية المغربية بكل أبعادها وغناها وتعددها وتنوعها وانفتاحها… والأمر الثاني الوفاء بالشرط القانوني والحقوقي الدولي من حيث التناغم والانسجام مع المعايير الدولية ذات الصلة بالمبادئ المقررة بشأن الحكم الذاتي الحقيقي. وبإمكان المغرب أن ينتج تجربته المميزة للحكم الذاتي في بيئته ذات الخصوصيات الحضارية والثقافية والبشرية المختلفة، مثلما فعلت العديد من الدول التي تضم جهات تتمتع بالحكم الذاتي في إطار سيادة الدولة الوطنية.

نحن على يقين أن الذكاء الجماعي للمغاربة في الربط الموفق والناجح بين الثوابت والمتغيرات، والمسؤوليات والحقوق، والخصوصية المحلية والعالمية، مثلما فعلوا في تطوير تشريعات وقوانين غاية في الحساسية الاجتماعية والثقافية والحقوقية، سيقودهم مرة أخرى إلى نجاحات باهرة ومشجعة في العمل على هذا الملف المصيري والوجودي للمغرب، بالجمع بين أصالة الإبداع المغربي في بناء مؤسسات الحكم والتدبير والسلطة، والانفتاح على متغيرات التدبير الترابي، والمعايير الدولية التشريعية والحقوقية في بناء اختصاصات جهات الحكم الذاتي وتوسيعها وتمتيعها بكافة الضمانات التي تكفل لساكنة جهة الحكم الذاتي تسيير شؤونها بنفسها بكل ديموقراطية وشفافية.

الأسابيع المقبلة في المغرب حافلة بزخم الاجتماعات واللقاءات والنقاشات والحوارات البناءة، وتهيئة أجواء صحية تعاونية بهدف إعداد الصيغة المغربية المتطورة للحكم الذاتي الحقيقي، لاعتماده في مفاوضات الحل السياسي النهائي لنزاع الصحراء. بينما في الجهة الأخرى والطرف الآخر المنازع، تزداد المواقف جمودا وتضاربا وتناقضا إلى حد الدوخة والدوار، ويتواصل الرهان على خسارة المغرب ومعه المجتمع الدولي هذا النجاح وهذا التحدي، للعودة بالملف إلى نقطة الصفر. وحيث تشجع جميع دول العالم أطراف النزاع على الانفتاح على الحل السياسي التفاوضي، وتجري اتصالات ولقاءات واجتماعات وتدلي ببيانات وتصريحات إيجابية تصب كلها في دعم مقترح الحكم الذاتي ومباركته، وتقديم الدعم للمبعوث الشخصي للأمين العام الأممي في مهمته من أجل جمع الأطراف على مائدة التفاوض، يصر الطرف الآخر على عقد اجتماعات عسكرية وحربية، وإلقاء خطابات التحريض والكراهية والتضليل، في تناف تام مع الشرعية الدولية ومع الدينامية الدولية الجديدة التي أحدثت تحولا تاريخيا في مقاربة النزاع. ومن شأن استمرار الخطاب العدائي والممارسات العدوانية للطرف المتعنت الخارج عن الإجماع الدولي، وفي ظل فرض المنتظم الأممي لأجندة محددة لتهيئة مناخ مناسب لتنزيل الحكم الذاتي، أن يدفع إلى تصنيف هذا الطرف الرافض والمتمرد في خانة الدولة المارقة الراعية للإرهاب، بعد تصنيف ذراعها الميليشياتي الابتزازي في الخانة الإرهابية، وهو التصنيف الذي سيُحدِث، في حال وقوعه، متغيرا آخر جديدا في المنطقة، يصبح معه الحكم الذاتي شأنا مغربيا داخليا خالصا ومنتهيا، بعد وفاء المغرب بكل التزاماته الدولية، من غير تأخير ولا تماطل، وتعبيره الفعلي وبنِيَّة صادقة عن مساعيه الجدية والواقعية والحقيقية لتسوية النزاع وطيه نهائيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق