سياسةمجتمعوطني

خريطة الهدر المدرسي تكشف أرقاما صادمة.. والحكومة تحذر من نزيف الرأسمال البشري

الرباط- عبد الحق العضيمي –

اعترف محمد سعد برادة، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بأن الهدر المدرسي يعتبر من أهم التحديات الأساسية التي تحول دون تحقيق التطور المنشود لمنظومة التربية والتكوين بالمغرب، مؤكدا أن التنامي المتزايد لنسبه يعتبر مظهرا من مظاهر هدر الرأسمال البشري، الذي يشكل ركيزة أساسية لكسب رهان التنمية.

وبلغة الأرقام، كشف المسؤول الحكومي، في جواب كتابي عن سؤال برلماني حول “محاربة الهدر المدرسي”، أن الوزارة سجلت تراجعا ملحوظا في أعداد المنقطعين عن الدراسة، حيث تقلص العدد بنسبة 17 في المائة، منتقلا من 334 ألفا و664 تلميذة وتلميذا خلال الموسم الدراسي 2021-2022 إلى 276 ألفا و179 تلميذة وتلميذا خلال الموسم الدراسي 2023-2024.

وأفاد الوزير بأن 54.5 في المائة من هؤلاء المنقطعين ينتمون إلى الوسط الحضري، فيما تشكل الإناث نسبة 38.64 في المائة من مجموع التلاميذ المنقطعين.

وأشار برادة إلى أن الحصة الكبرى من التلاميذ المنقطعين تسجل داخل الموسم الدراسي، بما في ذلك غير الملتحقين الذين يقدر عددهم بحوالي 230 ألفا و904، بنسبة 78.4 في المائة، فيما وصل عدد حالات الانقطاع الناتج عن الفصل إلى 63 ألفا و554، بنسبة 21.6 في المائة من مجموع المنقطعين.

وفي السياق ذاته، أوضح وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، أن نسب الانقطاع الدراسي على الصعيد الوطني انتقلت من 50 إلى 44 بين الموسمين الدراسيين 2021-2022 و2022-2023، مسجلة انخفاضا قدره 0.6 نقطة مئوية، أي ما يعادل 40 ألفا و206 منقطعين.

 وأضاف أن هذه النسبة كانت قد بلغت 6 في المائة خلال الموسم الدراسي 2017-2018، مشيرا إلى أن 62 في المائة من مجموع المنقطعين عن الدراسة تتجاوز أعمارهم 16 سنة، أي السن الإلزامي للتمدرس.

وبخصوص توزيع المنقطعين عن الدراسة خلال الموسم الدراسي 2022-2023 حسب الأسلاك التعليمية الثلاثة، أفادت المعطيات الرسمية بأن عددهم بلغ حوالي 58 ألفا و819 تلميذا في التعليم الابتدائي، وهو ما يمثل 20 في المائة من مجموع المنقطعين، مقابل 156 ألفا و988 تلميذا في التعليم الثانوي الإعدادي، بنسبة 53.5 في المائة، و78 ألفا و651 تلميذا في التعليم الثانوي التأهيلي، بما يعادل 26.7 في المائة من إجمالي المنقطعين المسجلين خلال الموسم ذاته.

برادة، أشار في جوابه إلى أن عدد التلاميذ المنقطعين عن الدراسة سنويا “لا يعكس بدقة الوضعية الحقيقية للهدر المدرسي على أرض الواقع”، مفسرا ذلك بكون عددا مهما من هؤلاء التلاميذ يلتحقون بمؤسسات التكوين المهني العمومية أو الخاصة، أو بمؤسسات التعليم العتيق، أو بمدارس الفرصة الثانية، وهو ما يجعل من الصعب تتبع مساراتهم الدراسية بدقة.

ولتجاوز هذا الإشكال، أكد الوزير أن الوزارة تعمل، بتنسيق مع مصالح التكوين المهني ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، على إرساء منظومة لتتبع ورصد هؤلاء التلاميذ، من خلال توحيد الرقم التعريفي للتلميذ(ة) بين مختلف القطاعات المعنية، بما يتيح ضبط المعطيات المرتبطة بالهدر المدرسي بشكل أكثر دقة داخل المنظومة التعليمية.

وأبرز برادة أن المجهودات المبذولة مكنت من استرجاع ما مجموعه 50 ألفا و448 تلميذا خلال الموسم الدراسي 2023-2024، من بينهم 31 ألفا و838 تلميذا سبق أن تم فصلهم عن الدراسة بقرارات مجالس الأقسام، إضافة إلى 18 ألفا و610 منقطعين.

كما أكد أن السلك الثانوي الإعدادي يسجل أكبر عدد من المنقطعين ضمن مختلف أسلاك المنظومة التعليمية، رغم أن هذا العدد عرف تراجعا ملحوظا بنسبة 14.6 في المائة مقارنة مع الموسم الدراسي 2021-2022.

ولتقليص الظاهرة، أوضح برادة أن الوزارة شرعت، في إطار تنزيل خارطة الطريق 2022-2026، في تنفيذ برنامج “إعداديات الريادة” برسم الموسم الدراسي الحالي 2024-2025، على مستوى 232 إعدادية موزعة على مجموع عمالات وأقاليم المملكة، بهدف توفير شروط مادية ملائمة ومحيط تربوي محفز يساهم في تحسين ظروف العمل والتعلم داخل المؤسسات التعليمية.

وتابع أنه “استكمالا للدينامية الجديدة التي عرفها التعليم الابتدائي خلال الموسم 2023-2024 مع تنزيل نموذج مدارس الريادة بـ 8 في المائة من مجموع مؤسسات التعليم الابتدائي العمومي، تم توسيع نموذج مؤسسات الريادة بالسلك الابتدائي خلال الموسم الحالي 2024-2025 إلى 2626 مؤسسة، على أن يتم توسيع العمل بهذه المؤسسات بإدراج 2000 مؤسسة تعليمية سنويا، في أفق التعميم سنة 2028”.

ولتقليص ظاهرة الهدر المدرسي، أكد برادة أن الوزارة اعتمدت مجموعة من الإجراءات الهيكلية، في مقدمتها مواصلة توسيع العرض المدرسي، إذ بلغ عدد المؤسسات التعليمية خلال الموسم الدراسي 2024-2025 ما مجموعه 12.258 مؤسسة، موزعة على 8397 مؤسسة بالسلك الابتدائي، و2297 مؤسسة بالسلك الثانوي الإعدادي، و1564 مؤسسة بالسلك الثانوي التأهيلي.

وأوضح الوزير أن نسبة تغطية الجماعات القروية بالتعليم الابتدائي بلغت 100 في المائة، بينما بلغت التغطية بسلك الثانوي الإعدادي 77.5 في المائة، ووصلت في الثانوي التأهيلي إلى 41.6 في المائة، برسم الموسم الدراسي 2023-2024.

كما انتقل عدد المدارس الجماعاتية من 306 خلال الموسم الدراسي 2023-2024 إلى 329 مدرسة جماعاتية خلال الموسم 2024-2025، فيما ارتفع العدد الإجمالي لهيئة التدريس بشكل ملحوظ ليبلغ 288 ألفا و943 أستاذا وأستاذة.

وفي سياق متصل، أفاد برادة بأن الوزارة واصلت تعزيز خدمات الدعم الاجتماعي للحد من الهدر المدرسي، مبرزا أن عدد المستفيدين من منحة الدخول المدرسي، في صيغتها الجديدة ضمن مبادرة “مليون محفظة” في إطار نظام الدعم الاجتماعي المباشر، بلغ حوالي 3 ملايين تلميذ وتلميذة.

كما أورد أن عدد المستفيدين من الداخليات خلال الموسم الدراسي الحالي بلغ 13 ألفا و67 مستفيدا، مسجلا ارتفاعا بنسبة 28.2 في المائة مقارنة بالموسم السابق، في حين بلغ عدد المستفيدين من الإطعام المدرسي 77 ألفا و908، بينما وصل عدد المستفيدين من النقل المدرسي إلى 650 ألفا و709 تلاميذ.

وأشار برادة إلى أن الوزارة اتخذت، إلى جانب ذلك، مجموعة من التدابير التربوية، من بينها استفادة ما يقارب 400 ألف تلميذ وتلميذة خلال الموسم الدراسي 2023-2024 من حصص دعم مخصصة لمعالجة التعثرات، وفق مقاربة “التدريس حسب المستوى المناسب” (TaRL)، فضلا عن تعزيز الدعم المدرسي لفائدة التلاميذ الذين يواجهون صعوبات في التعلم، بما يضمن استكمال مسارهم الدراسي إلى نهاية التعليم الإلزامي.

وفيما يخص الفتيات بالوسط القروي، شدد الوزير على أن الوزارة تواصل جهودها في توفير المواكبة التربوية لهن خلال مرحلة الانتقال من التعليم الابتدائي إلى السلك الثانوي الإعدادي، في أفق تحقيق هدفين رئيسيين، أولهما محاربة الهدر المدرسي في صفوفهن، وثانيهما الإسهام في الحد من ظاهرة زواج القاصرات وضمان استمرارية تمدرس الفتيات في المناطق القروية. وخلص برادة إلى التأكيد على أن الهدر المدرسي يظل مرتبطا بعدة عوامل مركبة، منها ما هو سوسيو- ثقافي وديموغرافي واقتصادي وجغرافي، إضافة إلى ما هو مرتبط بالمنظومة التعليمية نفسها، مشددا على أن مواجهة هذه الظاهرة تستدعي تضافر جهود كافة المتدخلين، وضمان التقائية السياسات القطاعية ذات الصلة بالموضوع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق