الغطاء والشعار غزة والمحتوى قذارة

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //
تقمع عصابة الكوكايين الحاكمة في الجزائر أي تجمع أو مظاهرة أو قافلة أو مسيرة للتنديد بالحرب في غزة ودعم الشعب الفلسطيني، وذلك بقوة القانون المانع لأي تجمهر سلمي، والمجرم لهذا الفعل المدني بقوة الحديد والنار، وتحت طائلة بنود الاتهام بالإرهاب وزعزعة الأمن والمساس بمعنويات الجيش والعمالة للاستعمار والصهيونية والإمبريالية وفرنسا والمخزن وهلم جرا من التهم التي يقبع آلاف الجزائريين بسببها في المعتقلات ومراكز التعذيب، والاختطاف والإخفاء القسري من قبل زوار الليل في سجن كبير يسمى جزائر الصمود والأنف ومكة التحرير والثورات والقوة الضاربة، ويرتعد منها ويرتجف الملايين من الطلقاء والطابوريين المحاصرين بين فكي تبون وشين القريحة. غير أن هذه الشدة والضراوة والوحشية في قمع ومنع قوافل ومسيرات المحتجين في الداخل الجزائري، لا تمنع العصابة من تحريض الجموع وحشد الحشود باسم نصرة الشعب الفلسطيني ودعم صمود غزة، وتوجيهها في مسيرات وقوافل نحو أراضي الغير من الدول الشقيقة ودول الجوار لإحداث الفوضى فيها وزعزعة أمنها، وخلق وضعيات اضطراب وإحراج أمني وأزمات داخلها تشغلها عن ما هي فيه من ترتيب بيتها الداخلي، ومن مقاومة الإرهاب والعدوان على سيادتها، والهدف تسميم الوضع في هذه الدول، والتحريش المعتاد والمرضي المزمن بين الشعوب، وإسقاطها في الفتنة، وتصدير الأزمات التي تعيشها دولة العصابة إلى خارج حدودها، انتقاما من هذه الدول ومن مؤسساتها السيادية، بإظهارها أمام شعوبها وأمام المتعاطفين مع قضاياها القومية العادلة، على أنها عميلة تقف في صف العدو، وأن رموزها الوطنية رموز خيانة للقضية، وأنها أولى بإعلان الاحتجاج والحرب عليها من إسرائيل، وأن غزة هنا تمتد حدودها والمعابر إليها عند النقطة التي توقف فيها السلطات الأمنية أو الجمركية للدول الشقيقة ودول الجوار التي ستعبرها الحشود المشبوهة المجمعة قطعها وألوانها وشعاراتها وسمومها في المخابر العسكرية الجزائرية، والمقذوف بها كصواريخ متفجرة عابرة ليس نحو إسرائيل، ولكن نحو قلب الأمة ونحو الأشقاء وبيوتهم الآمنة، لاستكمال حلقات المؤامرة الدنيئة والمزايدة الرخيصة بالدماء، والمتاجرة البائسة بمآسي الشعب الفلسطيني.
إن أية نذالة وخساسة ووضاعة من هذا النوع والماركة المسجلة جزائريا، وأية استغلالات قذرة للقضايا النبيلة والعادلة للشعوب، لم تعرفها القضية الفلسطينية في كل تاريخها وفي كل محطات معاناتها ونصرتها ودعمها، حتى من قبل الدول الأجنبية الغربية الموالية لإسرائيل أو المتواطئة ضد القضية الفلسطينية، وحيث خرجت المظاهرات السلمية الشعبية العفوية بالآلاف والملايين للاحتجاج على الحرب في غزة، وتسيير مسيرات وقوافل مدنية لفك الحصار عن الشعب الفلسطيني، اتجهت رأسا إلى إسرائيل وإلى ميدان المعركة ومنطقة التوتر، عبر البحر وعبر المياه الدولية، دون أن تقتحم على الدول حدودها، أو تعبث بسيادتها، أو تنحرف عن أهدافها المباشرة في إيصال المساعدة، والوصول بأقرب الطرق وأنجعها وأسرعها إلى غزة وإسرائيل، بدل المرور على أكثر من بلد ودولة، وإحداث الفوضى والشغب فيها، أو اختلاق وضعيات وأزمات تضيع القضية في ثناياها وتذوب وتتميع…
بدل ركوب البحر الأقرب بين نقطتي الانطلاق والوصول من دولة العصابة إلى دولة الاحتلال، اختارت عصابة الكوكايين لقافلتها التضامنية أو بالأحرى الحربية، أن تعبر من تونس الخضراء برا، في ما يشبه أكلا للثوم بفم تونس، نحو ليبيا الخارجة بالكاد من جراحها، في اتجاه مصر الكنانة والصمود، لتطول الرحلة والمعاناة ويتساقط النشطاء والمتعاطفون، ويتسلل المندسون والمفسدون والإرهابيون والانفصاليون الذين اتخذوا القافلة وأهدافها المعلنة والظاهرة، مطية وغطاء للتسرب إلى التراب الوطني لدول العبور، وتُرفع الشعارات ضد هذه الدولة وتلك، ويحتك المحتجون بأجهزة الأمن وشرطة الحدود ويصطدمون، ويتم في الأخير تحقيق الهدف المبطن والخبيث للعصابة، ألا هو شيطنة دول العبور العربية وأجهزتها الأمنية اليقظة التي ضبطت الملعوب وتصدت للمؤامرة المحبوكة، وحافظت ما أمكن على هدوئها وحكمتها وتوازنها في مواجهة حرب بالوكالة والتمترس خلف المدنيين، وهي تعلم من استخباراتها بأن هذا العدد الغفير من الأبرياء والبسطاء والنشطاء الملتحقين بكل عفوية بقافلة التضامن والاحتجاج لا يدرون أنهم حطب هذه الحرب وآلتها الجهنمية بيد العصابة الجبانة المقنعة التي تتخذهم درعا بشريا لتأمين مرور وعبور مخططاتها التخريبية والإرهابية شرقا من تونس إلى ليبيا فمصر، بعد أن ضبطت وفككت في مالي والنيجر وبوركينا فاسو وأغلقت عليها الحدود من جنوبها، أما عن إغلاق حدودها الغربية عليها من جهة المغرب، فحدث ولا حرج عن مخططاتها العدوانية لأزيد من نصف قرن.
لقد حملت عصابة الكوكايين الجاثمة على أنفاس شعبها، في هذه القافلة التضامنية المزعومة مع غزة الجريحة، كل ما نز وخاب من مخططات تدمير وتخريب الدول العربية وتزييف وعي شعوبها والتحرش بمؤسساتها وثوابتها وقراراتها السيادية، بدءا من الإساءة لمغرب التضامن الحقيقي والفعلي اليومي غير المنقطع مع القضية الفلسطينية، ومع أهالينا في غزة، سواء عبر قوافل المساعدات المغربية بالأطنان من الغذاء والدواء وغيرهما التي تصل يوميا إلى المعابر والمطارات، بما فيها القافلة الأخيرة التي عبرت في صمت وبغير مَنّ ولا أذى، وفي عز ضجيج الشعارات والسعارات في قافلة كسر التضامن الجزائرية، أو عبر المسيرات التضامنية بالآلاف والملايين، التي لا تكاد تخلو منها مدينة مغربية منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر من عام 2023، وهي المظاهرات التي تناقلتها وتتناقلها بتحريف وتزييف، إلى غاية اليوم، حتى وسائل إعلام العصابة، على أنها ثورات شعبية مغربية لإسقاط المخزن الذي تتحسسه العصابة في كل حركاتها وسكناتها وتتخيله في كوابيسها وأضغاث أحلامها.
الإساءة بدأت بالمغرب في القافلة المغاربية التضامنية المؤمنة المزعومة، برفع خرائط وهمية مزقت التراب الوطني المغربي وقزمته، وشطبت منها صحراءه، وعاقبت فيها موريتانيا بحذف خريطتها جملة وتفصيلا من الدول المغاربية المتضامنة، مع إضافة الخريطة المصرية إليها زيادة في إقحام مصر الشقيقة في المخطط المغاربي التقزيمي للعصابة، واعتبار مصر نقطة وصول واستهداف بهذه المسيرة والقافلة الجزائرية التي دست فيها العصابة كل أنواع سمومها وأحقادها.
ليعذرنا على هذه الصراحة القاسية، كل الأبرياء الذين استغلت العصابة عواطفهم الدينية والقومية والإنسانية المتضامنة، وتورطوا عن غير قصد، وبنواياهم الحسنة، وأحيانا أخرى بسذاجتهم السياسية وعماهم عن الدسائس والحيل الغادرة والحبائل والعمائل المركبة، ومن حيث لا يحتسبون، في ركوب مركب نراه اليوم لم يوصلهم إلى ساحة المعركة في غزة التي يظنون، وإنما إلى ساحات حرب جديدة من الكراهيات والمواجهات ضد الأشقاء والجيران، مخطط لها سلفا على مقاس عصابة الكوكايين الحاكمة في الجزائر، التي لم تهتم يوما ما بالفعل، لا بأمر غزة ولا بقضية الشعب الفلسطيني، ولا بالتضامن والوحدة المغاربية والعربية، لأنها رأس الحربة والشيطان في التحريش بين الشعوب، ونشر الكراهيات، وتقسيم الدول وتسليط الإرهاب والانفصال عليها، وشغلها ببذل الجهد والغالي والنفيس في مواجهة جرائمها ومخططاتها العدوانية، وتشتيتها الأنظار عن قضية الشعب الفلسطيني المقدسة والمبرأة التي توحد كل العرب والمسلمين والإنسانيين على عدالتها ومظلوميتها، بعيدا عن مزايدات عصابة شعارات ظاهرها الرحمة والتضامن والتوحيد ولم الشمل المزعوم، وباطنها العذاب والتشتيت والشيطنة، والاستغلال المقيت، إلى أبعد الحدود، للورقة الفلسطينية النازفة في قضاء مآرب أخرى قذرة، كشفت عنها وفضحتها قافلة التضامن العالقة والتائهة في ليبيا، المتروكة لمصيرها المجهول بعد أن حققت بها العصابة حزمة من الأهداف الثمينة والخبيثة، المتمثلة في تصدير أزماتها، وتوريط جيرانها، ونشر الكراهيات، وتوسيع الانقسامات حول القضية، وتزييف الوعي الشعبي العربي، بإعادتها تشكيل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وتصويره على أنه صراع عربي عربي أولا وقبل كل شيء، فقد صعدت أصوات من القافلة ومن تعليقات إعلام وأزلام العصابة، تقول إن حدود غزة المرسومة اليوم هي حيث تم إيقاف القافلة، وأن مصر وما سموه شرق ليبيا أرض خيانة واحتلال متواطئ، وميدان معركة الفصل والحسم القادمة، وأن تحريرهما أولى من تحرير غزة وفلسطين… بئس النتيجة الزائفة والمصير الحقير والهدف الدنيء، ولتهنأ إسرائيل بفخر صناعتها الجزائرية.



