رعب في القوة الهاربة

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //
كلما حاول أزلام عصابة الكوكايين الحاكمة في الجزائر إيقاد نار حول المغرب، أشعلها الله في ثوبهم، وأحرق بها أخضرهم ويابسهم، وخاب مسعاهم، وصار الناس يترقبون أي حركة أو خبر صادر عن هذه العصابة وأزلامها وأبواقها الإعلامية ضد المغرب كنذير سوء في عقر الجزائر، حتى صار الجزائريون أنفسهم كلما ادعت العصابة خطرا وكارثة في المغرب، يتطيرون منها ويتحسبون أن تصيبهم، ويضعون أيديهم على قلوبهم ترقبا لحلول هذه الكارثة عاجلا بين ظهرانيهم. وقد ذكرنا في وقتها نماذج عديدة من هذه الكوارث التي ادعيت على المغرب، فحلت بالعصابة ومن والاها، وعلى رأسها دعاوى عزلة المغرب إقليميا وقاريا ودوليا، بل والعمل ليل نهار على ضرب هذه العزلة على المغرب سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا وجغرافيا، فما كان ويكون من هذه المحاولات إلا مزيد من انفتاح الدول على المغرب، وتوطيد العلاقات به، والانخراط في شراكات استراتيجية معه، فضلا عن زيادة عدد المعابر والجسور وخطوط الربط معه، حتى بات المغرب السقف الذي تحلم دول إفريقيا خاصة، والمنطقة المغاربية بالتحديد التي تجمعنا مع العصابة المفترية، أن تصله في درجة الانفتاح والاستقطاب والاستثمار في العلاقات الدولية المربحة والمنتجة. ومقابل كل فرية للعصابة حول عزلة مزعومة للمغرب، تُضرب العزلة القاتلة الفعلية على العصابة إلى الحد الذي صارت حدودها مع كل جيرانها مقطوعة وملتهبة ومهددة بإغلاق آخر معبر أو ممر إليها، وما يجري في الحدود الجنوبية للجزائر مع مالي والنيجر خير شاهد على ما بلغ إليه سفه العصابة ورعونتها من تسريع لوتيرة قطع العلائق وعزل الجزائر إقليميا ودوليا، هذا فضلا عن تتابع وقائع توتير العصابة علاقات الجزائر مع العديد من الدول الصديقة والشقيقة التي تربطها بها اتفاقيات تعاون ومصالح متبادلة كإسبانيا وفرنسا والإمارات العربية المتحدة وغيرها من الدول، التي أحدثت العصابة فيها، جراء تصرفاتها الصبيانية العشوائية وسوء تقديرها لعواقب طيشها، أضرارا وكسورا تتخبط فيها اليوم دون قرار.
سبب عودتنا إلى موضوع ارتداد كيد العصابة ضد المغرب إلى نحرها، وعودة الأخبار الكاذبة والمزيفة والإشاعات التي تطلقها في اتجاهه، إلى الداخل الجزائري لتظهر هناك واقعا وحقيقة، هو التصعيد الإعلامي الكبير الذي شغلت به العصابة شعبها في الأسبوعين الأخيرين، ومفاده أن المغرب يعرف نزيفا كبيرا يرتقب منه سقوط مدو لنظامه، دللت عليه في مرحلة بأخبار مزعومة عن صراعات بين الأجهزة الأمنية المغربية وتصفية حسابات، ودسائس وانقلابات ومؤامرات خطيرة على العرش، لتختلق خبر فرار وهروب الجنرال المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، مع إيراد تفاصيل عن وجهة هروبه وسببه… إلى درجة تصديق بعض المخدوعين من النشطاء الفايسبوكيين المغاربة للفرية، وتلقفهم لها وتبنيها ونشرها كخبر يقين في حساباتهم التي استغلتها العصابة لتوثيق خبرها المزيف ونسبته إلى مصادر مغربية، بعد أن كان مصدره الأول دولة العصابة. ولأنه، وحسب الثابت أو القاعدة التي كرسها إعلام العصابة ضد المغرب، كل إشاعة أو خبر كاذب مسيء تطلقه العصابة في اتجاه المغرب، تُعلم حقيقته وواقعه الملموس حالا في الجزائر، توقعنا بعد تكثيف العصابة نشاطها على بث هذه الإشاعات وتوجيه الأنظار والأخبار والأصابع إلى الداخل المغربي، أن ثمة كالعادة شيئا ما خطير يجري في الجزائر، وأن تكثيف الهجوم على المغرب بأخبار زائفة عن فرار مسؤوليه العسكريين ووجود تصدعات في أجهزته الأمنية، فضلا عن محاولات المساس بشخص الملك والعائلة الملكية، يعكس بالفعل ما يقع في الجزائر مما لم يعد ممكنا إخفاؤه. فخبر هروب وهمي لجنرال مغربي هو في الواقع للتغطية على وقائع مأساوية في جزائر العصابة، هو الهروب الحقيقي لعدد من الجنرالات والضباط والقادة والوزراء، آخرهم الذي يتوافق تاريخ حدوثه مع تاريخ نشر الخبر الزائف عن المغرب، هو هروب واختفاء الجنرال عبد القادر حداد المعروف باسم ناصر الجن مدير الاستخبارات والأمن الداخلي الجزائري الذي أقيل من منصبه قبل أربعة أشهر، وأخضع لإقامة جبرية وتحقيق عسكري. فتزامنا مع نشر فرية هروب جنرال مغربي، وظهور صراعات داخل المؤسسات العسكرية والأمنية المغربية، وحدوث زلزال في دولة المخزن، كانت دولة العصابة، وبعيدا عن تغطية من إعلامها المشغول بالافتراء على المغرب، مقلوبة رأسا على عقب بحثا عن جنيرالها الكبير والخطير الهارب أو المهرب أو المختفي، وضباطها الفارين معه، أو المنسقين لعملية الهروب الكبير. وطيلة مدة الافتراء على المغرب بأخبار كاذبة عن هروب لجنرال واختفاء للملك، كان الجنرال المغربي يظهر في تجمعات وحفلات تكريم، وكان جلالة الملك يترأس مجالس واحتفالات، ويظهر بين شعبه في الشوارع وفي زيارات لمدن وتنقلات من موقع إلى آخر، لتدشين مشاريع كبرى وإعطاء انطلاقة لعدد من أوراش البناء والنماء. كانت الجزائر في الأسبوعين الأخيرين من سباحة إعلامها في الماء الملوث والعكر الموجه نحو المغرب، مسرحا كبيرا لاستنفارات وتمشيطات أمنية واختفاءات لمسؤولين، وركحا لمؤامرات داخلية وأحداث تصفية حسابات وعنف بين أجهزتها الاستخباراتية والعسكرية التي يخرج أعضاء فيها من السجون إلى المناصب، ليدخلها أعضاء آخرون ينقلون من يومهم من المنصب الكبير إلى السجن الضيق، ومنه إلى الدخول في حالة هيجان حول هروب مدبر أو اختفاء، ولا نجد مسؤولا مدنيا أو عسكريا في الجزائر إلا وهو إما في السجن وإما في حالة سراح مؤقت، وإما في حالة كمون في انتظار الاعتقال. إذ وتزامنا مع هروب أو تهريب أو اختفاء الجنرال الجن، تتجه الأنظار التي أريد إسدال الستار المغربي عليها، إلى الوزير الأول نذير العرباوي المقال قبل شهر، والذي تشبه حالته حالة من اختفى “في ظروف غامضة” بعد منعه من مغادرة التراب الوطني، فوضع هذا الوزير المطاح به الذي فقدت عائلته أي خيط للاتصال به، يسائل هذا النظام الهجين عن ما يخبئه من مستقبل غامض للبلد وللمنطقة، لأن هروبه الدائم إلى الأمام بالأخبار المزورة والاتهامات نحو المغرب، دولة المؤسسات، الآمن والمستقر المتعفف عن مبادلته الشتيمة بالشتيمة، لن يغطي عن النزيف الحقيقي المتسع في دولة العصابة، والذي حول الجزائر إلى قوة كاذبة هاربة، تفقد يوما بعد يوم مصداقيتها وثقة محيطها الإقليمي والمجتمع الدولي في مؤسساتها واتفاقياتها وشراكاتها، كما أن الإسقاط الإعلامي الدائم للداء الجزائري على المغرب لن يشفي مرض وهوس العصابة بتحقيق حلم وأمنية إسقاط هذا المغرب الصامد وفتنته، لأنه بكل بساطة اجتاز القنطرة وعبر إلى المستقبل، واجتاز اختبار المصداقية والواقعية بحكمة قيادته وتلاحم شعبه، ومعرفته الاستشرافية العميقة بأن المستقبل الواعد للمنطقة سيتحقق حتما بعد أن يتغذى آخر رأس للعصابة بآخر ذيل مسموم لها.


